Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

شريط تلفزيوني ينسف أسطورة نهضوي القرن الـ 20 في مئويتة

محاولة علمية لربط سيرة "آميديو موديغلياني" بالحياة الحقيقية

الفنان الإيطالي آميديو موديغلياني يعلق إحدى رسوماته (غيتي)

يقيناً أنه ما من فنان عند بدايات القرن الـ 20 أُحيطت حياته بالمآسي والأحزان، بقدر ما حصل مع الإيطالي آميديو موديغلياني، لا سيما بالنسبة إلى تلك السنوات التي تربو على الـ 13، والتي أمضاها آخر حياته في فرنسا، متنقلاً بين العاصمة باريس ومدينة نيس الجنوبية، ليختمها برحيله وهو بالكاد تجاوز الـ 30 من عمره، مصاباً في العام 1920 بداء السل. والأدهى من هذا، لمضاعفة الحسّ المأساوي الذي طبع سيرة هذا الفنان، أن امرأته التي كانت حاملاً بطفلهما ما لبثت أن انتحرت في اليوم التالي لموته. لقد كانت تلك الحكاية قادرة، كما اقترح البعض عند ذلك، أن تشكل موضوعاً لأوبرا درامية من النوع الذي كان رائجاً في ذلك الحين، تماماً كما أن حياة موديغلياني نفسه أغرت كُثراً بوصفه "الرسام الملعون"، على غرار وصف الشعراء الباريسيين المحدثين في ذلك الحين، بـ "الشعراء الملعونين"، وطبعاً كان من شأن موديغلياني أن يطرب لمثل ذلك الوصف، وهو الذي فيه شيء من غرابة الأطوار، وبقدر ما من فرادة الأسلوب الفنيّ وبمسار حياة، كان للجنون فيه نصيب لا بأس به، إذ جعل من نفسه زعيماً لعدد من الرسامين والمثقفين الذين تحلقوا حوله، حين عاش سنواته الباريسية الأولى في منطقة مونمارتر مختلطاً حيناً بالحثالة وأحياناً بكبار الفنانين، وفي بعض الأحيان بتجار الفن وأصحاب المعارض الذين ساندوه طويلاً.

بعيداً من الأسطورة

والحال أن هذا الجانب الأخير من حياة موديغلياني هو الذي سينطلق منه بعد رحيله بـ 100 عام، وتحديداً كنوع من الاحتفال بالمناسبة، ذلك الشريط التلفزيزني الذي عرضته قناة "آرتي" الألمانية – الفرنسية، بمناسبة تلك الذكرى نفسها بعنوان "موديغلياني وأسراره".

وإذ نقول هنا إن الشريط ينطلق من علاقة الرسام ببائعي لوحاته ومشتريها، كما من زعامته لفترة من حياة مونمارتر وأجوائها الفنية، في شكل تذكّر به أغنية شارل آزنافور الرائعة "لابوهيم"، فإننا نعني بالتحديد أن الفيلم لا ينطلق من ذلك الجو المأساوي الأسطوري الذي بني حول نهاية موديغلياني، وموته شاباً وانتحار امرأته جانّ هيبيتورن حزناً عليه، على النحوّ الذي قد تذكر به، من ناحيتها أوبرا "البوهيمية" الشهيرة التي دارت العالم، واقتبست أفلاماً بشتى اللغات وصولاً إلى الفيلم المصري البديع "أيامنا الحلوة"، الذي تقاسم بطولته فاتن حمامة وعبدالحليم حافظ.

 اختلاف جذري

"لم تكن حياة مودغيلياني على ذلك النحو المفجع الذي سيكون عليه موته"، يقول لنا شريط "موديغلياني وأسراره" الذي حققه الفرنسي جاك لوي، والذي يبدو أن غايته الأساسية تحطيم تلك الأسطورة الفجائعية لمصلحة سيرة حياة موديغلياني، تختلف جذرياً عن تلك المعهودة والتي دائماً ما كانت في لب كل كتابة عن موديغلياني، بما في ذلك تلك التي وردت قبل أشهر في هذه الزاوية، بالذات في مناسبة الكتابة عن لوحة له.

"كانت حياة موديغلياني غير ذلك"، يقول الفيلم مستنداً إلى عشرات المقابلات مع باحثين في الفن وتاريخه، ومع متخصصين في سيرة حياة موديغلياني، في عمل توثيقي تقل مدة عرضه عن ساعة، لكنه يمتلئ باللقاءات والمعلومات والتحليلات، لدرجة تبدو معها طروحاته مستوفية القدرة على الإقناع. وهكذا يحدثنا الشريط عن تلك السنوات الزاهية التي وصل فيها موديغلياني إلى العاصمة الفرنسية عام 1906، وكان لا يزال في الـ 22 من عمره، مفتوناً بما كان يعرفه عن صخب الحيلة الفنية فيها، ساعياً إلى أن ينهل مباشرة من أعمال "سيزان" و"تولوز لوتريك" و"مونخ" و"بيكاسو"، وغيرهم من الذين كانوا يعيثون فناً ولهواً في باريس، ولا سيما في منطقة مونمارتر التي كانت مركز لهو فني عالمي، وأرضاً خصبة لكل أنواع الإبداع، قبل أن تتحول بعد ذلك إلى مجرد منطقة سياحية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

والحقيقة أن موديغلياني الذي أتى حاملاً معه، كما يقول لنا الشريط، تراث عصور نهضة بكاملها في التشكيل والتلوين، لم يعانِ كثيراً قبل أن يفرض حضوره بشبابه اللاهي، وتجديديته في الشكل والمواضيع، كما في المغامرات النسائية وحياة الليل الصاخبة. فإيطاليته المتوسطية تكفلت بجعل الدنوّ منه أمراً سهلاً، ووسامته وحيوية شبابه تمكنتا من اجتذاب الناس، ولا سيما الصبايا إليه، تماماً على عكس ما تقوله عادة "خرافات" حول حياته، تحدثت عن وحدته وبؤسه وعوزه.

الحقيقة أنه كان في أحيان كثيرة من ينفق على الرفاق، ولا سيما في سهرات الصخب الليلي، وهو الأمر الذي اشتكت منه تلك المرأة الحسناء الصبورة التي كانت تريده ملكاً لها وحدها، لكنه لم يكن ليصغي إلى شكاواها. هنا يقول الشريط إن موديغلياني كان يفضل أن يعبّ من الحياة بأكبر قدر ممكن من الأريحية، وهو دائماً ما كان حين تخيره جين بينها وبين رفاقه، يقول لها إنه يفضل رفاقه.

بائع جيد

ولكن من أين كان يأتي بمال يصرفه على نفسه وعلى لياليه وعلى الرفاق وفي نهاية الأمر، على امرأته التي لم يسرّ أبداً حين ستخبره ذات يوم أنها حامل وعليه الاستعداد لتحمل أعباء ذلك؟

من علاقاته الطيبة مع اثنين من أهم المتاجرين باللوحات في باريس تلك الحقبة، الطبيب الشاب بول ألكسندر الذي كان راعي فنون وجامع لوحات في الوقت نفسه، وبول غيّوم الذي كان يعتبر من كبار التجار الجامعين للوحات في ذلك الحين، وذلك إضافة إلى صاحب غاليري موسر يدعى ليوبولد سبوروسكي، وكان هؤلاء، وعلى عكس الصورة المعهودة عن العوز والفاقة، يؤمنون له حياة لا بأس بها، ورواجاً لكل ما يرسم، بحيث كانت لوحاته تباع ما إن تُنجز.

ويقيناً أن هذا كله يتناقض تماماً مع كل ما سبق أن عرفناه عن حياة موديغلياني، لكنه يتلاءم مع الأسطورة التي ستُحاك عنه بعد رحيله المأساوي وقد أصابه داء السل في عام النحس 1920، وهو دون الـ 35 من العمر. باختصار، بالنسبة إلى الشريط التلفزيوني، كان رحيل موديغلياني على تلك الشاكلة، هو ما أعاد اختراع سيرته كما يقول في حوار داخل الشريط، الباحث كينيث واين، الذي وصف حياة موديغلياني كما عاشها الرسام، بأنها كانت حياة صخب ومرح، ناهيك عن أنها كانت حياة تكللت بالنجاح، بحيث أنه وعلى عكس العدد الأكبر من الرسامين من جيله وسابقيه ولاحقيه، حقق نجاحاته في زمن قياسي، هو الذي لم يحتج إلى انتظار تلك السنوات الطويلة والمتعبة التي كان يحتاجها أولئك قبل أن يحققوا نجاحاتهم الأولى. بيد أن واين يؤكد أن الفضل في نجاحات موديغلياني لم يكن عائداً إلى صداقاته وحيويته، بل إلى فنه نفسه. صحيح أن ذلك الفن أتى عكس التيار السائد، بل التيارات السائدة في ذلك الحين، لكنه أتى كاستطراد لتلك النهضوية الإيطالية التي تمازجت مع نوع من الحيوية المتوسطية، مما أعطى لوحاته جدّة مؤكدة، ولكن عبر ربطها بما كان متخمراً في أذواق طبقات معينة من مشترين، كانوا يتساءلون دائماً أمام كل فن شاب يأتيهم من وراء جبال الألب، أين حصة النهضة وتراثها؟ وهكذا، بحسب كينيث واين، "كان النجاح الكبير الذي حصده موديغلياني ناتجاً من كونه عرف كيف يأتي بالجواب الأكثر وضوحاً على ذلك التساؤل، الذي كان يبدو مشروعاً حينها".

بقي أن نذكر أن آميديو موديغلياني ولد عام 1884 في مدينة ليفورنو الإيطالية، وأمضى سنواته الأولى وهو يدرس فنون النحت والرسم النهضوية الإيطالية التي ستبقى تأثيراتها ماثلة لديه حتى النهاية. وهو كان في الـ 18 حين بارح إيطاليا ليخوض التجربة الباريسية التي كانت تعيش صخب بدايات القرن الـ 20. ولقد أتيح له في العام 1912 أن يشارك بمنحوتات له في معرض الخريف الباريسي ضمن حلقة التكعيبيين المعروفة حينها باسم "المجموعة الذهبية". والحقيقة أن انطلاقته الأولى كانت مع ذلك المعرض، لتكون انطلاقته الثانية والأكبر مع رحيله وبداية تكوّن أسطورته بفعل ذلك الرحيل.

المزيد من ثقافة