Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مفاعلات الطاقة النووية سيف ذو حدين

تزوّد دول العالم بأكثر من 16 في المئة من الكهرباء لكنها تثير الرعب

محطة للطاقة النووية في إنجلترا (غيتي)

المثل العربي الشهير "سيف ذو حدين" ينطبق تماماً على الطاقة النووية، إذ يمكن تحويلها إلى سلاح يذري ولا يبقي وشهدنا مثالاً لقوّته "البسيطة" وهمجيته في اليابان، ويمكن استخدام هذه الطاقة لأغراض سلمية في توليد الطاقة التي يحتاج إليها البشر والمجتمعات، بل تعتبر طاقة نظيفة تحافظ على البيئة. وهناك دول كثيرة في العالم تستخدمها منذ زمن بعيد، وبعضها ينطلق إلى التحوّل نحو الاستخدام السلمي للطاقة النووية، ومنها دولة الإمارات العربية المتحدة كأول دول عربية تستخدم الطاقة النووية لأغراض سلمية.

هناك فوائد عظمى للطاقة الذرية ولكنها أيضاً مثار رعب تام للجميع منذ انتشار السلاح النووي. لذا انتشرت المنظمات العالمية التي تعمل في الاتجاهين، أي استخدام الطاقة للحاجات السلمية، أو تلك التي تعمل على الحدّ من انتشار السلاح النووي.

النووي لأغراض سلمية

المفاعل النووي ليس سلاحاً مدمراً فقط، بل هو مصدر كبير للطاقة، التي تعتبر الهدف الأساس من بحث العلماء في الطاقة الذرية قبل الحرب العالمية الثانية. فعدا عن إنتاج الكهرباء بوفرة كبيرة وكلفة أقل منها في المعامل التقليدية، فإن الطاقة النووية تزوّد دول العالم بأكثر من 16 في المئة من الطاقة الكهربائية، لأن كمية الوقود النووي المطلوبة لتوليد كمية كبيرة من الطاقة الكهربائية أقل بكثير من كمية الفحم أو البترول اللازمة لتوليد المقدار ذاته. وتستخدم الطاقة المنتجة من المفاعلات النووية في تحلية المياه المالحة وإنتاج النظائر المشعّة وفي تدفئة المنازل في الدول الباردة وفي تسيير المصانع الكبرى، إضافة إلى استعمالها في بعض أنواع الغواصات والبواخر الضخمة بديلاً للوقود التقليدي.

وهناك "الطب النووي" الذي يستند إلى مواد النظائر المشعّة لتحديد المرض ومعالجته. هذه المواد إما أشعة النظائر وإما أدوية معلّمة (وضعت لها علامات) بمواد أشعة النظائر، من شأنها تحديد سرطان البروستات وعلاجه وسرطان الكولون والأمعاء الصغيرة وبعض حالات سرطان الصدر، وكذلك تحديد الغدد السرطانية ودراسة غدد المخ والصدر والأعراض. 

مفاعل اليورانيوم

أشهر أنواع المفاعلات هو مفاعل الماء الخفيف الذي يعمل باليورانيوم المخصب. ففيه تعمل الطاقة الحرارية الناتجة من تسخين الماء المحيط باليورانيوم حتى درجة الغليان، فيتولّد بخار عند ضغط عالٍ، الذي يُنقل عبر التوربينات البخارية، فيدور. ويمكن استغلال دوران التوربين في دفع مراوح السفينة أو لإدارة المولدات الكهربائية. وهذه الطريقة تشبه عمل الماكينات التقليدية التي تنتج الطاقة من البخار، إلا أن الفرق في هذه الحالة هو أن مسبب دوران الآلة طاقة اليورانيوم وليس الفحم الحجري أو البترول أو الغاز كما هي العادة. 

ولكن ما يجب معرفته أن الماء المحيط بالكومة الذرية يصبح مشعّاً مع الوقت ولا يصلح للاستخدام المدني، لهذا يصار إلى تدويره في مبادل حراري تنتقل فيه الحرارة من ماء المفاعل إلى ماء آخر نظيف يمكن استهلاكه. أي تكون في المفاعل دورتان للمياه: دورة أوّلية داخله، ودورة ثانوية خارجه، والأخيرة تكون نظيفة ويمكن استغلال حرارتها في الأغراض المدنية.

المعارضة ومواجهتها

يثير معارضو المفاعلات النووية مسألة التكلفة العالية لبنائها، والمخاوف المتعلقة بالسلامة وصعوبة التخلص الآمن من النفايات المشعّة. وساءت سمعة الطاقة النووية بسبب حادثة تشيرنوبل عام 1986، ثم بعد كارثة محطة فوكوشيما في اليابان. لكن تصميم المفاعل الياباني أدى إلى تقليل الإشعاع الذي تسرّب منه مقارنة بحالة تشيرنوبل، ما دفع إلى التقدير العالمي أن التقنيات والتصميمات الحديثة في هندسة المفاعلات تسهم في التخفيف من آثارها الضارة في حالة الجوائح الطبيعية أو الحروب.

ويعتبر المطالبون باستخدام الطاقة النووية أن التكلفة العالية لبناء المحطات يمكن التغاضي عنها، طالما أن تكاليف تشغيلها على المدى الطويل أقل بكثير مقارنة بالمحطات التقليدية، إضافة إلى أنها أكثر صداقة للبيئة أثناء تشغيلها، كما أورد الدكتور عقلا الحريص في بحث له نشر عام 2011. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وما كتبه الأستاذ عبد الرحمن الراشد حول المفاعل النووي الإماراتي في 5 أغسطس (آب) الماضي، يؤكد هذه النظرة المؤيدة للمفاعلات النووية لأغراض سلمية: "دشنت أبو ظبي مشروعها النووي الأول، المكوّن من أربعة مفاعلات. وهو المفاعل العربي الأول للأغراض المدنية، والثاني بعد مفاعل تموز العراقي الذي دمّرته إسرائيل عام 1981. وعلى الرغم من الهدوء الذي صاحب المناسبة، سيظل محل النقاش والمقارنة. فإيران تصارع منذ عقود لبناء قدراتها النووية، التي تدّعي أنها لأغراض مدنية، لكن الجميع يدرك أنها واحدة من حلقات مشروعها العسكري الطموح الذي يهدف إلى السيطرة على المنطقة العربية.

وعلى الرغم من كل ما يقال حولها، فإن الطاقة النووية خيار المستقبل. ففي العالم ثلاثون دولة تستخدم أكثر من أربعمئة مفاعل نووي لتوليد الطاقة الكهربائية. وتخضع لعمليات التفتيش الدولية، ليس فقط احترازاً ضد استخدامها للأغراض العسكرية، أيضاً للتأكد من سلامتها على البشر والبيئة.

والمشروع النووي الإماراتي خضع لكل المتطلبات ومرّ بعمليات التفتيش، وحصل على موافقة الوكالة الدولية للطاقة النووية (IAEA) وهدفه أن يسدّ ربع حاجاتها من الطاقة". (انتهى الإقتباس).

المراقبة الدائمة

منعاً من تحوّل المفاعل النووي من أداة لتحقيق حاجات أساسية للاقتصاد العالمي إلى مصنع للسلاح النووي، فقد وضعت المفاعلات النووية تحت المراقبة الدائمة من قبل IAEA التي  أُنشئت عام 1957 بعد الخطاب الذي ألقاه الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، والذي اقترح فيه إنشاء وكالة مختصة بهذا الشأن بسبب احتدام سباق التسلّح النووي مع الاتحاد السوفياتي منذ نهاية الحرب الثانية.

وتكرّس دور هذه الوكالة في تشجيع الاستخدامات المأمونة والسلمية للطاقة النووية مع توقّي استخدامها المدمر. وتضطلع الوكالة بدور حيوي يساعد على صون السلم والأمن الدوليين عبر تعزيز ثقافة الاستخدام الصحيح للطاقة النووية بغية تحقيق هذين الهدفين. 

وتتأكد الوكالة من مراعاة أعلى معايير الأمان في تصميم المنشآت النووية وتشغيلها، وتراقب الأنشطة النووية السلمية بغية التخفيف من الأخطار التي تهدد الحياة والصحة والبيئة. وتعمل الوكالة على اتخاذ التدابير اللازمة لضمان الحماية المادية والسلامة والأمن للمواد النووية والمشعّة.

وعلى الرغم من أن عملها مرتبط بالتوافقات السياسية العالمية، إذ لا يمكنها الانطلاق في المراقبة من دون موافقة الدول التي ترغب في إنشاء المفاعلات النووية، إلا أنها ما زالت تسهم في تحقيق السلامة والأمن النوويين في الدول التي تطبّق شروط المعاهدات النووية وتوافق على مراقبة منشآتها. ولكن أحياناً كثيرة، تُمنع الوكالة من دخول المنشآت في بؤر الصراع، فتُكفّ يدها بانتظار الحلول السياسية.