Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"الصبي" الذي أرعب شارلي شابلن حدد انطلاقته التالية وغيّر سينماه

يوم اختار الصعلوك الشريد رفيقاً "سرق" الصورة منه ولو إلى حين

شارلي شابلن في مشهد من فيلم "الأزمنة الحديثة" (غيتي)

شيئان لا غنى عنهما على شاشات التلفزة الميلادية في فرنسا وغيرها من البلدان الأوروبية: أفلام شارلي شابلن والعروض الأوبرالية متضمنة عروض باليه من الريبرتوار العالمي. وطبعاً لم يكن ثمة مجال لتغيير هذه العادة المتواصلة منذ أصبحت الشاشة الصغيرة مكان الترفيه العائلي المفضل في الأعياد حيث تتنافس المحطات على اجتذاب ملايين المتفرجين إلى أعمال فنية تكاد تكون أحياناً طيّ النسيان وفي أحيان أخرى يطالَب بالمزيد منها حتى وإن لم تغب طوال العام. فإذا كانت تلك هي الحال في الأحوال العادية، كيف سيكون الأمر في زمن الكورونا والبقاء في البيت بلا أداة لهو توازي التلفزيون؟

أربع ساعات مع الصعلوك

شابلن، إذاً، كعادته يحضر في كل بيت ومدينة مستعيداً دائماً ألقه ومجدداً جمهوره وغامراً بالسعادة الصغار الذين يكتشفونه والكبار الذين يستعيدون طفولتهم وصباهم من خلاله. بيد أن حضور شابلن هذه المرة ليس عبر فيلم واحد معين بالتحديد وعلى الأقل على شاشة القناة الثالثة الفرنسية التي ستخصّه الأربعاء المقبل بسهرة كاملة لن يقل زمن عرضها عن أربع ساعات ونيّف في أطول بث عن فنان واحد رحل قبل عقود على شاشة عامة على حد علمنا، في سهرة تنطلق في التاسعة مساء لتختتم في الواحدة ليلاً.

ولئن كان الجزء الثاني من السهرة سينفرد بعرض واحد من أجمل أفلام شابلن، "الأزمنة الحديثة" الذي لا يعتبر وحسب مرجعاً سينمائياً وواحداً من أعظم الأفلام في تاريخ الفن السابع، بل واحداً من الأفلام التي انهمك الفلاسفة وعلماء الاجتماع (رولان بارت وهانا آرندت ووالتر بنجامين بين آخرين) في تحليلها، الفيلم الذي لا يمكن أحداً أن ينسى كم كلّف شابلن، على الصعيد السياسي، ذلك المشهد البديع والجريء الذي يصور فيه صعلوكه وهو راكض يهرب من الشرطة التي تطارده لأسباب غير سياسية فيلتقي مظاهرة عمالية وشاحنة تحمل بيرق تنبيه أحمر اللون، فلا يكون منه إلا أن يلتقط العلم الأحمر ويلوح به أمام المتظاهرين وقد سار في المقدمة. لئن كان هذا الفيلم هو الذي سيعرض في السهرة، فإن القسم الأول منها سيشغله فيلم توثيقي من تحقيق الفرنسيين فرانسوا إيمي وإيف جولان. عنوان الفيلم "شارلي شابلن: عبقري الحرية"، وهو عمل جديد لم يسبق عرضه، فرنسيّ الإنتاج، يحاول هذه المرة أن يختلف عن الكثير مما سبق تحقيقه عن شابلن. فهذه المرة يدور جزء كبير وأساسي من الشريط من حول علاقة شابلن من ناحية بالحرية كممارسة ومفهوم، ومن ناحية ثانية من حول علاقة شابلن بالنساء... غير أن الفيلم في الحالتين معاً لن ينطلق من أي من أفلام شابلن الكبيرة التي حققها منذ بداية سنوات العشرين حتى سنواته الأخيرة، مع حظوظ متفاوتة من النجاح والجودة، وإنما من ذلك الفيلم الذي شكل نقطة الفصل بين مرحلتين أساسيتين من مراحل إبداع شارلي شابلن. ونعني بالتحديد فيلم "الصبي" الذي حققه قبل مئة عام بالتمام والكمال من يومنا هذا، جاعلاً إياه نقطة الإنطلاق لتحقيقه تلك الأفلام الطويلة التالية عليه.

شارلو في... خطر

قبل مئة سنة تماماً إذاً أي أواخر عام 1920، قرر شارلي شابلن الذي لم يكن قد حقق حتى ذلك الحين سوى أفلام قصيرة، أن ينتقل إلى الفيلم الروائي الطويل. وأن ينتقل في طريقه من الكوميديا الخالصة إلى المزج بين الكوميديا والدراما. ولئن كان مضطراً حينها لملء الدقائق الكثيرة الإضافية التي عليه أن يصورها بإضافة شخصية أخرى غير نسائية، فإنه اختار طفلاً يرافقه في كل مشاهد الفيلم وتنبني الحكاية كلها عليه. ومن هنا ولد واحد من أجمل أفلامه وربما واحد من أقوى أفلام السينما الصامتة: "الصبي". ولكن ولدت في الوقت نفسه تلك المقولة التي كان لا بد لها أن تربط بين شابلن الآتي قبل سنوات من الحثالة اللندنية، ومواطنه وسلفه الكبير تشارلز ديكنز الذي كان أفضل من صوّر حياة تلك الحثالة. وفي هذا المعنى تحديداً سجّل فيلم "الصبي" الذي قارن النقاد والدارسون من خلاله بين طفولة شابلن وتلك الطفولات التي صورتها روايات ديكنز، مقارنة كان من الواضح أنها ستعود إلى الظهور يوماً بعدما غلبت عليها أبعاد شابلنية أخرى. وها هو اليوم هذا الشريط الفرنسي المشغول بعناية والغائص في تفاصيل إن لم يكن معظمها جديداً فإن طريقة استخدامها هنا لا تخلو من جدة جديرة بأن تبعث نوعاً معيناً من الدراسات الشابلنية من رقاده. غير أن "السعادة" التي نتحدث بها هنا عن هذا الجانب من تاريخ شابلن، بالاستناد بخاصة إلى فيلم "الصبي"، كان واضحاً أن شابلن نفسه، صاحب العلاقة، لا يمكنه أن يشاركنا إياها. والسبب بسيط لكنه قد لا يخطر في بال أحد.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لقاء في مدينة الملائكة

ولنتناول الأمر هنا في لحظة تالية تبعد سنوات طويلة عن زمن إنجاز "الصبي". فبعد كل تلك السنوات سيقول شابلن في تصريح صحافي له أكد فيه أنه لا يمزح، أنه لم يشعر بالخوف على صعلوكه "شارلو" في حياته بقدر ما شعر بالخوف في "الصبي"، وتحديداً من وجود الصبي إلى جانبه. من وجود ذلك الطفل الذي قاسمه البطولة بل ربما تفوق عليه فيها في بعض اللحظات. "أنا كان عليّ أن أُضحك في الفيلم أما هو فكان يُضحك الجمهور ويُبكيه في آن واحد!"، قال شابلن وهو يتذكر دامع العينين ذلك الفيلم المدهش الذي يروي حكاية طفل تخلت عنه أمه فعثر عليه شارلو ورباه وأشركه في حياته ومغامراته. كان ثمة ما ينتمي إلى ديكنز في الحكاية. لكن الفيلم كان شابلينياً خالصاً يفتتح عصراً جديداً لذلك الفنان الكبير. وحتى اليوم يُصنّف "الصبي" في خانة الأفلام العظيمة التي أسعدت الجميع.

وحده جاكي كوغان الذي لعب دور الطفل وأدهش العالم لم يكن سعيداً. فهو على رغم نجاحه الأسطوري في الفيلم، لم يحقق نجاحات من بعده، مؤكداً على خرافة هوليوودية تقول باستحالة نجاح النجوم الأطفال حين يكبرون، تلك الخرافة التي حين كانت تريد أن تضرب مثلاً على ما تقوله تذكّر من ناحية بشيرلي تمبل ومن ناحية ثانية بـ... جاكي كوغان. غير أن هذا الأخير أصر دائماً على أن شابلن هو الذي دمّره، إذ أحسّ بخطره عليه. وهو كرر ذلك على مسمع المعلم الكبير حين التقاه مرة أخيرة في لوس أنجليس عام 1972، يومها كان واحد منهما في قمة عظمته يزور "مدينة الملائكة" بعد غياب طويل، زيارة الفاتح المنتصر ليتسلم جائزة تكريمية كبيرة أتت لتعوض عليه افتئات هوليوود، فيما الثاني لا يزال يعيش "طفولة" تزداد بؤساً وقد تجاوز الستين من عمره!

حكاية شابلن وجاكي كوغان وفيلم "الصبي" هذه تهيمن على الشريط المعروض كطيف مقلق. ومقلق إلى درجة أن ثمة في الشريط ما قد يريد أن يوحي لنا بأن شابلن إذ أحسّ بأنه قد "عرّى" نفسه أكثر مما يجب من خلال الدور الذي أعطاه للطفل في فيلمه جاعلاً منه أنا/ آخر له، آلى على نفسه، ليس كرهاً بالصبي الذي يصوره الآن، بل خجلاً بالصبي الذي كانه هو في طفولته الديكنزية، ألّا يعود إلى ما يشبه تلك التجربة مفضلاً مذّاك وصاعداً صحبة النساء في أفلامه مصوّراً إياهن تحت سيطرته المطلقة، ناعمات إذا شئن في ظل أبوية متهكمة يمارسها عليهن، ناقلاً ذلك الجانب من العلاقة (مع نساء رائعات من طينة إدنا بورفيانس وبولين غودار بين أخريات...) إلى أفلامه كنوع من تعويض على ما كان فعله في "الصبي".

المزيد من ثقافة