Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مشكلة التوقعات طويلة المدى لأسواق النفط

تصدر الشركات سيناريوهات للمستقبل تعتمد على ما تعلنه الحكومات

الطلب على النفط مستقبلاً سيكون أعلى مما هو متوقع بكثير (غيتي)

تَصدرُ التوقعات طويلة المدى عن شركات النفط العالمية الكبيرة وعن منظمات عالمية، وعن بعض البيوت الاستشارية والمتخصصين. توقعات شركات النفط العالمية لا فائدة منها لسبب بسيط، تصدر هذه الشركات عدة سيناريوهات للمستقبل، وبعدها تقرر قيادات هذه الشركات أي سيناريو ستستثمر بناء عليه، ويبقى سراً، وتقرر أي سيناريو سيصدر للعلن. وبهذا يكون السيناريو الذي تصدره للعلن بمثابة إعلان تسويقي لما تريد الشركة أن تقنع به الناس أو صانعي القرار. 

المشكلة الأساسية التي تعانيها توقعات المنظمات العالمية، أنها تأخذ ما تعلنه الحكومات كما هو، من دون أي تغيير، على الرغم من اقتناع بعض المحللين في هذه المنظمات أن المُعلن لن يتحقق. ويمكن تفهم تصرف هذه المنظمات، لأنها لا تستطيع أدبياً ودبلوماسياً، افتراض أرقام أقل مما ترسله لها الحكومات أو تعلن عنه، سواء كانت هذه الحكومات أعضاء في المنظمة نفسها أم متعاونة معها، حتى لو اقتنع محللوها بصعوبة تحقيق السياسات المعلنة.  

إلا أن المشكلة أعمق من ذلك، لأن هذه التوقعات لا تركز على رد فعل الشركات والأفراد تجاه السياسات الحكومية، وعلى تغير سلوكهم لتعظيم منفعتهم. مثلاً، لماذا تبيع شركة "فيات" سيارتها الكهربائية بخسارة 20 ألف دولار لكل سيارة؟ ولماذا تحاول كل شركات السيارات إنتاج سيارات كهربائية الآن؟ 

الجواب، لأن القوانين الحالية تتطلب من كل شركة تحسين متوسط كفاءة محركات سياراتها بالمجمل، ومن ثم فإنها تستطيع أن تظهر تحسناً في ذلك من طريق بيع سيارات كهربائية تخسر فيها، في مقابل بيع السيارات العائلية الكبيرة المرغوبة، والتي تحقق أرباحاً كبيرة، ولكن بكفاءة منخفضة في استخدام البنزين أو الديزل. بعبارة أخرى، لنفترض أن الهدف هو رقم 25 ميلاً لكل غالون، يمكن الحصول عليه بأخذ متوسط 40 و10، أو 20 و30، أو 25 و25! ولكن مع السيارات الكهربائية، يمكن الوصول إلى 25 من طريق متوسط 48 و2، مثلاً! 

لاحظوا هنا أنه بوجود السيارات الكهربائية تستطيع الشركات إنتاج سيارات عائلية كبيرة تستهلك كميات أكبر من البنزين، ومع ذلك تبقى ضمن القانون بسبب إنتاجها أيضاً السيارات الكهربائية!  

كما نتج من الإعانات الضخمة التي تقدمها الحكومة النرويجية لمشتري السيارات الكهربائية، تملك كثير من النرويجيين للسيارات الكهربائية كسيارة إضافية، وليس بديلاً عن سيارة البنزين أو الديزل التي يملكونها. وبهذا فإن نسبة مبيعات السيارات الكهربائية تظهر مرتفعة، ولكن نسبة السيارات الكهربائية من مجموع السيارات لم ترتفع بالمقدار نفسه، واستهلاك البنزين والديزل لم ينخفض بالنسبة نفسها. 

كفاءة محركات السيارات

وفقاً للتوقعات طويلة المدى، فإن أكبر انخفاض في الطلب خلال الـ 20 إلى 25 سنة المقبلة سيكون بسبب تحسن كفاءة محركات البنزين والديزل، وليس بسبب السيارات الكهربائية. ويتوقع أن ينخفض الطلب على النفط بين 8 و12 مليون برميل يومياً خلال هذه الفترة.  

المشكلة أن التكنولوجيا وصلت إلى أوجها، وتبني أي توجه جديد منها يتطلب من 15 إلى 20 سنة لتظهر آثاره في السوق، وقد تم استخدام مواد خفيفة في تصنيع السيارات لخفض وزنها، لدرجة أنه لا يمكن استخدام مواد أخف لارتفاع الكلفة، كما تم تصغير بعض السيارات إلى أقل ما يمكن، فمن أين يأتي هذا التحسن الذي يخفض الطلب على النفط بهذه الكميات الضخمة؟

الجواب، السبب هو أن هذه المنظمات تفترض أن ما أعلنته الحكومات من خطط سيتحقق وسينجح تماماً. والحقيقة أن الذي أنعش علمي الاقتصاد والسياسة، وأوجد بعض الأحزاب السياسية ونشّط أخرى، هو فشل السياسات الحكومية في مجالات شتى. لدينا تاريخ طويل من فشل السياسات الحكومية مع عشرات الآلاف من الكتب والمقالات التي كُتبت خلال الـ 100 سنة الماضية عن فشلها! إذاً لماذا نفترض أن كل ما له علاقة بسياسات خفض الطلب على النفط سينجح، وسينجح تماماً كما هو مخطط له؟  

أليس من المفروض أن تتوقف الولايات المتحدة عن الاعتماد على واردات النفط منذ بداية الثمانينيات؟ الآن، وعلى الرغم من ثورة الصخري التي تعد تاريخية بكل المقاييس، ما زالت الولايات المتحدة تستورد حوالى 6 ملايين برميل يومياً!  

وإذا كانت كفاءة استخدام الوقود في سيارات البنزين والديزل ستتحسن بهذا الشكل الهائل، فلماذا يريدون السيارات الكهربائية عالية الكلفة؟ ولماذا تقوم الحكومات بدعم وهدر الملايين من الدولارات لأمر ستحصل عليه مجاناً من سيارات البنزين والديزل؟ 

المفروض أن تتحسن كفاءة محركات السيارات عام 2019 في الولايات المتحدة بشكل ملحوظ بحسب خطة الحكومة التي تبنتها المنظمات الدولية، والتي بنيت عليها التوقعات الطويلة المدى. المشكلة أن كفاءة محركات السيارات انخفضت! أكرر، انخفضت! ومن ثم، فإن عملية الحساب تقتضي أخذ الفرق بين المخطط له وما هو في أرض الواقع، وهذا الفرق كبير نسبياً لسنة واحدة. 

ما الذي حصل؟ ولماذا فشلت الخطة الحكومية؟ ولماذا فشلت التوقعات؟ لأن الخطة والتوقعات لا تركز على رد فعل الشركات والأفراد وكيفية تعظيم منفعتهم في ظل القوانين الحكومية، لأن الخطة والتوقعات فشلتا في إدراك أن الناس يريدون شيئاً، والسياسيون يريدون للناس شيئاً آخر، بينما تهدف الشركات إلى تحقيق أكبر ربح ممكن من بيع السيارات. 

التحول الذي شهده العالم خلال السنوات الماضية، بخاصة في الولايات المتحدة والصين، من السيارات الصغيرة إلى السياسات الرياضية والعائلية الكبيرة والشاحنات الصغيرة، قلب متوسط تحسّن الكفاءة في استخدام وقود محركات السيارات رأساً على عقب. هذا التحول للسيارات الكبيرة، الذي يعكس رغبة الناس، لم يكن في خطط السياسيين، ولم يحسب حسابه في التوقعات الطويلة المدى.  

مثال

لا شك أن هناك تحسناً مستمراً في كفاءة استخدام الوقود في محركات سيارات البنزين والديزل، ولكن انخفاض مبيعات السيارات الصغيرة وارتفاع مبيعات السيارات الكبيرة يغير المتوسط بشكل كبير، ومن ثم يلغي أو يقلل آثار تحسن الكفاءة في الطلب على النفط.  

لنفترض أن سيارة صغيرة تحسنت كفاءة محركها خلال 10 سنوات من 20 كيلو متراً للتر إلى 25 كيلو متراً للتر. 

ولنفترض سيارة عائلية كبيرة تحسنت كفاءة محركها خلال الفترة نفسها من 10 كيلومترات للتر إلى 13 كيلو متراً للتر. 

هذه البيانات توضح تحسناً عاماً في كفاءة استخدام الوقود، وبالتالي فإذا بقيت كل العوامل الأخرى ثابتة، فيجب أن ينخفض الطلب على النفط.  

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومن ثم فإن كل التقارير والأخبار ستشير إلى انخفاض الطلب على النفط. وإذا استمر التحسن سنة بعد سنة، فإنه من المنطقي أن يتوقع استمرار انخفاض الطلب على النفط. 

المشكلة أن عدداً كبيراً من الناس تخلص من سيارته الصغيرة واشترى سيارة كبيرة، وهذا يعني أنه على الرغم من التحسن الكبير في كفاءة استخدام الوقود، تم الانتقال من سيارة تسير 25 كيلو متراً باللتر، إلى سيارة تمشي 13 كيلو متراً للتر! وهذا يعني أنه في الوقت الذي يفتخر فيه السياسيون بتحسن كفاءة استخدام الوقود، وفي الوقت الذي تشير فيه التقارير ووسائل الإعلام إلى تحسن كفاءة استخدامه، فإن الطلب على النفط في ارتفاع مستمر. 

لنفترض الآن أن الحكومات أصدرت قوانين تجبر الشركات على تحسين متوسط استهلاك الوقود لما تنتجه، وينتج من ذلك تحسين كفاءة محركات السيارات الصغيرة من 25 كيلو متراً للتر إلى 30 كيلو متراً للتر، والكبيرة من 13 كيلو متراً للتر إلى 18 كيلو متراً للتر. توقعات المنظمات الدولية مبنية على هذه السياسات كما هي، وبالتالي تظهر انخفاضاً في الطلب على النفط. 

ولكن لو استمر الناس بالتحول من السيارات الصغيرة إلى الكبيرة كما حصل تاريخياً، فإن الناس تتحول من 30 كيلو متراً للتر إلى 18 كيلو متراً للتر، وهذا يؤدي إلى زيادة الطلب على النفط وليس انخفاضه.  

عوامل أخرى

التحول إلى السيارات العائلية الكبيرة مكّن الناس من السفر براحة أكبر ولمسافات أطول، الأمر الذي يفسر ارتفاع عدد أميال السفر مع انتشار السيارات العائلية الكبيرة، ومن ثم زيادة الطلب على الوقود. والملاحظ في النرويج الآن أن العائلات اشترت السيارة الكهربائية للمسافات القصيرة، وأبقت على السيارة العائلية الكبيرة للسفر كعائلة.  

وتشير البيانات إلى زيادة عدد أميال السفر، وانتشار أكبر للسيارة العائلية الكبيرة مع انخفاض أسعار البنزين. كما تشير الدراسات إلى وجود علاقة طردية بين أسعار تذاكر الطائرات الداخلية وعدد أميال السفر. فكلما ارتفعت أسعار التذاكر، كلما فضل البعض السفر براً في سيارته الخاصة.

المشكلة في التوقعات أنها كلها مبنية على فكرة سيارة واحدة وراكب واحد، هو السائق. والواقع أن أكثر السيارات كفاءة في استخدام البنزين هي السيارة العائلية الكبيرة التي يركب فيها ستة إلى سبعة أشخاص، ومن ثم فإن العائلة الكبيرة مضطرة إلى شراء السيارة الكبيرة في كل الحالات. 

ولا يمكن إنهاء هذا الحديث من دون التعريج على سياسات بعض الدول وعدد قليل من الولايات الأميركية التي تقضي بوقف بيع سيارات البنزين والديزل بعد تاريخ معين. المنع ينطبق على السيارات الجديدة فقط، ولا ينطبق على المستعملة، وهناك عدد من الثغرات القانونية التي يمكن استغلالها لشراء سيارة بنزين أو ديزل، ومنها أن الشركات تطور سيارات مزدوجة الوقود، مقبولة قانونياً، ولكن استهلاكها للوقود سيظل كبيراً، إلا أنني أعتقد شخصياً أن بعض الدول ستؤخر تاريخ المنع لأسباب عملية بحتة.

خلاصة الأمر أن هناك مبالغة في مدى تحسن كفاءة المحركات في استخدام الوقود، ومن ثم فإن هناك مبالغة في أثرها في انخفاض الطلب على النفط. الطلب على النفط سيكون أعلى مما يتوقعون بكثير.

المزيد من آراء