Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

العالم يصطدم بأخلاقيات لقاح كورونا

تتعلق بالحرية الفردية في تناوله أو رفضه، وفي عدم التمييز بين من سيحصل عليه أولاً

تظاهرات في برلين ضد قمع الحريات الفردية بسبب كورونا (رويترز)

هل يمكن إلزام أي فرد بأخذ اللقاح، وليس بالتحديد لقاح "كوفيد-19"؟ وهل يمكن تطعيمه على الرغم من رفضه وتمسكه بحريته الشخصية وأخذ القرار، خصوصاً إذا ما كان الوباء المزمع محاربته لا يزول إلا بتطعيم الجميع، وإلا سيكون الأمر مضيعة للوقت، فغير المطعمين سيعيدون نشر الفيروس من جديد؟

أسئلة المعترضين؟

هذه الأسئلة المثارة اليوم على مستوى العالم تأتي بعدما قرر عدد غير قليل من مواطني دول العالم المتقدمة والنامية، عدم أخذ لقاح كورونا، لأسباب كثيرة تقوم على مبدأ "نظرية المؤامرة"، أي أنه ليس مجرد علاج لوباء كورونا بل يحمل في طياته الكثير من المقاصد "الشريرة" بحسب هؤلاء، أما عن نظرية المؤامرة خاصتهم فليس هنا محلّ عرضها. والمعترضون في أنحاء العالم ليسوا أفراداً فقط، بل وأسسوا جمعيات وجماعات منظّمة ليس لرفض اللقاح فقط بل لإقناع الآخرين بعدم أخذه ولنشر الفضائح عنه، وقاموا بتظاهرات في الولايات المتحدة وفي عدد من الدول الأوروبية رفضاً له، بعدما اعتبروا عدم وجود وباء كورونا أصلاً وأنه مجرد مؤامرة كونية ذات أهداف مختلفة.

هذه الاعتراضات دفعت المؤسسات الحقوقية وجمعيات حقوق الإنسان والمؤسسات الحكومية الرسمية والدينية إلى طرح أسئلة كثيرة سميت "أخلاقيات اللقاح"، يدور حول إمكان إجبار كل شخص على تناول اللقاح، وعن مدى مخالفة هذا الإجبار مبدأ الحرية الفردية والشخصية في اتخاذ القرار، خصوصاً في ما يتعلق بجسده نفسه، أو مخالفتها معتقدات دينية أو فلسفية معينة، فمن المؤكد أنه يمكن للوائح وتنظيمات الصحة العامة الإجبارية المتعلّقة باللقاح أن تنتهك استقلالية الفرد وحريته.

الإقناع والإجبار والموافقة المستنيرة

في بعض الحالات، تسمح الجهات الحكومية والسلطات المحلية بالإعفاء من التطعيم في أنظمة تلقيح المدارس مثلاً، لموانع طبية، كأن لا يتناسب اللقاح مع أمراض أخرى تصيب التلامذة عادة في الدول الفقيرة كالملاريا والسل ونقص المناعة، والإعفاءات لمنع المواجهة مع المعتقدات الدينية والفلسفية، لكن هذه غالباً ما تكون في الحالات التي يكون فيها عدم التطعيم يؤثر في الفرد نفسه من دون غيره من أعضاء الجماعة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في المقابل، هناك جهد إضافي تقوم به المؤسسات الصحية على مستوى العالم، على مستوى الدعاية أو الإعلام أو التواصل المباشر لثنيِ الرافضين عبر إقناعهم بأهمية اللقاح للحفاظ على حياتهم وصحتهم ومن حولهم من أولادهم وأقاربهم، وإقناعهم بأنه لا يخالف أي معتقدات ولا يجعلهم مذنبين على أي مستوى.

أما على مستوى الحرية الفردية فالإقناع يتناول "العقد الاجتماعي"، أي أن حرية الفرد تنتهي عند حدود حرية الآخرين، وأن عدم التطعيم كحرية فردية سيؤدي إلى إصابة آخرين بالمرض ولو كانوا قد تناولوا اللقاح، لا تنجح هذه المحاولات في جميع الحالات لكنها لا تزال ذات أثر مجد، أما في الدول التوتاليتارية، كالصين وروسيا مثلاً، فالأمر لا يشكّل أي مشكلة البتة، فالجميع مجبر على الالتزام بقرارات السلطات تحت طائلة العقوبات القاسية.

بعض الجهات الحكومية تستخدم قوانين تسمى على مستوى العالم بـ "الموافقة المستنيرة المسبقة"، وهي تعني طلب موافقة مسبقة أمر أخلاقي ومناسب، والهدف منها أن يصبح الآباء والأفراد على دراية أفضل بشأن التطعيمات، ولديهم الوقت الكافي لطرح الأسئلة إذا لزم الأمر، والمعارضون للموافقة المسبقة يرون أن إجراءات الموافقة الكتابية المنظّمة قد تضيف خوفاً أو قلقاً لا داعي له من عملية التطعيم.

أخلاقيات إيصال اللقاح

في القضايا الأخلاقية التي تتعلق باللقاح، هناك قضية الوصول أيضاً، أي لمن يصل اللقاح أولاً، أو لمن يصل أولاً وأخيراً في حال كانت أعداد اللقاحات أقل من المطلوب، والسؤال هو، هل جميع البشر متساوون أمام اللقاح؟ وهل وصوله إلى الجميع أمر أخلاقي أم هو من الطبيعة التنافسية لدى البشر أو يدخل في إطار "الصراع من أجل البقاء"، نظرية داروين التي يعتبر فيها أن هذا الصراع هو الذي أوصل البشر إلى ما هم عليه بسبب "الانتقاء الطبيعي"؟

في حالات كثيرة يعود نقص التطعيم إلى قلة عدد منتجي اللقاحات ومورديها، بسبب المسؤولية القانونية والتكاليف والوقت والبيئة السياسية والدينية، ما يضع مقدمي الخدمات الطبية أمام موقف صعب لاتخاذ قرارات بشأن من يجب حمايتهم، ومن يجب أن يترك لنظام الاصطفاء الطبيعي، وهؤلاء من الدول الفقيرة عموماً، أو من الفقراء داخل الدولة أو من الأقليات العرقية المنبوذة داخل الدولة، وقد حدث هذا الأمر في عدد غير قليل من الدول الأفريقية خلال فترات مختلفة من الأوبئة.

بعض الدول، كي تتفادى مثل هذه الحالات تلجأ إلى ما يسمى مناعة القطيع، أي يترك الجميع عرضة للمرض معتمدين على نظرية البقاء للأقوى، وهذا ما يؤسس لجيل يمتلك مناعة طبيعية تجاه مرض معين، بعدما يموت بسببه عدد كبير ممن لم يتمكنوا من مقاومته، أما في الدول الغنية والمصنّعة للقاح، فهذه المشكلة تأتي في أسفل لائحة أخلاقيات اللقاح.

مخاطر من العدوى

في الدول النامية هناك مخاطر من العدوى المعطلة أو القاتلة، التي تسمى "أمراض الفقر"، مثل السل والملاريا والأنفلونزا القاتلة على أنواعها ومرض نقص المناعة، وعلى الرغم من أن اللقاحات يمكن أن تساعد في منع بعضها، إلا أن تصنيع اللقاح يتخلف عن الاحتياجات الصحية المجتمعية، وما يزيد في التعقيد، أن الأماكن المصابة بأمراض الفقر غالباً ما تفتقر إلى البنية التحتية لدعم التطعيم على نطاق واسع.

وصف علماء الصحة والطب التطعيم بأنه واحد من أرقى الإنجازات الـ 10 للصحة العامة في القرن الـ 20، ومع ذلك، فمعارضته موجودة طيلة وجود التطعيم نفسه، وعلى الرغم من تبدل الأزمنة وتطور العلوم الطبية في أنحاء العالم، فإن العواطف والمعتقدات العميقة التأصل سواء الفلسفية، أو السياسية، أو الروحية التي تدعم المعارضة للقاحات لا تزال مستمرة نسبياً منذ أن قام إدوارد جينر بتقديم التطعيم لأول مرة.