Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عودة إيطالية إلى السجال المستحيل حول سنوات الإرهاب

بعد نصف قرن من مسرحية داريو فو عن "موت فوضوي"

مشهد من مسرحية "موت الفوضوي بحادث" (غيتي)

في مثل هذه الأيام قبل نصف قرن تماماً، أي في نهاية عام 1970، كانت تعرض فوق خشبة طليعية في مدينة ميلانو الإيطالية مسرحية أقامت الدنيا ولم تقعدها، عنوانها "موت الفوضوي بحادث" للكاتب داريو فو، الذي كان في حينه من أشهر كتاب المسرح في إيطاليا، وواحداً من الكتاب الإيطاليين المترجمة أعمالهم إلى عشرات اللغات، وذوي الشهرة الواسعة لدى النخب دون أن تكون أعماله شعبية، إلا حين تقتبس مع إغفال اسمه!. لكن العالم كله وخارج إطار النخب، سيتعرف عليه سنوات بعد ذلك أي في العام 1997، من خلال فوزه المفاجئ بجائزة نوبل للآداب فوزاً ذُكرت هذه المسرحية بقوة في حيثياته.

 كانت المسرحية سياسية بامتياز بل تطاول الراهن السياسي الإيطالي المباشر، كما سوف نراه بعد قليل، حتى ولو اختار الكاتب أن يقدم شخصياتها المستقاة من الواقع بأسماء مستعارة، لكن الجمهور الإيطالي كان يعرف وحتى من قبل تقديم المسرحية، أن شخصياتها الرئيسة هي الفوضوي بينيللي ومفوض التحقيق كالابريزي، الذي حقق معه وكان من بين آخر الذين التقوا به، إذ من المعروف أن بينيلي كان حين مقتله معتقلاً، ويقوم المفوض كالابريزي بالتحقيق العنيف معه. ويعرف الرأي العام أيضاً ما يؤكده داريو فو في مسرحيته من أن بينيللي الذي تقول الرواية الرسمية أنه انتهز فرصة استراحة المفوض لدقائق كي يرمي نفسه من النافذة منتحراً، إنما قتله رجال الشرطة في الحقيقة. كل هذا يعرفه الإيطاليون منذ البداية، لكن داريو فو كان أول من استخدم قدراته الإبداعية ومكانته الأدبية الشعبية الكبرى ليقوله تحت أسماء مستعارة في عمل فني صفق له كثر طويلاً، وندد به آخرون متهمينه بالكذب والافتراء. وطبعاً كان ذلك قبل أن يقول التاريخ الحقيقي كلمته وتنجلي الحقائق معطية داريو فو ونظريته الأسبقية على كل حكاية أخرى، معيدة إلى الكاتب والفنان الإيطالي الكبير صدقية كان كثر يريدون سلبها مستكثرينها عليه.

الحقيقة أخيراً

وننتقل هنا إلى زمننا الراهن فقبل سنوات قليلة كانت إيطاليا قد دهشت أمام كتاب أتى مفاجئاً، واليوم ها هي على وشك أن تدهش من جديد أمام الكتاب نفسه وقد تحول فيلماً. وفي الحالين الموضوع واحد والحكاية واحدة. والحكاية تنتمي إلى ذلك التاريخ، الذي كان قد ظل لسنوات طويلة شبه مسكوت عنه حتى وإن كان داريو فو، الذي سيدهش العالم فوزه غير المتوقع بجائزة نوبل الأدبية قبل سنوات، قد خص الحكاية نفسها، أول سنوات السبعين من القرن العشرين بمسرحيته التي اعتبرت حينه، فاتحة لنوع جديد من المسرح السياسي في إيطاليا. ومع هذا ظل قدر كبير من الغموض يحيط بالقضية. ثم حدث بعد أكثر من ثلث قرن، أن واحداً من المعنيين الرئيسين بالأمر، أصدر كتاباً حول هذه القضية يكشف فيه للمرة الأولى، إن لم يكن كل أسرارها وغوامضها، فعلى الأقل جزءاً كبيراً منها. وهو نفس الكتاب الذي اقتبس في الفيلم الذي أشرنا إليه. الكتاب عنوانه "الليلة التي شهدت بينيللي...". أما الكاتب فهو أدريانو سوفري، أحد قادة مجموعة "النضال مستمر" الفوضوية اليسارية الإيطالية التي كانت في واجهة كثير من الأحداث في إيطاليا سنوات السبعين. وسوفري كان قد قبض عليه عام 1997 وحوكم وحكم عليه بالسجن 22 سنة، بتهمة إصداره أمراً باغتيال المفوض كالابريزي في ميلانو عام 1972. أما بينيللي، الذي يحمل العنوان اسمه فهو محور القضية.

أصل الحكاية

 تعود جذور القضية التي لم نوضحها حتى الآن إلى آخر سنوات الستين من القرن الفائت، حين وقع انفجار كبير في فرع بنك الزراعة في ميلانو، أسفر عن سقوط 17 قتيلاً. على الفور اشتبهت المخابرات الإيطالية بإحدى المجموعات الفوضوية، وقبضت على عضو فيها هو جوزيبي بينيللي. وخلال التحقيق مع هذا الأخير في مكتب المفوض كالابريزي، أصر على أنه بريء وأن لا علاقة له بالعملية إطلاقاً. لكن المفوض لم يصدقه. و(بحسب تقرير الشرطة) استغل بينيللي لحظة خرج فيها كالابريزي من المكتب، ليرمي نفسه من النافذة ويموت. كانت هذه هي، رواية الشرطة. لكن المجموعات الفوضوية، التي جارتها مسرحية داريو فو لاحقاً، أصرت على أن كالابريزي ورجاله هم الذين رموا بينيللي من النافذة، أولاً للتخلص منه، وثانياً للملمة القضية كلها، ما يوحي بأن عملية التفجير أصلاً كانت مدبرة من قبل السلطات. وهكذا اتخذ سوفري وجماعته قراراً بتصفية كالابريزي، انتقاماً لرفيقهم بينيللي.

وبالفعل، بعد حملة تتهم كالابريزي بقتل بينيللي استمرت سنتين، وُجد هذا الأخير قتيلاً قرب منزله... ودار تحقيق من حول الجريمة وارتباطها بمقتل بينيللي استمر طويلاً، حتى انتهى إلى اعتقال سوفري والحكم عليه، بعد سنوات طويلة. فما الجديد الذي يقوله سوفري الآن؟

لعبة الأجهزة

يقول سوفري في كتابه، إن كل الوقائع تشير حقاً إلى أن المخابرات الإيطالية هي التي رتبت العملية كلها.. وهذا معروف ولم يعد في حاجة إلى تأكيد. لكن سوفري يقول أيضاً، إنه نادم على شنه كل تلك الحملة على كالابريزي. وهو في الوقت نفسه يقول، إنه أبداً لم يقتل هذا الأخير.. بيد أنه، في المقابل، يعتبر نفسه مسؤولاً معنوياً عن قتله، (وربما عن قتل المخابرات الإيطالية له)، حيث إنه بفعل الحملة العنيفة التي شنها على كالابريزي، مهد الطريق لقتله... دون أن تكون له هو يد في هذا القتل.

في الحقيقة، إن سوفري قال هذا خلال محاكمته ولم تصدقه المحكمة... ولا حتى الرأي العام الإيطالي. أما اليوم فثمة ميل إلى تصديقه... أو على الأقل إعادة النظر في القضية كلها، ما يفتح على نقاشات، لا شك ستكون أكثر وأكثر صخباً، من حول الكثير من قضايا العنف والإرهاب في إيطاليا السبعينيات، ومدى تورط، أو عدم تورط أجهزة المخابرات الإيطالية وغير الإيطالية فيها... بما في ذلك اختطاف آلدو مورو وقتله. علماً بأن هذا كله يعيدنا إلى المربع الأول أي إلى ذلك المبدع الذي كان أول من أثار القضية في مسرحية اعتبرها كثر خيال كاتب في ذلك الحين، ولكن ها هو التاريخ الآن وعلى لسان صانعيه أنفسهم يعطيه الحق في صدقية ما "ذهب إليه خياله" ما يؤكد ولو بعد حين استحقاقه بالفعل لجائزة نوبل التي استكثرها البعض عليه حينها!

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

"نوبل" الاستثنائية

 الحقيقة، إن هذا البعض كان معذوراً، فعلى رغم أن لائحة المهن التي مارسها داريو فو كانت طويلة، ما من واحدة منها كانت تؤهله لأن يكون من بين اختيارات الأكاديمية السويدية. ففو عرف ككاتب مسرح هزلي ومغنٍ ومهندس ديكور وكاتب أغاني وممثل ورسام. ولم يسبق أن فاز من يماثله بالجائزة العالمية القيمة. ومع هذا فعلتها لجنة نوبل في سابقة ليس لها مثيل. بل فعلتها مع فنان عرف بمواقفه السياسية المتطرفة التي صنفته دائماً في عداد الفوضويين المغضوب عليهم من المحافظين ورجال الكنيسة في إيطاليا طولاً وعرضاً. ومن الواضح أن كتابة داريو فو للمسرحية التي نتحدث عنها هنا وتأكيده على أن التخلص من الفوضوي بينيلي، إنما كان جريمة مدبرة وذلك قبل عقود من ظهور الحقائق، التي أكدت ما يقول. وكان من حسن حظه على أية حال أنه عمّر حتى العام 2016، ليموت عما لا يقل عن تسعين سنة، وهو مرتاح الضمير لكونه كشف الحقيقة قبل الآخرين، معيداً إلى بينيللي اعتباره، تلك الكتابة لعبت دوراً كبيراً في توجيه الرأي العام باكراً في نفس الاتجاه الذي كان وحده تقريباً من بين الناس أجمعين يتجهه منذ ذلك الوقت المبكر بالنسبة إلى قضية بينيللي.

المزيد من ثقافة