Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عوائق سياسية أمام عودة نازحي دارفور

ارتفاع وتيرة الحوادث خصوصاً بعد مغادرة بعثة حفظ السلام المشتركة بين الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي الإقليم

ترتفع مناداة النازحين بضرورة سماع صوتهم باستعراض الخلل المؤسسي في البنى التحتية الذي أدى إلى شعورهم بالظلم والسخط (اندبندنت عربية - حسن حامد)

في زيارته ولاية دارفور في نوفمبر (شباط) 2019، تعهّد رئيس الوزراء عبدالله حمدوك تصحيح أوضاع النازحين في المعسكرات التي هُجِّروا إليها من مناطقهم الأصلية بسبب الحرب المشتعلة منذ عام 2003 وإعادتهم إلى ديارهم، وكذلك إعادة اللاجئين من تشاد ودولة جنوب السودان. وعلى الرغم من توقيع اتفاق جوبا للسلام بين الحكومة الانتقالية والحركات المسلحة؛ إلَّا أنَّ معاناة النازحين يفاقم من بعدها الإنساني بعد سياسي آخر وهو أنَّ الحركات المسلحة في حرصها على إبقائهم على حالهم حتى تتحقق مطالبها السياسية، تغض قواتها الموجودة هناك الطرف عن الأسلحة المنتشرة في تلك المناطق فضلاً عن تقاعس القوات الحكومية، ما أدى إلى زيادة وتيرة الأحداث خصوصاً بعد مغادرة بعثة حفظ السلام المشتركة بين الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي (يوناميد) في ديسمبر (كانون الأول) الماضي بعد أكثر من عشر سنوات منذ نشرها في دارفور. 

حشد قبلي

أعتقد كثيرون أنَّه بقيام الثورة سيتحقَّق السلام إذ التزمت الحكومة الانتقالية بحل نهائي لمشاكل الإقليم. وقد شهدت الفترة القصيرة الماضية الحوادث مدينة الجنينة غرب دارفور التي أدت إلى مقتل 150 شخصاً، وأحداث عنف أخرى بين قبيلتي الفلاتة والرزيقات أدت إلى مقتل 129 شخصاً. والاشتباكات في الحالتين نتيجة لخلافات قبلية بدأت بمشاجرات محدودة وازدادت وتيرتها بالحشد القبلي وارتفاع حدة خطاب الكراهية، كما تلعب الحركات المسلحة خصوصاً حركة تحرير السودان جناح عبد الواحد محمد نور دوراً في هذا الاستنفار للاقتتال لوجودها الكثيف في الميدان. وهذه الحوادث لا تسمح بتقييم تجربة السلام بين الحكومة الانتقالية والحركات المسلحة تقييماً مجرداً، ولكن حمّلت آمالاً كبيرة وهي التي كان من المفترض أن تتم بعدها تحولات في بنية الحكم في الإقليم خصوصاً مع تركيز حركة تحرير السودان على رفض مسارات السلام المختلفة مع الحكومة السابقة ومن بعدها الحكومة الانتقالية. ومع وضوح رفضها المفاوضات مع الحكومة السابقة، إلَّا أنَّ التشويش الذي حدث من رفضها اتفاقيات السلام مع الحكومة الانتقالية، فُسِّر بإعلاء الحكومة حركات على حساب أخرى وضعف قوات عبد الواحد مقارنةً بالحركة المنشقة عنها حركة تحرير السودان جناح منّي أركو مناوي، بالإضافة إلى تركيز نور على قضية انفصال دارفور. وبعد دخول حركته في مشاحنات مع مكونات داخلية حاول كسب نقطة بطرحه مبادرة لعقد مؤتمر للسلام داخل السودان مستقل عن المفاوضات السابقة، ذكر أنَّها "لمخاطبة جذور الأزمة التاريخية والتوافق على حكومة مدنية من شخصيات مستقلة". 

 

تمركز حول الموارد

ثمة أمور كثيرة تتوقف على ميدان القتال الذي تنطلق منه هذه الحركات وتعود إليه، فقد استفاد بعضها من التمركز حول مناجم الذهب أو مناطق تزدهر فيها أنواع أخرى من التجارة الحدودية بين السودان وتشاد ودول غرب أفريقيا. وتحصل هذه الجماعات بفضل سيطرتها على مساحات كبيرة من الأراضي على موارد مالية هائلة، من خارج إطار الدولة. وهناك مورد مهم هو الدعم السخي للمنظمات الدولية، الذي اعتمدت عليه الحركات ولم يستفد الإقليم من المعونات المقدمة منها مما جعله بعيداً عن التنمية. ويلفت هذا الأمر إلى منع الحكومة الانتقالية البعثة السابقة (يوناميد) من إيصال المساعدات للمتضررين مما يثير كثيراً من علامات الاستفهام ويشير إلى احتمالية تواطؤ بين الحكومة وبعض الحركات في إطار استرضائها. وعلى الرغم مما حملته بنود اتفاق السلام من مكاسب لأهل الإقليم متمثلة في مناصب لقيادات الحركات المسلحة، إلَّا أنَّهم في ظلِّ النظام المركزي وممارسة عملهم من الحكومة المركزية في الخرطوم، لن يتمكّنوا من تقديم شيء للإقليم المهمَّش وكذلك الحال بالنسبة للأقاليم الأخرى التي تشهد نزاعات مسلحة.

قوات وطنية 

وسط تخوف أهل دارفور من انعدام الأمن بشكل أكبر بعد مغادرة بعثة (يوناميد)، لا يُتوقَّع أن تحل بعثة الأمم المتحدة المتكاملة (يونيتامس) محلها فعلياً، فعلى الرغم من نشر قواتها في كل السودان وفقاً للفصل السادس، إلَّا أنَّ مهمتها تنحصر في مساعدة الحكومة الانتقاليّة على بناء السلام والتحول الديمقراطي وإيصال المساعدات الإنسانيّة للمناطق المنكوبة ومراقبة العنف والصراعات من دون تدخل مباشر. وفي ما يتعلَّق بالاستبدال التدريجي لهذه القوات الأممية بقوات وطنية مشتركة بين الحكومة والحركات وفق ما نصَّ عليه اتفاق جوبا، فإنَّ التحدي الذي سيواجه أهل الإقليم هو تحولها من قوات معادية مارست القتال عليهم من قبل إلى قوات حفظ أمن وهو ما لا يبدو مقنعاً للمواطنين في مناطق النزاعات ومعسكرات النزوح. كما أنَّ هذه القوات تنتظر إعادة هيكلة القطاعات العسكرية والأمنية ودمجها فيها على أن تكون خدمتها في العاصمة وفي المدن الكبيرة، ما يجعلها زاهدة في العمل في مناطق النزاع ومعسكرات النازحين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

خلل مؤسسي

بعد قيام الثورة كانت تسيطر حالة من الأمل في معسكرات النزوح في الاستقرار والعودة إلى ديارهم على اعتبار أنّ المتسبب الرئيس في هذه الحرب تم إسقاطه. ولم تستمر هذه المرحلة كثيراً إذ إنّ المواجهة بدأت بين الأحزاب والحركات المسلحة في اقتسام المناصب، وانسحب الثوار الذين كانوا ينادون بهذه الحقوق. ظهر بعدها العنف واستمر وسيلة للتعبير عن الحاجة عندما غابت الوسائل السلمية وسط النازحين. أما بالنسبة للحركات المسلحة فيمثل العنف أداة لمواجهة السلطة أو الضغط عليها واتخاذه وسيلة لنيل مطالبها أو أحد وسائل هيمنتها على تلك المناطق وفرض سيطرتها إذ ينحصر أثرها في مجرد تغيير العنف من نظام إلى ظل نظام آخر وبمبررات جديدة. وساهم في تفاقم خيبة الأمل حدوث نوع من الثورة المضادة تُرجمت في احتجاجات متفرقة اختلطت فيها تلك التي تهدف إلى اجهاض الثورة وتستهدف التغيير الذي تحاول إحداثه الحكومة الانتقالية، مع الاحتجاجات على سوء الأوضاع المعيشية وانعدام الأمن وغيرها. وتعرض النازحون الذين وعدهم حمدوك بحل مشاكلهم لحالة من الإحباط نتيجة تجاهلهم وتركهم عرضة لقيادات الحركات، فبالإضافة إلى الحاجات الإنسانية الأساسية وعدهم المتفاوضون بأن يكونوا جزءاً من المفاوضات. ومن جانب آخر ترتفع مناداة النازحين بضرورة سماع صوتهم باستعراض الخلل المؤسسي في البنى التحتية الذي أدى إلى شعورهم بالظلم والسخط، ولكن مع عدم استتباب الأمن وضعف آليات السيطرة، لم يُكبح استخدامهم العنف فاستشرى خصوصاً في المناطق الخاضعة لاستقطاب قبلي مستمر. 

آلية النازحين

من ضمن وعود مجلس الوزراء ضرورة مشاركة اللاجئين والنازحين في معسكرات النزوح في عملية التفاوض باعتبارهم المتضررين الأساسيين من الحرب. ويوضع في الاعتبار أنّه من شأن الممارسات المعتادة للحركات المسلحة تعريض الإقليم لمزيد من الاضطرابات الأمنية وإثارة النزعات القبلية، والتهميشين الاقتصادي والسياسي، لذا بوجود النازحين فإنَّ الحل الذي وُضع في المشاركة السياسية سيكون محدّداً وليس خاضعاً لمحاصصات بين الحكومة والحركات. كما أنَّ قضايا النزاع الإثني التي استثمرها نظام الإنقاذ السابق بإثارة القبائل العربية على الأفريقية، تبدو قائمة حتى بعد زواله ما يشير إلى ضرورة معالجة جذورها المتمثلة في حيازات الأراضي وكل أشكال التهميش تزامناً مع حصول قيادات الحركات على مناصبهم في السلطة.

 

لم تقترح آلية النازحين إدخالهم في تقسيم الموارد أو المصادر المتنازع عليها، وقد جرب السودان هذه الآلية في الصراع مع جنوب السودان على قسمة النفط بين الحكومة متمثلة في شريكي الحكم، النظام السابق والحركة الشعبية لتحرير السودان من ناحية والمجتمع المحلي من ناحية أخرى، ولم يستفد المجتمع من العائدات في التنمية بل كانت تذهب للولاة التابعين للنظام السابق. وبعدها خضعت الحكومة لآلية معقدة أخرى أدت إلى ذهاب 75 في المئة من نفط السودان إلى دولة الجنوب. 

وعلى الرغم من قيام الثورة باسم الشعب السوداني والمهمشين والنازحين ووضع هذه الآلية تبعاً لاتفاقية السلام، إلّا أن النازحين لم يجنوا فائدةً أسوة بالحركات التي تحارب باسمهم. غير أنّ بعض الحركات أرادت المضي قدماً إلى ما هو أبعد من ذلك لكن حوصرت في مهمة سد الفراغ الأمني الذي ساهم فيه إحساس أفرادها بحصارهم داخل ولاية دارفور بعدما أظهرت تعقيدات السياسة الإقليمية في غرب أفريقيا أنّ نشاطهم وخوضهم المعارك خارج الحدود لن يدوما طويلاً. 

من المتوقَّع أن تقود الحوادث الأخيرة ومع انتشار القوة المشتركة (يونيتامس) إذا لم يتوقف العنف، إلى احتمال تدويل قضية دارفور مرةً أخرى. وإذا لم يكن هناك سلام فإنَّ مرحلة التعايش مع الخلافات والصراع تبدو مناسبة مؤقتاً. مع عدم إغفال إمكان الوصول إلى تسوية بين الأطراف المتصارعة بإدخال تغيير أو تعديل في الأولويات أو المواقف. وما يخشاه قادة الحركات هو تغيير القيادة السياسية أحد الأطراف أو أن تمس مطالبات النازحين بالتغيير أولوياتهم وتقود إلى فرض تحالفات جديدة من دون أن يكونوا جزءاً منها.

المزيد من تحلیل