Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تناقضات "الحياد الكربوني" ومأزق حماة البيئة

دعمت الحكومات شركات الوقود الحيوي فكانت النتيجة إزالة أو حرق أشجار الغابات رئة العالم

شروق الشمس خلف محطة كهرباء بالقرب من ليفربول شمال إنجلترا (رويترز)

نظرة سريعة حول العالم لمتوسط أسعار الكهرباء توضح ببساطة أن تكلفتها الأعلى هي في الدول الأكثر استخداماً للطاقة الشمسية والرياح في توليدها. الأعلى في الولايات المتحدة هما أوكلاهوما وتكساس، ومع هذا لم تنخفض أسعارها للقطاع السكني في الأولى وارتفعت في الثانية! مع أن الإعانات المقدمة لهذه المشاريع بمليارات الدولارات! 

الانخفاض الضخم في تكلفة الكهرباء من مشاريع الطاقة الشمسية التي تذكرها وسائل الإعلام هي تكاليف "الجملة"، لكنها لن تنعكس بالضرورة على فاتورة الكهرباء التي يدفعها المواطنون في العالم. تكاليف نقل الكهرباء وإدارة الشبكة وصيانتها ثم الإجراءات المحاسبية باهظة، بالتالي من الصعب أن نجد انخفاضاً مقارنة بأسعار الماضي.

يجب توخي الحذر عند قراءة الأخبار المتعلقة بعقود الطاقة الشمسية التي تتحدث عن "أقل سعر في العالم" أو من "أقل الأسعار في العالم".

لا يمكن مقارنة مشروع بآخر إلا إذا كانت العقود والأوضاع متماثلة تماماً؛ مثلاً، كل عقود الطاقة الشمسية في الولايات المتحدة تتضمن تكاليف الأرض، وغالباً على شكل إيجار، لكن هذا البند قد لا يكون موجوداً في بلاد أخرى. وتتطلب العقود إعادة الأرض إلى ما كانت عليه بعد انتهاء مدة المشروع. هذه التكاليف في بعض البلاد تبلغ عشرات أضعافها في بلاد أخرى، بخاصة في تلك التي تضع قوانين صارمة للتخلص من النفايات الصلبة. 

العولمة والحياد الكربوني

سياسات الحياد الكربوني بطبيعتها ضد العولمة، لكن لا يمكن للأولى أن تنجح من دون الأخيرة والتعاون مع الدول الأخرى. فالانبعاثات، مدفوعة بعوامل الطقس، لا تعترف بالحدود السياسية، والفروقات الإثنية، ولا تعرف الفرق بين الغني والفقير.

تطلّب تطبيق العولمة في نهاية الثمانينيات وفي التسعينيات حكومات قوية. التناقض هنا أن العولمة تضعف الحكومات، لكن لا بد من وجود حكومة قوية لتطبيقها. سياسات الحياد الكربوني تتطلب أيضاً حكومات قوية، لكن على عكس العولمة، فإنها تعطي الحكومات المزيد من التحكم في مفاصل كل القطاعات الاقتصادية، وسلوك الأفراد، إلا أن المشكلة أنه لا يمكن نجاحها من دون العولمة!

العولمة أسهمت في تنشيط القطاع الخاص حول العالم. الحياد الكربوني يحجم القطاع الخاص. ويجبِر الملوّثين على الخروج من المناطق أو الدول التي يطبق فيها، بينما الأولى تساعدهم على إيجاد مناطق آمنة ليستمروا في إصدار الانبعاثات!

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

العولمة مكنت الدول المتقدمة بانخفاض الانبعاثات بطرد المصانع الملوثة إلى الصين. ثم قامت هذه الدول باستيراد سلع هذه المصانع من بكين، من دون التلوث المصاحب لإنتاجها. سياسات الحياد الكريوني تتطلب ضرائب على الكربون، ولن تنجح إلا إذا فُرضت على الواردات، وهذا عكس العولمة!

نتج من العولمة رد فعل في عدد من البلدان أدى إلى زيادة حدة الوطنية فيها، رأيناها في خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وسياسات الرئيس ترمب، وتزايد المعارضة للهجرة في عدد من البلاد الأوروبية. كما نتج منها عداء للصين كالحرب التجارية بينها وبين الولايات المتحدة، وبعض المواقف من دول الاتحاد الأوربي تجاه الأولى.  رد الفعل هذا والعداء للعولمة والصين قد ينتجان عودة المصانع من الأخيرة إلى بلادها، ما سيؤدي إلى زيادة الانبعاثات المسببة للتغير المناخي وفشل سياسات الحياد الكربوني!  

الحياد الكربوني يكشف تعارض السياسات البيئية

تاريخياً، رُفعت مستويات الإيثانول في البنزين بضع مرات، بخاصة في الولايات المتحدة، بحجة حماية البيئة. وقامت الحكومة بدعم صناعته ومزارعي الذرة التي يُنتج منها. وكانت النتيجة، صناعة ضخمة مؤثرة سياسياً واقتصادياً، وقطاع زراعي ضخم يعتمد على الذرة. 

إلا أن تشجيع السيارات الكهربائية يعني انخفاض الطلب على وقود فيها، بالتالي قلة الطلب على الإيثانول. فماذا يفعل السياسيون في هذه الحالة؟ هل يضحّون بصناعة الإيثانول والمزارعين للوصول إلى الحياد الكربوني؟ أم أن السياسة ستلعب دورها ويحجّم نمو السيارات الكهربائية؟ أم ستعوّض صناعة الإيثانول والمزارعين مليارات الدولارات من دافعي الضرائب؟

زاد استخدام الوقود الحيوي بشكل كبير في السنوات الأخيرة، واعتبرته وكالة الطاقة الدولية وهيئات عالمية أخرى أحد مصادر الطاقة التي تساعد في الوصول إلى الحياد الكربوني. قامت الحكومات بتقديم دعم مادي أو إعفاءات ضريبية للشركات المنتجة لهذا النوع من الوقود. النتيجة كانت قيام الشركات والأفراد بإزالة أو حرق أشجار الغابات، رئة العالم التي تمتص ثاني أكسيد الكربون، كي تكون هناك أراض كافية لزراعة المحاصيل التي تنتج الوقود الحيوي. 

تبنّي السيارات الكهربائية يعني أنه لا حاجة لهذا الوقود أصلاً. إلا أن أشجار الغابات اختفت من غير رجعة! المثير هو أن الديزل الحيوي يُنقل حول العالم بسفن ضخمة تستخدم زيت الوقود، أحد المشتقات النفطية! يذكرنا بما حصل حديثاً حيث دُشّنت سفينة ضخمة صديقة للبيئة لأن وقودها الغاز المسال. ومن مهام السفينة نقل الفحم!

هناك عشرات القصص التي تشير إلى إزالة أشجار الغابات، بعضها عمره مئات السنين، لبناء مزارع طاقة شمسية أو رياح، وعندما وُوجه بعض المسؤولين بالأمر، كان الجواب أن كمية الكربون التي لن تنبعث أكبر من نظيرتها التي كانت ستمتصها الأشجار!

أخيراً، قيام الدول الصناعية بإجبار نظيرتها الفقيرة، بطريقة أو أخرى، خصوصاً حول فرض ضريبة الكربون الحدودية، على العمل على تحقيق الحياد الكربوني هو الاستعمار الحديث. كما أن إجبار حكومات الدول المتقدمة شعوبها على تحقيق الحياد الكربوني من طريق فرض مئات القوانين وتكبيلها بها، هو ديكتاتورية القرن 21. المشكلة أن بعض وسائل الإعلام الغربية أصبحت أبواقاً للاستعمار والديكتاتورية، لظنّها أن العزف على وتر التغير المناخي والحياد الكربوني تعطيها الإثارة والصدارة! 

المزيد من آراء