Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

7 أفلام لميشائيل هانكه في القاهرة ... سينما التمزق الأوروبي

المخرج النمسوي صوّر الطبقة الوسطى والحياة المزدوجة في المجتمع

المخرج النمسوي ميشائيل هانكه (الخدمة الإعلامية للمهرجان)

سينما "زاوية" في القاهرة شرعت أبوابها على أفلام أحد أكبر المخرجين الأحياء، النمسوي ميشائيل هانكه (1942). حدث يحاول تعريف تجربة هذا المعلم الحائز "سعفتين" في مهرجان كان إلى الجمهور المصري. أفلام هانكه التي شقت طريقها إلى "زاوية"، عددها 7 من أصل 12 أنجزها بين 1989 و2017. مسيرته بدأت في نهاية الثمانينيات، ووصلت ذروتها في سنوات الألفين، جاعلاً منه إحدى القامات الكبيرة في السينما الأوروبية المعاصرة.

صوّر هانكه الطبقة الوسطى واليأس والضياع والحياة المزدوجة والتمزق الذي يصيب أفرادها في المجتمع الأوروبي، إلى درجة بات المُشاهد يعلم جيداً ماذا يعني أن يدخل وسط كل هؤلاء ويشيع فيهم بعض الفوضى. المواضيع نفسها التي عالجها عن العائلة والمرض والموت والوحدة، عادت وتجسدت في تنويعات مختلفة وفي نهايات مكلومة ومصائر حزينة، لتجعل منه أحد أبرز المهمومين بالعنف المتغلغل داخل الفرد الأوروبي، هذا الفرد الهادئ ظاهرياً والقلق باطنياً. أما الخطاب السياسي الضمني في سينماه فيُختصر بالآتي، البورجوازية قذرة، أفرادها لا يستحقون الحياة. لا أحد أو تقريباً، ينجو من "شرور" المعلّم ونظرته اللئيمة، حتى الأطفال الصغار. نراه يصور الناس بقدرته الشهيرة في استخراج أبشع ما في دواخلهم. مع الوقت، ازدادت حتميته وتراجع منسوب التسامح عنده، ولكن في الوقت نفسه، لا يصدم، بل يمسك الأشياء بكف من مخمل، ولو أن القبضة من حديد. 

الأفلام المختارة في الأسبوعين المخصصين له، التي نتوقف عند ثلاثة منها هنا، هي أفضل ما أنجزه هانكه. فقد اشتغل طوال حياته على أشياء صغيرة، أشياء تستعرض العلاقة بين الظاهر والخفي. تتصاعد الدراما عنده من أماكن لا يولي لها معظم السينمائيين أي اهتمام. يرى ما لا يراه غيره. سينماه الباردة، الخانقة، القاسية، تتجسّد على الشاشة، ثم تبحث عن طريقها إلى العقل الباطني. يتغلغل في الباطن ببطء شديد. يفعل فعلتها فينا، مرةً بعد مرة، كداء خبيث. 

 فيلم مقتبس

وجد هانكه في الممثلة الفرنسية إيزابيل أوبير، وجهاً مثالياً ليكتب عليه أشياء من لؤمه السينمائي. فهي خير من جسدت رؤيته إلى المجتمع والإنسان، الذي يعيش في داخله. هذا التعاون بينهما وصل إلى ذورته في "عازفة البيانو"2001، الذي فاز بـ"الجائزة الكبرى" في مهرجان كان. أقل ما يُقال في الفيلم إنه صادم على المستويات كافة، مقتبس من رواية للكاتبة النمسوية إلفريدي يلينيك الفائزة بـ"نوبل" الأدب في العام 2004.

أوبير في أول حضور لها في عالم هانكه عظيمة، في دور مدرّسة بيانو في كونسرفتوار فيينا. هذه التي اسمها إريكا تعيش حياة عادية كفتاة عزباء عند أمها، على الرغم من أنها باتت في الأربعينات من عمرها. إريكا بلورت عادات جنسية تُعد غير مألوفة بعض الشيء، إذ لديها حاجة في التلصص على الآخرين، من خلال ارتياد حانات التعري وصالات السينما، التي تعرض أفلاماً بورنوغرافية. وهكذا نراها تنزلق في عالم من الانحراف الجنسي والتلصص إشباعاً لرغبات مازوشية. ما نشاهده في الفيلم هو تمزق من النوع الذي يعشق هانكه تصويره. فيلم يصفعك ويزعجك وينال في الوقت نفسه إعجابك. خلف كل هذا يوجد عالم أكثر رقةً، حيث قصة شغف لن تُروى كما تُروى عادةً هذه القصص.

بعد "عازفة البيانو"، قدم هانكه عملاً آخر يُعد من التحف السينمائية، "كاشيه" 2005. هنا التزم نصيحة هيتشكوك، "أفضل أن تبدأ فيلمك بكليشيه من أن تختتمه بها". جورج لوارن (دانيال أوتوي)، مقدّم برامج تُرسل إلى منزله شرائط تكشف أشياء خاصة متصلة بحياته. وهي عبارة عن مشاهد لمنزله من الخارج، وأمور أخرى ليست على قدر كبير من الأهمية. يرافق الـ"كاسيت" رسم غريب أشبه بتهديد. بيد أن طبيعة الرسائل لا تمنح جورج أي إشارة في ما يتعلق بهوية الطرف الذي يريد عرقلة مسار حياته الهادئ. أسيقدر على تحمل التهديدات الغامضة التي يتلقاها، خصوصاً أنها ستوقظ مجدداً ذكريات من زمن طفولته؟ من يريد له شراً؟ ماذا فعل جورج في حياة سابقة كي يستحق هذا العقاب؟ لا تعذبوا أنفسكم، لن يمنحكم المخرج، المدرك تأثير الصور على المتلقي، أي مَخرج للمأزق الذي سيضعكم فيه. ولن يعطيكم مفاتيح الدخول إلى الحديقة السرية إلا تدريجاً. ما يهمه ليس القصة بقدر اهتمامه بتوريط المُشاهد في لعبة سادية. يحفل "كاشيه" بمكونات الفيلم البسيكولوجي المتقوقع على ذاته، على خلفية سيناريو شديد التعقيد، قلق. عزلة بغضاء. تمزق نفسي. معاناة. مخلصاً لنزعاته، يجعل هانكه الخوف شبحاً طاغياً على امتداد الشريط، ويقودنا إلى المجهول ليرينا مدى صعوبة أن نمشي وعيوننا مغمضة.

حكاية رجل وامراة

أما العمل الذي فاز عنه هانكه بثاني "سعفة" له في مهرجان كان (بعد "الرباط الأبيض" 2009) فهو "حبّ". فيلم حميمي تجري أحداثه في المربعات القليلة لشقة باريسية مؤلفة من مطبخ وغرفة نوم وصالون، وبشخصيات قليلة وديكورات محدودة. فيلم ينزل إلى الأماكن الأشد عمقاً في الطبيعة الآدمية، مكرساً صاحبه وبشكل نهائي كأحد أعمدة الفن والثقافة والفكر في أوروبا المعاصرة. الحكاية بسيطة، إنها عن رجل وزوجته (جان لوي ترانتينيان وإيمانويل ريفا) يعودان من مسرحية فيجدان باب المنزل مخلوعاً. فيُطرح السؤال الآتي، من الذي دخل البيت أثناء غيابهما؟ هل هو الموت؟ فجأةً، تمرض الزوجة، فيصبح الزوج طبيبها ورفيقها. يتبدى لنا أن هانكه ينأى عما يمكن تسميته بـ"الفاشية الشخصية" التي كان دائماً يضخها في أعماله السابقة، التي ترتكز على إساءة الواحد للآخر وعلى العلاقات البشرية غير المكتملة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

نحن هنا حيال نص سينمائي كبير يعكس كل تلك البساطة التي اشتهرت بها السينما الأوروبية، التي تشتغل على بسيكولوجية الشخصيات أكثر من اشتغالها على الحوادث. من خلال "حبّ"، يكشف هانكه الموت الدقيق ذا الوجه البارد والسقيم والتدريجي لهذا الإحساس الذي قال عنه ألفرد دو موسيه، "إذا أحببتَ هذا يعني أنك عشت". 

المزيد من سينما