Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

السودان بعد 11 ديسمبر هل سيكون كما قبله؟

رفع اسمه من قائمة الدول الراعية للإرهاب سيزيل عائقاً كبيراً من أمام الاقتصاد

رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب لا يمثل منفرداً الحل لكل المشاكل الاقتصادية (اندبندنت عربية- حسن حامد)

مزيج من الترقب الحذر واستدعاء الأمل يحيط بالسودانيين بعد إعلان رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك عن رفع السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب في 11 ديسمبر (كانون الأول). كانت الخرطوم قد حولت في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي أموال التعويضات المطلوبة من قبل واشنطن، لضحايا تفجيرات سفارتي الولايات المتحدة في كينيا وتنزانيا عام 1998، وضحايا تفجير المدمرة "كول" عام 2000، بعد مطالبات الرئيس الأميركي المنتهية ولايته دونالد ترمب بذلك كشرط لرفع اسم السودان من القائمة. والسؤال القائم وسط الآمال بأن تحل مشاكل السودان الاقتصادية وانفراج الضائقة المعيشية، وبين المحاذير بأن تكون هناك مطالبات أخرى هو: ماذا أعدت الحكومة لما بعد 11 ديسمبر؟ وما الترتيبات للمرحلة المقبلة؟

شروط استغلال الفرص

أوضح مدني عباس وزير التجارة والصناعة لـ"اندبندنت عربية"، أن "رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب سيزيل عائقاً كبيراً من أمام الاقتصاد السوداني، وسيذلل الطريق لانطلاقته، وعلى الرغم من ذلك فإنه لا يمثل منفرداً الحل لكل مشاكل السودان الاقتصادية". 

وأضاف أن "هنالك فرصاً يتيحها رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، واستغلال هذه الفرص يتطلب توفر شروط أساسية من أهمها الإصلاحات في النظام المصرفي، وإصلاح الخدمة المدنية والبيئة المهيئة للاستثمار، وإصلاحات القطاع الخاص". وأكد أن "بنك السودان يعمل من جانبه على قيادة هذه التغييرات في الإصلاح المصرفي وهو مجهود يحتاج لفترة كي يؤتي أكله، بالنظر إلى التشوهات العميقة التي ضربت الجهاز المصرفي خلال الأعوام الماضية. أما جهاز الخدمة العامة فهو بحاجة إلى الإسراع بمسار الإصلاح فيه بالأتمتة وتحويل العمل إلى عمل إلكتروني أكثر كفاءة، بالإضافة إلى تأهيل الكوادر، وخصوصاً التي تتعامل مع فرص الاستثمار الخارجي". 

وأفاد بأن "وزارة الصناعة والتجارة مسرعة الخطى لبداية برنامج النافذة الموحدة بالتعاون مع جميع الجهات الأخرى ذات الصلة بالعمل التجاري، ما من شأنه تسهيل وتحسين بيئة العمل التجاري والاستثماري في السودان؛ إذ تم الاتفاق مبدئياً مع عدة جهات لتحسين شروط الأعمال في السودان. وللوزارة قوانين جديدة للتجارة والصناعة، كما قامت مفوضية الاستثمار التابعة لوزارة المالية بإعداد قانون جديد للاستثمار لتحسين ظروف الاستثمار في السودان، بالإضافة إلى تواصل الحوار مع القطاع الخاص لاجراء الإصلاحات الضرورية بداخله حتى يستفيد من فرص الانفتاح على العالم الخارجي، وأيضاً لكي يصبح أكثر تنافسية مع الشركات العالمية التي أبدت رغبتها العمل في السودان".

تحفيز المساعدات 

من جانبه، توقع طارق أبو صالح، سفير السودان لدى كندا، أنه "ستتم إزالة السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب واستعادة حصانته السيادية من الملاحقات القضائية بحلول منتصف شهر ديسمبر الجاري. وهناك توافق بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي على هذا الأمر، وستتم إجازته في الكونغرس، ولا أعتقد أنه سيحدث تراجع عن ذلك. وجاء رفع اسم السودان من هذه القائمة بعد مفاوضات شاقة بين الحكومة السودانية والإدارة الأميركية، والوصول إلى اتفاق قضى بدفع التسوية المالية بمبلغ 335 مليون دولار لعائلات ضحايا تفجيرات المدمرة (كول) وسفارتي أميركا بنيروبي ودار السلام".

 

وأكد أن توقيع الرئيس الأميركي دونالد ترمب على الأمر التنفيذي القاضي برفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب المدرج بها منذ عام 1993، وقيامه بإخطار الكونغرس الأميركي بالقرار، يدل على جدية الإدارة الأميركية برفع اسم السودان من هذه القائمة.

وأوضح أن "ما يحتاج إليه السودان هو تهيئة المناخ للاستثمار في البلاد، وإصلاح التشريعات وتعديل القوانين الخاصة بالاستثمار لتكون جاذبة، وقبل ذلك رفع الهمم ومضاعفة الانتاج وترقية الصادرات؛ لأن البلاد تزخر بموارد طبيعية هائلة، ونتوقع بعد اكتمال رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للارهاب قدوم الشركات العالمية للاستثمار بالسودان في مختلف المجالات".

وأشار إلى أن "شركة (أوركا غولد) الكندية التي تعمل في التعدين عن الذهب، قد أصدرت بياناً بعد الإعلان عن رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، ذكرت فيه أن رفع اسم السودان من هذه القائمة سيمهد الطريق لمزيد من التغيير السياسي الإيجابي والانتعاش الاقتصادي في السودان. وفي الوقت نفسه فإن هذه الإشارة الإيجابية إلى مجتمع الاستثمار الدولي ستحفز المساعدات الاقتصادية للسودان، وفق ما ذكر الرئيس التنفيذي للشركة ريتشارد كلارك. وقال إن السودان بلد مهم للتنقيب عن المعادن وتطوير المناجم في أفريقيا، ويتطلعون إلى أن يحظى هذا البلد بتقدير العالم لفرصه المثيرة للاستثمار والنمو الآن بعد إزالة جميع العقوبات التي كانت مفروضة عليه".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

استعداد متأخر

يقول أستاذ الاقتصاد وعضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني، صدقي كبلو، إن "استعداد السودان لهذا القرار كان ينبغي أن يتم بشكل مبكر تشترك فيه رئاسة الوزراء والمالية وبنك السودان والخارجية، واضعة أمامها خريطة العلاقات الاقتصادية الدولية وأثر القرار في تطويرها، وأن تخرج من ذلك خطة مبرمجة وجاهزة للتنفيذ أهمها كيف نستعيد علاقاتنا التجارية المباشرة من دون وسيط مع أسواقنا التقليدية قبل 1989، خصوصاً فيما يتعلق بالحبوب الزيتية والصمغ والقطن، ثم البحث عن سوق أخرى للذهب واللحوم، وهذا يتطلب تنفيذ قرارات المؤتمر الاقتصادي، وخصوصاً في ما يتعلق بالدعم وإدخال سعر الفائدة، حتى تناسب المعاملات المصرفية". 

وأضاف أنه "يجب البحث عن التمويل السلعي للبنى الأساسية، وخصوصاً مواصلات الحضر، والسكك الحديدية، وآليات الميناء وتوسيعه ومياه بورتسودان، وتنفيذ أجندة السلام فيما يتعلق بعودة النازحين واللاجئين وإعادة التعمير، وكذلك لا بد من الاستفادة من بعثة الفصل السادس التي ستأتي في يناير (كانون الثاني) للاستفادة القصوى من تنسيق عمل منظمات الأمم المتحدة التي يمكنها بعد هذا القرار أن تجد تمويلاً أكثر للسودان".

 

وعن قضية الديون أوضح كبلو أن ما يعقدها هو علاقة السودان بصندوق النقد، لأنه لا يريد للسودان أن يناقش ديونه إلا عبرهم، بمعنى أنه لا اتفاقيات ثنائية لإزالة أو إعادة جدولة الديون، وأن ذلك سيتم عبر نادي باريس بعد تنفيذ السودان للبرنامج المتفق عليه مع الصندوق، ولهذا تجيء أهمية القروض السلعية التي ستكون بين السودان وشركات منتجة لسلعٍ بعينها.

غياب الترتيبات الاقتصادية

قال خالد التيجاني رئيس تحرير صحيفة "إيلاف" السودانية، إن "تاريخ 11 ديسمبر هو الموعد الذي من المفترض أن تنتهي بحلوله مهلة الـ45 يوماً، بعد أن تم إخطار الكونغرس من قبل ترمب برفع هذه العقوبات وشطب السودان من لائحة الدول الراعية للإرهاب، وبالتالي فإنه خلال هذه المدة إذا لم يحدث أي اعتراض عليها يفترض أن تكون سارية". 

وأضاف التيجاني أن "المشكلة الأساسية في هذه الترتيبات والمتعلقة برفع السودان من اللائحة هي موضوع حصول السودان على حصانة سيادية تمنعه من التعرض لأي نوع من المطالبات الجديدة. والمعروف أن أهالي ضحايا 11 سبتمبر (أيلول) 2001 كانت لديهم اعتراضات، بحكم أن التسوية التي تمت مسبقاً بخصوص مبلغ 402 مليون دولار كانت مخصصة لضحايا السفارتين الأميركيتين والمدمرة (كول)، واعتبارهم غير مشمولين في هذا الاتفاق. فنشأ جدل في الكونغرس وفي مجلس الشيوخ على وجه التحديد بخصوص أن التعويض لم يشمل ضحايا 11 سبتمبر. وإذا لم يتم تزامن ضمان رفع السودان من لائحة الدول الراعية للإرهاب مع الحصانة السيادية، فإن الشطب من القائمة فقط لن يكون له أي جدوى، وسيكون قراراً منقوصاً؛ لأن غرض تحرك الحكومة أساساً كان بسبب رفع العقوبات وتطبيع العلاقات ليس مع الولايات المتحدة وحدها، وإنما مع مؤسسات التمويل الدولية، مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وبنك التنمية الأفريقي، وبالتالي تطبيع علاقات السودان مع النظام المالي العالمي. فإذا لم تتم هذه الحصانة، وتم رفع أي قضايا مستقبلية على السودان، وصدرت الأحكام بحقه، ثم عجز السودان عن دفع التعويضات فسيؤدي تلقائياً إلى حجز الأصول والأموال السودانية، وسيعود السودان مرة أخرى إلى المشكلة القديمة ذاتها، وهي عدم استطاعته التعامل مع النظام المالي العالمي، ولذلك فإن القضيتين مرتبطتان معاً".

وأشار التيجاني إلى أن "التجربة السابقة التي رفعت فيها العقوبات جزئياً في أكتوبر 2017 لم تؤتِ أكلها لسببين هما أن جزءاً منها تمثل في أن درجة المخاطرة في التعامل مع السودان كانت عالية، ولذلك لم تتعامل معه معظم المؤسسات التمويلية والمصارف العالمية التي كانت تخشى أن تفرض عليها الولايات المتحدة عقوبات، مثلما حدث للبنك الفرنسي في عام 2014، ووفقاً لذلك استمر الحال على ما هو عليه. أما السبب الثاني فهو أن الحكومة السودانية لم تكن لديها ترتيبات واضحة كي تستفيد منها. والآن المشكلة لا تزال قائمة، فعلى الرغم من كل ما يقال فإنه يظل في إطاره السياسي فقط، أما على صعيد الترتيبات الاقتصادية على الأقل بالنسبة لبنك السودان المركزي وتأهيل المصارف والمؤسسات المالية فليس هناك استعداد، وهذا يعني أن الاستفادة الفعلية من رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب ستأخذ وقتاً طويلاً". 

أثر معنوي

وأوضح التيجاني أن "قضية شطب ديون السودان، وهي عملية معقدة وتستلزم اشتراطات أخرى غير الشرط السياسي المتعلق بتطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة بشطب اسم السودان من لائحة الإرهاب، فهناك شروط متطلبة أبرزها برنامج المراقبة من قِبل موظفي صندوق النقد الدولي لمدة عام ينتهي أجله في يونيو (حزيران) المقبل ليصدروا بعدها سِجلاً يفيد بأن السودان حقق إصلاحات اقتصادية ونالت رضا الصندوق. وآخر تقرير بهذا الخصوص صدر الشهر الماضي ولم يكن مبشراً، وجاء فيه "أنه من الصعب على السودان تحقيق المؤشرات التي وعد بها بالاتفاق مع الصندوق. بالإضافة إلى اشتراطاتٍ أخرى منها أنَّ موضوع الدين يتطلب أن يكون هناك 3 سجلات من صندوق النقد الدولي بالإضافة إلى وجود استراتيجية لمكافحة الفقر". وركَّز التيجاني على أنَّ الديون نفسها ستأخذ وقتاً طويلاً للإيفاء بها لأنَّها مُقسّمة على أطراف مختلفة منها ديون نادي باريس وهي القروض السيادية للدول، وديون نادي لندن وهي القروض التجارية على الحكومة السودانية، وهناك القروض الثنائية وهي عملية ستأخذ من عام إلى عامين، وبالتالي فإنَّ شطب الديون نفسه سيأخذ وقتاً طويلاً. وعليه فإنَّ هذا الموضوع سيكون في حدود الأثر السياسي المعنوي، ومع كل المحاذير فسيكون من الصعب تصور أنَّه سينعكس بصورةٍ مباشرة على العقوبات الاقتصادية على السودان في وقتٍ قريب أو يغير من المعادلة الراهنة.

المزيد من تقارير