Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حلقة في مسلسل "اغتيال" لبنان

هل صار القلم المعبّر عن العقل المتنور الحرّ "جواز" القوى الظلامية لقتل صاحبه؟

لا أحد يتوقع كشف قتلة لقمان سليم (رويترز)

لقمان سليم كاتب ومترجم وناشر وموثّق ومخرج أفلام، لا مجرد ناشط في الحراك المدني اللبناني، وهو مفكر موسوعي وحالم بجمهورية تليق بمغامرة لبنان كوطن أصيل في الشرق ومنفتح على الغرب، لا مجرد ناقد لـ "حزب الله" ومشروعه المرتبط بدولة الملالي في إيران، وطموحها الجيوسياسي وفكرها المذهبي، وليس اغتياله سوى حلقة في سلسلة بدأت خلال الثلث الأخير من القرن الماضي، عشية الثورة الإيرانية التي أمسك بها الإمام الخميني، وبعد إقامة ولاية الفقيه لقيادة المسلمين حول العالم.

كان الهدف المباشر سحب النخبة الشيعية من الأحزاب العلمانية واليسارية وإعادتها إلى بيت الطائفة، أما الذين يصرّون على البقاء في أحزابهم والتمسك بأفكارهم، سواء كانوا في الحزب الشيوعي أم في الحزب السوري القومي الاجتماعي أم في حزب البعث العربي الاشتراكي، فإن التصفية مصيرهم.

كان في طليعة الذين جرى اغتيالهم المفكران الماركسيان مهدي عامل وحسين مروة. الأول تحدث عن وقوع الدولة في "تناقض مأزقي" لأن "الشكل الطائفي الذي هو أساس وجود الدولة اللبنانية كدولة بورجوازية، هو العائق الأساس دون أن تكون هذه الدولة دولة بورجوازية"، وهو سخِر من"الإصلاح الطائفي"، واصفاً التوازن الطائفي بأنه "توازن هيمني: استبدال هيمنة طائفة بأخرى وليس حلاً، لأن العلة هي وجود النظام نفسه كنظام طائفي".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أما الثاني فأعاد قراءة التراث العربي في ضوء التحليل الماركسي، وكشف جذور الأفكار التقدمية في الماضي، وهذا مخيف للقوى التي تعمل من أجل الغلبة الطائفية، وتحرص على أن يكون الحاضر والمستقبل استعادة للماضي المحشور في قميص ضيّق من الفكر الغيبي أو الوجود المتخيل، وهو ما يحدث أيضاً في العراق، حيث تصطاد القوى الطائفية طلائع الناشطين في الانتفاضة الشعبية، ثم توسعت حلقات المسلسل ضد النخبة في الطوائف كلها، وعلى يد أكثر من قوة، ومن أجل أهداف مختلفة.

وإذا كان المثقفون الأرثوذكس والشيعة هم الأكثر انخراطاً في الأحزاب العلمانية الراديكالية والتيارات الليبرالية المعتدلة من بين مثقفي الطوائف الأخرى، فإن "حقول القتل" شملت الجميع، إما على يد قوة تعمل لهيمنة إقليمية، وإما على يد قوى تعمل لهيمنة طائفية، وهكذا شملت قائمة الضحايا الرئيس رفيق الحريري وسمير قصير وجبران تويني وجورج حاوي ومحمد شطح، وكانت محاولات لاغتيال مروان حمادة ومي شدياق وإلياس المر، ومن قبل اغتيل المناضل الماركسي سهيل الطويلة، كما اغتيل رئيسا الجمهورية بشير الجميّل ورينه معوض، والوزير السابق بيار أمين الجميّل.

وباستثناء حكم المحكمة الدولية على سليم عياش، وهو من "حزب الله"، في قضية الحريري ورفاقه، فإن كل الجرائم بقيت في خانة القاتل "المجهول"، فلا أجهزة الأمن كشفت أو أقله أعلنت أنها كشفت أي قاتل، ولا القضاء تمكّن من الحكم في أية قضية، وحتى في جريمة رهيبة أوقعت 200 قتيل وآلاف الجرحى وهدمت أحياء في بيروت، وهي جريمة "العنبر رقم 12" في مرفأ بيروت، حيث انفجرت نيترات الأمونيوم، فإن قاضي التحقيق لم يصل الى أساس المشكلة والمسؤولين الأساسيين، وحين استدعى رئيس حكومة مع وزيرين سابقين إلى التحقيق، قامت القيامة عليه وجرت المطالبة بأن يتنحى، ولم يكن ينقص سوى تحويله إلى المحاكمة حيث يتحكم القدر بالقضاء، لكن المعادلة في لبنان صارت واضحة: كل جريمة لا يتم كشف القتلة الحقيقيين فيها يكون القاتل معروفاً جداً، والسلطة لا تجرؤ على تسميته.

لا أحد يتوقع كشف قتلة لقمان سليم، وإن كانت الجريمة تحمل توقيعاً كاملاً في نظر الرأي العام، فالبلد كله يتعرض لجريمة متمادية هي تغيير جوهره وطبيعته، وأخذه إلى مشروع إقليمي هو عملياً مشروع حرب دائمة، والقوى الدافعة وراء المشروع تمسك بخيوط اللعبة، لكنها تبدو خائفة من أية حركة وأي مثقف، وترى في أي دفاع عن جوهر لبنان "مؤامرة" عليها، ولا أحد يعرف متى تقوم جبهة وطنية تواجه مشروع تزييف لبنان، وتبني مشروع دولة وطنية مدنية، فهل صار القلم المعبّر عن العقل المتنور الحرّ هو "جواز" القوى الظلامية لقتل صاحبه؟ وهل صار المسؤولون حراس مقبرة؟

قديماً قال الشاعر الروماني جوفينال:"من يحرس الحراس أنفسهم؟".

المزيد من تحلیل