Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ليس بالحروب وحدها يعيش تطور البشرية

لا يزال الشرق الأوسط يتنقل من صراع إلى آخر فالفكر لا العنف هو أساس المجتمع الإنساني

مبان مدمرة في مدينة درعا السورية (أ ف ب)

لا مهرب من سؤال مهما بدا خارج المألوف، وإن كان في سياق الصراعات الدامية في الشرق الأوسط وإثيوبيا والقوقاز، ما الذي يلعب الدور الأول في تطور البشرية، الحروب أم الأفكار؟

الإغريق الذين خرج من بينهم سقراط وأفلاطون وأرسطو وبنوا حضارة، اندفعوا في الحروب، خصوصاً بين أثينا وإسبرطة. والأوروبيون بنوا اقتصادهم بالحروب التي أخذتهم إلى استعمار آسيا وأفريقيا وأميركا، ثم هدموا كل شيء في الحربين العالميتين الأولى والثانية. فالحرب العالمية الأولى وحدها صنعت 21 ألف ملياردير في أميركا، بحيث جاء في رسالة ضابط أميركي إلى قائده: "حساب الخسائر بالأرواح وحساب الأرباح بالدولار". أما الشرق الأوسط، فلا يزال يتنقل من حرب إلى أخرى، ومن صراع إلى آخر، بحيث يتقدم في أمور ويتخلف في أمور.

الفيلسوف هيغل قال، "الحرب هي القوة المحركة لتطور الفكر والمجتمع والتاريخ". وماركس راهن على "صراع الطبقات" للوصول إلى "ديكتاتورية البروليتاريا" ثم إلى "يوتوبيا" الشيوعية التي "تنهي الدولة". والشاعر روديارد كيبلينغ تحدث عن "حروب السلام الوحشية"، والدبلوماسي الأميركي وليم كوانت رأى في كتاب له أن "الحروب لعبت دوراً عظيماً في تشكيل الشرق الأوسط الحديث". أما المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي فوصف حرب 2006 بين إسرائيل وحزب الله، بأنها أسهمت في "الهندسة الجديدة للمنطقة".

لكن، أحدث دفاع عن دور الحروب جاء في كتاب للمؤرخة الكندية مارغريت ماكميلان تحت عنوان "حرب: كيف شكلنا الصراع". إذ استعارت قول الشاعر فريديريك مانينغ أن "الحرب تُشن بواسطة رجال، لا وحوش ولا آلهة، وتسميتها جريمة ضد الإنسانية هي نسيان نصف معناها وأهميتها"، ثم سجلت من خلال دراساتها التاريخية أن "الحاجة إلى الدفاع عن النفس خلقت الدولة، لكن الدولة لا شيء إن لم تكن قادرة على شن حرب. وإذا كانت الدول القوية جيدة في الحرب، فإن الدول الضعيفة خطيرة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

والمعادلة هي، القومية قدمت الحافز إلى التسلح، والثورة الصناعية قدمت الوسائل. والوسائل في هذه الأيام تطورت إلى حد خرافي في القدرة على التدمير والضرب من بعد آلاف الكيلو مترات، قبل الحديث عن القوة النووية، لكن مارغريت ماكميلان لا تكتفي بالقول إن الحرب "ليست قوة سلبية"، بل تذهب إلى البرهان على أنها "محرك للتغيير والخلق، وهي خلقت البيروقراطية، وجعلت الحاكمين أكثر ديمقراطية، بسبب حاجاتهم إلى شعب صحي ومتعلم ليحارب".

وهذا منطق بالغ الخطورة على الحياة والحرية والفكر في عصر "حروب الإبادة" و"الجرائم ضد الإنسانية". فالحروب المندلعة بين الفقراء والإثنيات داخل البلدان الفقيرة، تقود إلى مزيد من الفقر والحرمان والحاجة إلى تسول المساعدات الإنسانية، للحصول على طعام وخيم للمشردين وحليب للأطفال، كما في سوريا وإثيوبيا.

حرب الميليشيات والقوى الخارجية المتدخلة في ليبيا أفقرت البلد النفطي، وطردت أهل الفكر والاعتدال. والحروب العربية – الإسرائيلية، قادت لا فقط إلى خسارة الأرض، بل أيضاً إلى سيطرة العسكر على السلطة والتحكم بالمجتمع. وأي خير في الحرب حين يأمر الضباط الفرنسيون العسكر أيام احتلال الجزائر باغتصاب النساء؟

هل جاء التقدم الاقتصادي في اليابان وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية من اغتصاب الروس مليوني امرأة ألمانية، وقصف طوكيو بقنابل حارقة، لأن بيوتها خشبية، ولأن أمر اليوم الأميركي والبريطاني للقصف كان، "إرهاب المدنيين" قبل تدمير هيروشيما وناغازاكي بالسلاح النووي؟

مفهوم أن حرب الثلاثين سنة في أوروبا بين 1618 - 1648 أدت إلى مبدأ سيادة الدول بموجب "معاهدة وستفاليا". ولا بأس في كون حروب نابليون قادت إلى "توازن القوى" في أوروبا خلال مؤتمر فيينا الذي لعب الدور المهم فيه مستشار النمسا مترنيخ "مهندس" ترتيب "القائمقاميتين" في لبنان خلال القرن التاسع عشر، و"ملهم" الدكتور هنري كيسينجر في نظرياته التي مارس بها سياسة أميركا الخارجية.

كذلك كون الحرب العالمية الأولى أنهت أربع إمبراطوريات، والحرب الثانية أسقطت باقي الإمبراطوريات. لكن الغنى في الأفكار هو الذي يسهم في التقدم والازدهار أيام السلم. والفقر في الأفكار يؤدي إلى إكمال ما هدمته الحروب بتخريب المجتمع والحرمان الاقتصادي مع تسلط النافذين على الاقتصاد.

الفكر لا العنف هو أساس المجتمع الإنساني، وأخطر تصور لمفعول العنف هو قول المؤرخ الأميركي والتر لاكوير، "قليل من العنف قد يقود إلى نتائج عكسية، لكن كثيراً منه قد ينجح". وقديماً قال المتنبي، (كُلَّما أَنبَتَ الزَمانُ قَناةً * * * رَكَّبَ المَرءُ في القَناةِ سِنانا).

المزيد من آراء