Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل يحل القضاء الخلاف السياسي بين رأسي الحكم في تونس؟

لم تستطع الوساطات نزع فتيل الأزمة بسبب غياب المحكمة الدستورية

اجتهد الفقهاء والقانونيون والباحثون في تفاصيل الخلاف الدستوري بين رأسي السلطة التنفيذية في تونس (أ ف ب)

مرّ أسبوعان تقريباً على منح مجلس النواب التونسي الثقة للوزراء الجدد في حكومة هشام المشيشي من دون أن يتمكن هؤلاء من حلف اليمين الدستورية أمام رئيس الجمهورية قيس سعيد وإصدار أوامر تعيينهم في الجريدة الرسمية ليستطيعوا مباشرة مهماتهم.

رئيس الجمهورية رفض قبول أداء بعض الوزراء اليمين أمامه بحجة أن من بينهم مَن ارتبط بشبهات فساد وتضارب مصالح، وأن رئيس الحكومة لم يحترم مقتضيات الدستور عند القيام بالتحوير الوزاري، ما دفع المشيشي إلى طلب الرأي الاستشاري للمحكمة الإدارية، الأمر الذي أثار جدلاً لم يتوقف بعد حول أهليتها في ذلك، وهل لقرارتها أو لرأيها الاستشاري القيمة القانونية في دفع سعيد إلى القبول بأن يقسم الوزراء اليمين أمامه.
وقال القاضي السابق في المحكمة أحمد صواب إن "الاستشارة المقدمة للمحكمة لا تحجب كون مضامين الخلاف بين مؤسستي رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة سياسية، وأن المحكمة لها الشرعية في تقديم رأيها وهو غير ملزم، ولكن في حال عدم إقرار المحكمة اختصاصها، يجب على رئيس الحكومة أن يستقيل، وإذا كان الرد لصالح رئيس الحكومة يجب على رئيس الجمهورية القبول باستقبال الوزراء الجدد لأداء اليمين أمامه".

فوضى

لم تستطِع كل الوساطات أو الأطراف التي سعت إلى نزع فتيل الأزمة، حلحلتها بسبب عدم وجود المحكمة الدستورية التي كان مقرراً إنجازها بعد سنة من انتخابات عام 2014 وعُطّل التنفيذ جراء غياب الإرادة السياسية في البرلمان السابق أو الحالي. وقال أستاذ القانون الدستوري أمين محفوظ إن "أي قرار سواء لعزل الرئيس أو طلب مساءلته غير ممكن نتيجة ذلك".

خلاف دستوري يتحول إلى صراع في المحاكم

وبعدما كان الخلاف سياسياً، انتقل إلى ساحة القضاء، وهذا ما فتح الباب للكثيرين ليدلوا بآرائهم، فاجتهد الفقهاء والقانونيون والباحثون في تفاصيل الخلاف الدستوري بين رأسي السلطة التنفيذية ومن يساندهم سياسياً، وانقسم خبراء الفقه الدستوري بين مساندين لموقف الرئيس ومن يعتبرون أن موقف رئيس الحكومة قانوني. ولفت محفوظ إلى أنه لا يمكن للمحكمة الإدارية في غياب نص دستوري صريح إبداء رأيها في مسألة دستورية جوهرية تتعلّق بنزاع بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، مقترحاً على مشيشي استدعاء متخصصين في القانون الجزائي للبحث في التداعيات المحتملة لبعض القرارات المرجح اتخاذها لحل أزمة التحوير الوزاري.

أضاف محفوظ ألا حجية لرأي المحكمة الإدارية على رئيس الجمهورية، "رئيس الدولة، رمز وحدتها، يضمن استقلالها واستمراريتها، ويسهر على احترام الدستور، طبق الفصل 72 من الدستور، والمسؤول عن الأمن القومي والقائد الأعلى للقوات المسلحة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في المقابل، خالف عدد من أساتذة القانون الدستوري هذا الرأي، وقال الأستاذ عياض بن عاشور إن رئيس الجمهورية ليست له السلطة التقديرية، ويجب عليه قبول أداء يمين الوزراء الجدد في حكومة المشيشي، مشيراً إلى أن رفضه ذلك، يعتبر خطأ جسيماً ضد الدستور ويمكن إعفاؤه بسبب ارتكابه.

وأضاف، "وفي صورة رفض قيس سعيد، يمكن توظيف نظرية الإجراء المستحيل، ومباشرة الوزراء الجدد مهماتهم"، مشدداً على أن رئيس الجمهورية له سلطة مقيّدة وليست تقديرية، وإذا رفض قبول أداء اليمين بالنسبة إلى الوزراء الجدد، فإنه يصار حينها إلى توظيف نظرية الإجراءات المستحيلة.

تعقيد الأوضاع السياسية

ووصف المحلل السياسي هشام الحاجي ما تشهده الساحة السياسية في تونس من مهاترات بـ"الحال العبثية"، معتبراً أن الوضع الذي يعطّل الحياة السياسية ويمنع الوزراء من تولي مهماتهم يزيد الأمور تعقيداً، فضلاً عن أنه يعمّق الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، محذراً من نتائج هذه الممارسات على مصداقية مؤسسات الحكم وثقة الشعب بالحاكم. وأضاف أن استمرار التشبث بالمواقف السياسية على حساب المصلحة العامة سيزيد من تعميق الأزمة واستفحالها.

غياب التنازلات

التصعيد في المحاكم يحمل خلفه تعبئة في المواقف للحزام الحزبي المؤيد للحكومة، الذي يدفع إلى استمرار الأزمة، وعدم القبول بموقف رئيس الجمهورية، وهو ما عبّر عنه القيادي في "حركة النهضة" رفيق عبد السلام بالقول إن موقف الحزام الحكومي لم ولن يتغير، لأنه قائم على سند دستوري قوي وأعراف سياسية واضحة.

أضاف أن الوضع الطبيعي يتمثّل في قبول أداء اليمين وهو لزوم ما يلزم، لكن يبقى على رئيس الحكومة هشام المشيشي، مدعوماً بحزامه البرلماني، تحديد الخطوات التي تناسبه بعد التشاور مع فقهاء القانون والهيئات التحكيمية، والمهم ألا يتم تبديد المزيد من الوقت والجهد، والتركيز بدلاً من ذلك على حل مشكلات البلاد المستعصية.

حجم السخرية

وبعد 15 يوماً على نيل الحكومة الثقة وبقائها منتظرة أداء اليمين وانتقال الخلاف الى القضاء، حفلت مواقع التواصل الاجتماعي بتغريدات تعكس حجم السخرية حول ما آلت إليه الأوضاع في تونس، الأمر الذي اعتبرت الإعلامية سمية الدريدي أنه يعكس صورة واقعية للحالة النفسية للشعب في مواجهة هذه الأزمة التي لا يبدو أن لها مخرجاً ممكناً في القريب العاجل. 

المزيد من العالم العربي