Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"غود مورنينغ" يطرح سؤال الحياة اليومية الرتيبة

فيلم المخرج اللبناني بهيج حجيج يعرض في مهرجانات دولية ويحصد جوائز

من فيلم "غوود مورنينغ" (الخدمة الإعلامية للفيلم)

"غود مورنينغ" فيلم سينمائي لبناني لبهيج حجيج أنجز قبل نحو سنيتن، ومع ذلك لا يزال يلفّ على المهرجانات الدولية ويعرض في عواصم أجنبية، بعدما كان حطّ في الصالات اللبنانية في نهاية عام 2018 ولم يجمع سوى 2500 مشاهد. يروي حجيج أن الجمهور الغربي قارب الفيلم باهتمام شديد أينما حلّ، معبّراً عن فضوله تجاه مضمونه. أحدث محطة له كانت في مهرجان عربي أقيم في مدينة زيوريخ، علماً أنه فاز إلى الآن بخمس جوائز، آخرها جائزة فرنسية تحت عنوان "رامبو السينما" ذهبت إلى السيناريو في مطلع هذا الشهر، اختارته لجنة التحكيم من بين 45 فيلماً كانت مرشّحة. 

ولسيناريو الفيلم قصّة رواها الكاتب رشيد الضعيف الذي وضع السكريبت مع حجيج (في ثاني تعاون بينهما بعد "زنّار النار")، كاشفاً عن الينبوع الذي ارتوى منه. كتب يقول إنه كان يذهب يومياً إلى مقهى "ليناس" في شارع فردان البيروتي، فيختار طاولة في الطبقة العليا، بالقرب من متقاعدَين في الثمانينيات من عمرهما، يمضيان وقتهما في حلّ الكلمات المتقاطعة بهدف تنشيط الذاكرة. ما لفت الضعيف فيهما هو سلوكهما الهادئ وسلامهما وتعليقهما على ما يقرآن وعلى ما يريان في الشارع. وتابع الضعيف: "هكذا رحتُ أسجّل ما أرى، وما يتناهى إلى مسمعي، لمدّة سنتين تقريباً. ثم صغتُ هذه الملاحظات لمسرحية أرادت إخراجها الصديقة لينا أبيض، التي كنت أروي لها من وقت لآخر ما وصلتُ إليه أثناء كتابتها. جرت قراءة المسرحية المرة الأولى في بيت لينا، واشترك في هذه الجلسة لينا وزوجها جورج نصار والمخرج بهيج حجيج (…). قال لي بهيج بعد هذه الجلسة إن هذه المسرحية تصلح للسينما. رآها بعين السينمائي. ثم أجريتُ قراءة ثانية في مقهى سيتي كافيه، في منطقة الأسواق وسط بيروت، مع المخرجة لينا خوري وبهيج حجيج. ثم قراءة ثالثة في منزل بهيج، شارك فيها، أنا وبهيج ولينا أبيض والمخرج روجيه عساف. كان بهيج يزداد قناعة، بعد كلّ قراءة، بأن هذا السيناريو المسرحي صالح جداً للسينما، بخاصة أن عملية الإنتاج، كما ردّد لي، ليست مكلفة (…). ثم وافقتُ على اقتراح بهيج، الذي يملك خبرة كبيرة في الإخراج، ومعرفة عالية بالتقنية السينمائية، وشرعنا في العمل معاً على تحويل هذه المسرحية لتصبح مناسبة للسينما".

إذاً استُلهم الفيلم، وهو الروائي الطويل الثالث لحجيج، تفاصيل من الواقع اليومي. ليس هناك فرق كبير بين مشاهدات رشيد الضعيف اليومية والمتكررة في مقهى "ليناس" وما سنتابعه نحن في الفيلم، إذ إنها نُقلت بأمانة عالية وإخلاص للواقع المعيشي في لبنان. أما المتقاعدان، فأخذا ملامح غبريال يمّين وعادل شاهين، فأصبح أحدهما طبيباً والثاني جنرالاً، يلتقيان بانتظام في المقهى لحلّ كلمات متقاطعة. عادة يومية يلتقيان حولها ليس لشيء سوى لتنشيط الذاكرة. هي اللعبة التي تمنعهما من خطر الفقدان التدريجي لذاكرة باتت حافلة بالتواريخ والصدمات والمحطات التي تغلب عليها المأساة. حلّ هذه الكلمات هو فرصة لهما ليجوبا العالم ويسافرا على متن الذكريات والماضي، في انتظار موت آتٍ لا محالة. 

شارع ومقهى

للمقهى حيث صوّر حجيج الفيلم إطلالة على شارع تشكّل بالنسبة إلى الناظر نوعاً من "كادر داخل الكادر". وفكرة الإطلالة هذه على جانب من الحيّ البيروتي هي فرصة تُتاح للعجوزين للتعليق على المارة، بالتالي القفز إلى خارج المكان والزمان. الشارع بصفته مسرحاً للحياة اللبنانية اليومية، حيث تحدث أشياء بسيطة تحمل دلالات: بناية تُهدَم، ماسح أحذية يهرب من شرطي، فتاة رشيقة تعبر الشارع. 

يعجّ الفيلم بشخصيات ثانوية لا دور ناطق لها. تدخل المقهى فتغادره وهي أيضاً تشكّل مصدراً لكلام وتعليقات. في طليعة هذه الشخصيات الثانوية، شخصيتان بارزتان تضطلعان بدور مهم في تطوّر الأحداث: النادلة والصحافي (مايا داغر ورودريغ سليمان). تودد بلا بوح سينشأ بينهما ليكون "حبكة داخلية"، ذلك أن وجود عجوزين لا يكفي لصناعة فيلم كامل. وعليه، "غود مورنينغ" مشبّع بحوارات وآراء في كل شيء وأي شيء، ماضياً وراهناً، ما يفسّر الفضول الذي خلقه عند بعض الجمهور الغربي. القضايا تتعاقب: الإرهاب ومسألة اللجوء، التاريخ الذي لا يتوقّف عن معاودة الكرّة والالتفاف على نفسه. أشياء من هذا كله سنتابعها، لقطة بعد لقطة، على شاشة التلفزيون أو بين لفيف من أوراق الصحف. 

يحكي الفيلم عن الشيخوخة وأزمة العيش في زمن يشهد على تحوّلات كبرى، حدّ أن بعضهم يشعر بأنه بات غريباً، بل مجرّد ضيف على مرحلة تجاوزته في كل شيء. هذا هو باختصار فيلم حجيج الذي يشبه في صيغته النهائية الكلمات التي يحلّها الثنائي. إلا أن تقسيم الفيلم على فصول يزجّ بمخرجه في واحد من التحديات الصعبة: المحافظة على استمرارية المشاعر ووحدة الإيقاع السردي. وقد يكون هذا أضعف الجوانب في "غود مورنينغ". في مقال سابق لي، كتبتُ أن "ثمة فيلم يموت كل بضع دقائق ليولد آخر من رحمه، وبين لحظتي الموت والولادة، هناك عملية نمو غير مكتملة. في هذا التلاشي التدريجي ثم العودة إلى الحياة، يأخد الفيلم شكل المدينة التي تنهار مبانيها لتعود وتتعمّر من جديد".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في المقابل، يُحسَب لحجيج أنه لم يستغل صورة بيروت النمطية. ولم ينتهز الفرصة لبناء صورة إكزوتيكية لبيروت مبنيّة على شيء عالق في الذاكرة الجمعية. وربما لهذا السبب، وقع اختياره على مقهى لا يملك صبغة أيديولوجية أو طائفية، مع روّاد يشبه أحدهم الآخر إلى حدّ ما، ويمنحونك الانطباع بأن ما يحصل في الخارج لا يعنيهم ما دام لا يهدد حياتهم. ولكن العالم يتفاعل بغض النظر عن رأيهم في الأحداث وموقفهم منها، ولا يتوانى عن اقتحام المساحات الشخصية. ثم، فجأةً، مع تصاعد وتيرة العنف حول العالم، تصبح الحياة بكل تفاصيلها المفجعة والمؤلمة ضيفاً على المقهى وروّاده.

أنجز حجيج فيلماً لا يمكن اعتباره عملاً كبيراً، ولكن يمتاز بنزاهة فنية. فيلم يعرف حدوده، ويدرك هدفه ويذهب إليه مباشرةً من دون لفّ ودوران. عمل خالٍ من الادعاءات التي تغلب على جانب من السينما اللبنانية. 

المزيد من سينما