فنانون تونسيون يغنون في إسرائيل

لا يوجد قانون ضد التطبيع ولكن فئة كبيرة من الشعب لا تزال متحفظة او رافضة لهذا الشأن

الفنانة درصاف الحمداني (عن صفحتها على فيسبوك)

على أثر انتشار ملصق دعائي باللغة العبرية عبر موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، يعلن عن حفلة لفنانين تونسيين يومي 24 و27 يناير (كانون الثاني) الماضي في مدينة إيلات، أعيد من جديد فتح ملف التطبيع مع إسرائيل، ويضم الملصق الدعائي كلاً من الفنانة التونسية المقيمة في باريس درصاف الحمداني، والفنان محسن الشريف الذي اعتاد الذهاب إلى إسرائيل من سنوات، وفنانين وعازفين آخرين

لكن سرعان ما نفت الحمداني ذلك، وكتبت على صفحتها الرسمية في فيسبوك "خلافاً لما تداولته مواقع التواصل الاجتماعي مرة أخرى، تنفي إدارة أعمال الفنانة درصاف الحمداني أي مشاركة لها في أي تظاهرة أو حفل يدار أو ينظم في إسرائيل". أما محسن الشريف فالتزم الصمت تماماً، لكنه اعتذر سابقاً للجمهور التونسي عن ذهابه للغناء في إسرائيل إلا أنه لم يلتزم.

صمت رسمي

يبدو أن تطبيع الفنان التونسي محسن الشريف مع الدولة العبرية لم ينقطع، على الرغم من رد فعل الشعب التونسي الرافض كل أنواع التطبيع، وذلك إثر انتشار فيديو له في العام 2010 وهو يغني في الأراضي المحتلة، ويمجد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وذكرت مصادر عدة أن الشريف أحيا حفلتين في فبراير (شباط) العام 2018 في الأراضي الفلسطينية، وهو ما يطرح تساؤلات حول صمت وزارة الثقافة التونسية التي لم تبدِ أيّ موقف من هذه الممارسات، خصوصاً أن نقابة الفنانين التونسيين وعلى لسان النقيب مقداد السهيلي، أكدت في أكثر من مناسبة رفضها كل أشكال التطبيع.

ما حصل كان من الرئيس المخلوع

وسبق أن شطبت النقابة التونسية لقطاع الموسيقى المطرب محسن الشريف من قائمة مطربيها بسبب غنائه في الأراضي المحتلة وعدم التزامه موقف بلاده تجاه القضية الفلسطينية، كما سبق لعدد من الفنانين التونسيين الغناء في إسرائيل، مثل الفنان قاسم كافي الذي توفي نهاية العام 2018 واعترف في أحد الحوارات الإذاعية بأنه غنى في إسرائيل بضغط من الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي الذي كان يجبر بعض الفنانين على الغناء هناك.

وذكر قاسم كافي أسماء عدد من الفنانين الآخرين الذين غنوا في إسرائيل منهم المطرب الشعبي نور الدين الكحلاوي والفنان منصف عبلة، وما يجمع هؤلاء الفنانين غناؤهم الطابع التونسي والتراث الغنائي لليهود التونسيين، وبعد فضحهم من زميلهم، قدم هؤلاء اعتذارهم، مؤكدين أن ما حصل كان بطلب من الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي.

التراث الشعبي ليهود تونس

وقد اشتهر محسن الشريف بأداء أغاني "الشيخ العفريت" واسمه الحقيقي هو إيسران إسرائيل روزيو وهو مطرب يهودي تونسي عاش ومات في تونس، وتذاع أغانيه إلى اليوم ويحبها الجمهور التونسي ويسمعها بشغف كما يستمتع بها في كل المناسبات. وليهود تونس تراث فني كبير، فأشهر أغنية أعراس والمعروفة في تونس باسم «التعليلة» هي للفنان اليهودي التونسي رؤول جورنو، والتي قلّ وندر أن تزف أي فتاة في تونس من دونها، وعند وفاته منذ أعوام قليلة في فرنسا نعاه التلفزيون التونسي في النشرة الرئيسة للأخبار.

ومن أشهر القصص التي توارثها التونسيون قصة المغنية اليهودية التونسية حبيبة مسيكة والتي كانت آية في الجمال وقد أحرقها يهودي كان متعلقاً بها لرفضها الزواج به، وأنجز شريط سينمائي تونسي من إخراج سلمى بكار يروي سيرة هذه المغنية الشهيرة.

خمسة آلاف دولار مقابل الغناء في إسرائيل

في هذا السياق، كشف الصحافي المتابع للشأن الفني والثقافي عبد الجليل السمراني عن أن "عشرات الفنانين التونسيين زاروا إسرائيل قبل الثورة"، وحول كيفية الزيارة في ظل عدم وجود علاقات رسمية بين تونس وإسرائيل، قال الصحافي إن "متعهد حفلات إسرائيلي من أصل تونسي، هو همزة الوصل لقيام فنانين تونسيين بحفلات خاصة بمدينة بئر السبع حيث يوجد أكثر من 80 في المئة من اليهود التونسيين الذين هاجروا إلى إسرائيل بعد نكسة 67".

أضاف السمراني "أن الفنان يحصل على مبلغ خمسة آلاف دولار عن الحفلة الواحدة، ويجري السفر من طريق قبرص باتجاه مطار اللّد في تل أبيب من دون ختم جوازات سفر الفنانين بالطابع الإسرائيلي". وفنّد الصحافي ما قاله البعض من الفنانين حول إجبار نظام بن علي الفنانين على الغناء في إسرائيل، مؤكداً أن النظام كان يعلم بهذه الزيارات ويغض النظر عنها ولكن من دون "إرغام الفنانين للاستجابة لطلبات الغناء في إسرائيل".

القانون لا يجرم التطبيع

لكن البعض من المتابعين يرون أن عدم وجود نص قانوني يجرّم كل أشكال التطبيع مع الكيان الصهيوني يعطي هؤلاء الفنانين الحق في الذهاب إلى إسرائيل والغناء فيها ما دام القانون يسمح لهم بذلك، وهذا ما يبرر صمت الجهات الرسمية. وسبق أن تقدمت مجموعة من الكتل البرلمانية بمشروع قانون يجرم التطبيع مع إسرائيل، لكنه كان يصطدم كل مرة بالتأجيل في صلب "لجنة الحقوق والحريات" ما دفع نواب المعارضة إلى اتهام رئيس البرلمان ورئيس الجمهورية والائتلاف الحاكم "بالخيانة".

وشهدت آخر جلسة عقدت في فبراير (شباط) الماضي للنظر في مشروع قانون تجريم التطبيع تبادل اتهامات بين نواب المعارضة ورئيس البرلمان عبر تحميله مسؤولية تعطيل النظر في القانون بهدف رفع الحرج عن كل من رئاسة الجمهورية ووزير الخارجية بعد تغيبهم عن الجلسة.

السجن لكل مرتكب جريمة التطبيع

ويعاقب المشروع المتكون من ثماني مواد بالسجن من سنتين إلى خمس سنوات كل مرتكب لجريمة التطبيع، والتي عرّفها الفصل الأول بأنها "الاتجار أو التعاقد أو التعاون أو المبادلات أو التحويلات بكل أنواعها التجارية والصناعية والحرفية والمهنية والمالية والخدمية والثقافية والإعلامية والسياحية والفنية والرياضية وغيرها من المجالات بمقابل أو من دونه".

وبحسب إحصاءات يُعتبر التونسيون من أكثر مواطني البلدان العربية رفضاً للاعتراف بإسرائيل، إذ كشفت دراسات حديثة أن 93 في المئة من التونسيين يرفضون اعتراف بلادهم بإسرائيل، وهي نسبة أعلى من المعدل العربي الذي بلغ 87 في المئة.