أصوات تونسية تطالب فرنسا بالتعويض عن سنوات الاستعمار

فرنسا استغلّت ثروة التونسيين طوال عقود وسخرتها لبناء اقتصادها

تونسيون يلوحون بالأعلام خلال تظاهرة في العاصمة (رويترز)

وسط صمت السلطات الرسمية، تعالت أصوات من جهات غير رسمية للمرة الأولى، تطالب فرنسا بالتعويض لتونس عن سنوات الاستعمار، إذ دعا الأمين العام المساعد للاتحاد العام التونسي للشغل بوعلي المباركي، الدولة الفرنسية الى التعويض للتونسيين عن سنوات استعمارها للبلاد. وقال المباركي إن "فرنسا استغلّت ثروة التونسيين طوال عقود، وسخرتها لبناء اقتصادها، واستباحت كل ثروات التونسيين، لتحقيق رخاء الشعب الفرنسي". وشدد المباركي على أن "الاعتذار لا يكفي ولن يعوّض عشرات السنين من نهب الثروات وقتل وتعذيب التونسيين، وتشريد آلاف العائلات وإخراجها من أراضيها"، داعياً المنظمات والمجتمع المدني والدولة التونسية إلى التحرك لدفع الدولة الفرنسية الى التعويض الفوري.

استغلال فرنسا للثروات الباطنية التونسية


وكانت "هيئة الحقيقة والكرامة" نشرت بياناً الأربعاء 15 مارس (آذار) الماضي، حول "استغلال فرنسا للثروات الباطنية التونسية"، مرفقاً بوثائق تاريخية أرشيفية، إضافة الى بيان آخر عن "الأهمية الاستراتيجية لقاعدة بنزرت، الواقعة شمال تونس، بالنسبة إلى الفرنسيين"، كشفت خلاله عن أن سبب تشبث فرنسا بالقاعدة العسكرية في بنزرت يعود إلى تجهيزها بمعدّات نووية للتصدي لأي هجوم نووي خلال الحرب الباردة. وفي السياق ذاته، دعت رئيسة "هيئة الحقيقة والكرامة" سهام بن سدرين إلى مطالبة فرنسا بدفع تعويضات للدولة التونسية بسبب "الأضرار الجسيمة التي لحقت بها"، نتيجة استغلال المستعمر الفرنسي ثرواتها الباطنية. وأضافت أنه "يجب على فرنسا كذلك شطب ديون تونس"، لافتاً إلى أنه "يمكن الجلوس إلى طاولة المفاوضات مع الفرنسيين من دون الحاجة الى الذهاب للمحكمة الدولية". إلا أن بن سدرين أوضحت في السياق ذاته أن "المطالبة بالتعويض رهن وجود إرادة سياسية لدى الدولة التونسية"، خصوصاً وأن السلطات الرسمية التونسية التزمت الصمت حيال هذا الموضوع، واختارت عدم التدخل مع الشريك الاقتصادي الأول فرنسا، في وقت تعيش تونس أزمات على كل المستويات، الإقتصادية والسياسية والاجتماعية.

مطلب مشروع


من جهته يرى الصحافي والمحلل السياسي محمد بوعود أن "المطالبة بالتعويض من المستعمر عبارة عن صرخة مظلوم" ، مؤكداً أن المطلب مشروع، أراد من خلاله الاتحاد العام التونسي للشغل أن يقول للعالم "إن تونس لاقت الويلات من خسف الاستعمار وتعسفه، ودفعت مئات آلاف الضحايا، وتعرّضت لمآس على يد الاستعمار الفرنسي، الذي عاث في البلاد طوال 75 عاماً، من دون محاسبة أو اعتذار، أو حتى لفتة حُسن نيّة تجاه مستعمراته السابقة"، مضيفاً "بل لا يزال يتعاطى معها على أساس أنها مجاله الحيوي الذي ترتكز فيه مصالحه إلى اليوم".
وندد بواقع الاستعمار والنزعة الشوفينية التي ترى في الشعوب الاخرى، جهلاً وتخلفاً، وإظهار فرنسا على أنها منقذة وزارعة لبذور الحضارة والتمدّن". ويقول بوعود "صحيح أن الدعوة جاءت متأخّرة كثيراً، لكن كما قال بوعلي المباركي يوم أطلقها في التاسع من أبريل (نيسان)، أن تأتي متأخرّة خير من ألا تأتي أبداً"، أضاف "قد لا تكون لهذا المطلب نتائج فعلية على أرض الواقع، لكن نتيجتها الرئيسة أن نقول لفرنسا كفى تدخّل في الشأن المحلي الوطني، وأن نقول لسفيرها إن دسّ أنفه في كل شؤوننا المحلية لا يعدو أن يكون لعبة مكشوفة تريد من خلالها فرنسا إعادة إنتشارها الاستعماري، وإن بشكل دبلوماسي ناعم". وتابع المحلل السياسي "صحيح أن فرنسا لم تعتذر للجزائر والمغرب ولا للسينغال وموريتانيا ولا لغيرها من الشعوب، التي استغلت ثرواتها وقهرتها، وصحيح أيضاً أنها ابتكرت في السنوات الأخيرة قانوناً يمجّد الفترة الاستعمارية ويعتبرها من الفترات المضيئة في تاريخ فرنسا، واحتفلت بتكريم قدماء المحاربين الذين كانوا يقتلون الأطفال والنساء بدم بارد في المستعمرات"، وأكمل "لكن كل ذلك لا يمنع من مطالبتها بالاعتذار والتعويض، وبأن تعترف قبل كل شيء بأنها أخطأت بحق الشعب التونسي، وبأنها لم تكن إلا دولة استعمارية عنصرية، قام تاريخها الحديث على نهب خيرات الشعوب، وإبادة السكان الأصليين وسلبهم ثرواتهم وهويتهم وحضارتهم".

الوصاية الفرنسية على تونس


جدير بالذكر أن فرنسا فرضت احتلالها على تونس في العام 1881 بعد حصولها على التزكية والضوء الأخضر من الأطراف الأوروبية الرئيسة، المتصارعة على النفوذ في المنطقة، وذلك في إطار مؤتمر برلين في العام 1878 لتقاسم مناطق النفوذ في إفريقيا.
ولا بد من التذكير أيضاً أن هذا الاحتلال جاء عقب أزمة المديونية، التي عاشتها تونس والتي فتحت المجال لبسط الوصاية المالية الدولية عليها، تمهيداً للتوقيع على معاهدة باردو بتاريخ 12 مايو (أيار) من العام 1881، التي جردت تونس من سيادتها في مجالات الدفاع والسياسة الخارجية، تليها معاهدة المرسى التي وقّع عليها في الثامن من يونيو (حزيران) 1883، ومنحت فرنسا الحق في إدارة الشؤون الداخلية لتونس،  ما فتح المجال لانتقال جالية أوروبية وفرنسية كبيرة، واتسع هذا الوجود السياسي والعسكري والبشري طوال 75 سنة من الاحتلال الاقتصادي والاستيطاني، الذي كرّس الهيمنة الفرنسية المطلقة على تونس.

المزيد من العالم العربي