Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كورونا يقهر ريمي جوليان البطل الخفي في 400 فيلم 

طوال نصف قرن كان الأشهر في عالم المخاطرة السينمائية وحل محل ممثلين كبار منهم جيمس بوند 

البطل الخفي الفرنسي ريمي جوليان (غيتي)

يُقال إن في سجله 1400 مساهمة، منها 400 فيلم سينمائي، رقم من الصعب التأكد منه لضخامته. إنه البديل الفرنسي الأسطورة ريمي جوليان، الذي توفي قبل أيام معدودة جراء إصابته بفيروس كورونا عن 90 عاماً، بعد مرور أسبوعين على دخوله المستشفى. لا يوجد هاوي أفلام حركة لم يرَ اسمه في جنريك النهاية. فعلى مدار أكثر من نصف قرن كان جوليان البديل الأشهر في السينما، كان بطل الظلّ في أفلام جان بول بلموندو ولوي دو فونيس وجيمس بوند وغيرها. أحدث ثورة في عالم المخاطرة السينمائية، حتى إن روجر مور قال فيه لا وجود لبوند من دونه.

البديل هو ذاك الشخص الذي يحل مكان نجم الفيلم في المشاهد الخطرة التي تتطلب مجازفة بدنية وروح مغامرة. البدلاء نخبة محدودة من الممثّلين الجريئين. لا بد لمن يريد العمل بديلاً في السينما أن يجيد جميع الأدوار الخطرة: المشاركة في عراكات بالأيدي، السقوط من فوق المباني الشاهقة، ركوب الخيل وقيادة السيارات والدراجات النارية السريعة والصعود في الطائرات في مختلف الظروف والأحوال. فالبديل يجيد دوره نتيجة التخصص والتفرغ والخبرة والمراس، والأهم من ذلك نتيجة التحضير والإعداد المسهب. هو عبارة عن خبير يمكن الاعتماد عليه عند التصوير، يعرف ما ينبغي عليه فعله وكيف وأين ومتى يقوم بذلك. ريمي جوليان كان أشهر مَن عمل في هذا المجال وأعظمهم. فيلماً بعد فيلم، بات مرجعاً أساسياً للبطولة والشجاعة والمجازفة.

في طفولته، لم يكن يتوقف عن الحركة. اكتشف أفلام تشارلي شابلن وباستر كيتون ولوريل وهاردي في سن مبكرة. هكذا وضع رجله في الفنّ السابع. ثم، في العام 1957، وهو في الثامنة والعشرين، فاز ببطولة فرنسا في السباق على الدراجة النارية التي كانت هوايته الأولى، ففي عمر الثانية عشرة كان يسرق دراجة والده. من هنا، اكتسب عشقه للسرعة والمجازفة.

في 1964، تعرّف على البديل المغامر الكبير جيل ديلامار الذي اقترح عليه تولي إتمام بعض المشاهد الخطرة في “فانتوماس” لأندره أونبيل، وهو أحد كلاسيكيات السينما الفرنسية من بطولة لوي دو فونيس. كان عليه أن يكون بديل جان ماريه. هكذا تسلل إلى عالم السينما كمحترف، لا كمتفرج على بهلوانات باستر كيتون فحسب. طوال السنوات اللاحقة فعل كلّ شيء يمكن تخيله. لكنه اشتهر في الدرجة الأولى بمشاهد المطاردات بالسيارات التي كنا نراها حينذاك في الكثير من أفلام الأكشن. كان بديلاً لعدد كبير من الممثّلين، من بينهم إيف مونتان وألان دولون وروجر مور. واشتهر بعمله بديلاً لجان بول بلموندو الذي التقاه لأول مرة في "السطو" لهنري فرنوي في العام 1971، فيلم يتضمن مطاردة شهيرة في شوارع أثينا.

مع دو فونيس

إحدى أبرز مساهماته كانت في الفيلم الشهير "لا غراند فادروي" (1966) مع لوي دو فونيس وبورفيل الذي تربع لسنوات على عرش أكثر الأفلام مشاهدةً في تاريخ السينما الفرنسية. فيلم كوميدي تدور أحداثه خلال احتلال النازيين فرنسا. كان ريمي يقود دراجة عسكرية على طريق جبلي متعرج، مرتدياً زي جندي ألماني. ينتهي مساره في بركة مياه مليئة بالبط، في محاولته للهروب من كميات يقطين يرشقه بها بورفيل. روى لاحقاً لصديق له وهو يضحك أن المخرج لم يخبره بأنه سيقع في البركة!

فيلم ثالث مع لوي دو فونيس، أشهر من أن يعرّف: "مغامرات رابي جاكوب" (1973) كاد أن يموت بعدما غرق هو وسيارة السيتروين في بركة مياه راكدة. كبار السينمائيين الفرنسيين استعانوا به، منهم فرنسوا تروفو وإيف بواسيه وفيليب دو بروكا. خدم نوعاً معيناً من السينما الفرنسية، كان سائداً في فترة من الفترات، وهي سينما جماهيرية شعبية مشغولة باتقان، فرنسية الهوية لا مجرد تقليد للسينما الأميركية. أفلام لم تكن بالضرورة أفلام حركة لكن تتوفر فيها مشاهد حركة. أكثر سينمائي فرنسي تعاون معه هو جورج لوتنير (15 فيلماً) الذي أتاح له في "لو غينيولو" (1980) مساعدة بلموندو في عبور أجواء مدينة البندقية وهو معلَّق بهليكوبتر. صحيح أن بلموندو كان ينفّذ بعض هذه المجازفات بنفسه، ولكن جوليان كان دائماً خلفه. عن بلموندو قال إنه لم يكن يتعب، بل كان عليه أن يضعه عند حدّه أحياناً لأنه ما كان يفعله شديد الخطورة.

قبل هذه الأفلام الأخيرة التي ذكرناها، في مرحلة من المراحل في نهاية الستينيات، كانت بدأت أصداء براعته تصل إلى الولايات المتحدة، فطلبه الأميركيون للعمل في أفلامهم. وحدث هذا بعد وفاة جيل دولامار الذي يُعد معلم جوليان والشخص الذي أدخله المهنة فتجاوزه بمراحل. أول فيلم أميركي شارك فيه كان "المهمة الإيطالية" لبيتر كولينسون، بحيث تخطى نفسه وقدّم تحديات كبيرة. شكّل الفيلم مناسبة لتتفجّر موهبته وكان نقلة نوعية على مستوى فنّ المطاردة السينمائية. فيه مشهد مطاردة شهير بثلاث سيارات ميني كوبر، على الأرجح واحد من أجمل مشاهد المطاردات على مر التاريخ، مشغول بطريقة بدائية على الطريقة القديمة، من دون التقنيات الموجودة اليوم التي تبالغ في صناعة الإثارة وافتعال الدهشة. في إحدى المقابلات معه، يقول جوليان إن عمله في هذا الفيلم جعل أهل المهنة يثقون به، فبات قادراً على المطالبة بالأجر نفسه الذي كان يتقضاه نجم الفيلم مايكل كاين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بعد تكريسه الدولي، كان من البديهي أن يستعين به صنّاع سلسلة جيمس بوند. فتعاون معهم في ستة أفلام، بداية مع من أجل عينيك فقط (1981) لجون غلين الذي نال عنه جائزة، وانتهاء بـ"غولدن أي" (1995). أما في "نظرة تقتل" من السلسلة نفسها، فقدّم مطاردة مدهشة على رصيف نهر السين في باريس، في واحد من المشاهد التي لا تفارق الذاكرة. كان يردد أن على البديل أن يكون مطلعاً على التقنيات الحديثة كافة. في أحد آخر إنجازاته، أي "شيفرة دا فينتشي" لرون هاورد (2006)، ابتكر سيارة خاصة من نوع "سمارت" تسير إلى الخلف، مع قاعدة خاصة ليجلس عليها الفريق التقني.

يكمن سر تفوق جوليان في دقّته اللامتناهية وحساباته التي قلّما أخطأت. كلّ مشهد كان يحتاج إلى الكثير من التحضيرات والتوقيت فيه عنصر أساسي لا يحتمل المزاح. كان يحسب الأشياء بالثانية. سعيه إلى إتقان العمل وفّر له الاستمرار طوال كلّ هذه السنوات، علماً أن الكثير من المشاكل اعترضت طريقه، لأن لا خطة تضمن سير الأمور على نحو ناجح مئة في المئة. هناك دائماً أحداث غير متوقعة تحصل في لحظة من اللحظات. وهذا ما حدث معه خلال تصوير "تاكسي 2" لجيرار كراوتسيك (2000). يومها للأسف خرجت الأمور عن السيطرة فأدت إلى وفاة الكاميرامان الذي كان يعمل في الفيلم. الحادثة كانت واحدة من اللحظات المأسوية في سيرته، صدر إثرها حكم بسجنه ستة أشهر. في العام 2016، دُشِّن ميدان يحمل اسمه في منطقته، أصر على حضور الحفل صديقه الأبدي بلموندو. حتى ذلك التاريخ، ومع اقترابه من التسعين، ظل يركب الدراجة الهوائية لشراء حاجياته وإلقاء التحية على أصدقائه. وأحياناً يعبر فيها مسافة 10 كيلومترات.

 

المزيد من سينما