Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

التعليم عن بعد في لبنان تحت رحمة الكهرباء والإنترنت

ما نعيشه اليوم هو مخاض بين عصرين وهنا تظهر الحاجة إلى تطوير المؤسسات التربوية ومواكبة العصر الرقمي الجديد

تظهر الحاجة إلى تطوير المؤسسات التعليمية في لبنان ومواكبة العصر الرقمي الجديد (أ ف ب)

حالة من الرفض والتذمر تسود أوساط الأسرة التربوية في لبنان، فما بين جائحة فتاكة ونظام تعليمي غير مهيّأ، تتزايد ضريبة الصمود. ولم تعُد تقتصر الشكوى على شبكة الإنترنيت والانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي، بل تزايدت إلى الحديث عن أضرار نفسية وصحية تفتك بأطراف العملية التعلمية. وبات التعطيل عن التعليم عن بُعد بمناسبة عيد الاستقلال، مصدر فرح وراحة من "كابوس الأونلاين".

التعليم في الشارع

لم يتخيّل المواطن اللبناني يوماً أنه سيعود إلى التعلّم في الشارع أو تحت الشجرة. وفي الأيام الأخيرة، حفلت وسائل التواصل الاجتماعي بصورة لأستاذ يحمل حاسوبه ويجلس في الشارع، ليعلّم طلابه عن بُعد. تفاوتت ردود الفعل معه، بين مادح لتفاني أستاذ وناقد للصورة التي لا تليق بأساتذة التعليم الثانوي.

ويروي المعلم سليم سعد حقيقة ما حصل معه، فعند الساعة الثامنة صباحاً، كان لديه صف للتعليم عن بُعد. وكانت شبكة الإنترنت غاية في السوء وبطيئة، كما أن التيار الكهربائي ينقطع بصورة مستمرة، ما دفعه إلى التوجه لأحد المحال القريبة منه في مدينة صيدا، بعدما زوّده صاحب المحل بكلمة السر. ولأن الأخير تأخّر في فتح متجره، اضطر الأستاذ إلى أن يفترش الأرض، ويفتح حاسوبه ليبدأ بشرح الدرس. وهو يؤكد أن حالته ليست استثناء، خصوصاً بعد أن أضحى القطاع التعليمي الحلقة الأضعف، لا سيما في ظل الانهيار الاقتصادي وأن راتب الأستاذ الثانوي أصبح لا يتعدى الـ200 دولار أميركي وسط ارتفاع سعر الصرف، ولا يكفي لتأمين معيشته وأكله. وجاء التعليم عن بُعد ليزيد العبء عليه، فهو لا يمكنه شراء الأجهزة الإلكترونية والتجهيزات ذات الصلة، كما أنه يحتاج إلى شبكة إنترنت قوية وسريعة وهي عالية الكلفة. ويروي أنه اضطر إلى دفع معاشه الشهري من أجل إصلاح إحدى المعدات الإلكترونية.

يتحدث عن معاناة إضافية لدى الآباء، عندما يكون هناك صف أونلاين لأحد الأبناء، إذ لا يمكن تقاسم الأجهزة الرقمية. وهو يقول إن ما قام به كان عفوياً وإنه اندفع بشكل تلقائي لإعطاء طلابه الدرس في الوقت المحدد، ويعتبر أن منتقديه يبالغون عندما يتحدثون عن صورة مهينة للأستاذ الثانوي.

أرجعونا إلى صفوفنا

وقد أدّت معرقلات التعليم عن بُعد إلى توق الأساتذة للعودة إلى مؤسساتهم التربوية وصفوفهم الحضورية. فالاتصال المباشر بين الطالب والمعلّم يُغني العملية التعليمية. وتتحدث المعلمة رنا الخوري عن تأثير التعليم عن بُعد في الحالة النفسية والجسدية للأساتذة والتلاميذ. وتشير إلى أنها تعلّم مدة سبع ساعات بدوام كامل، بين مدرستين خاصة ورسمية، مستخدمةً تطبيقMicrosoft Teams ، وهي تُعاني كما الكثيرين من مشكلات انقطاع الكهرباء والإنترنت. وتشعر رنا الخوري بالتقصير حيال ابنها شربل، إذ كانت في السابق تخصص بعد الظهر للاهتمام به، أما الآن ومع تداخل دوامه التعليمي عن بُعد مع دوامها، فقد ازداد الأمر صعوبة. كما أنها تشكو من عدم قدرتها على مساعدة ابنها في تجاوز الإشكالات التقنية لتطبيقZoom .

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويعتقد الأساتذة أن "هذا التعليم يُلحق دماراً نفسياً بالمعلم كما التلميذ". وفي هذا الشأن، تعتبر المعلمة إيمان إبراهيم أن "هناك طاقة محددة للتحمل لدى الإنسان"، وهذا الأمر يجب أخذه في الاعتبار. كما أن الأستاذ لديه مسؤوليات أخرى ومختلفة، ومهمته لا تقتصر على التعليم والجلوس وراء الكمبيوتر أو التلفون. وتشير إلى أن الطالب الذي يستخدم الهاتف لا يمكنه تدوين المعلومات بشكل كافٍ خلال الحصة عن بُعد، فبعد سبع ساعات من التعلُّم عن بُعد، يجد نفسه مضطراً إلى مراجعة دروسه وكتابة ما فاته، إضافة إلى المعلومات المصورة التي تلقّاها.

صحة أبنائنا في خطر

وقد أثّر جلوس الطلاب الأطفال أمام شاشة الكمبيوتر بشكل كبير في أجسامهم، لذا تطالب بعض الأمهات بتعليق العام الدراسي ريثما تنقشع الصورة بشأن فيروس كورونا، فيما يتحدث آخرون عن طمع مدراء المدارس والإصرار على التعليم عن بُعد للأطفال بهدف الحصول على الأقساط وتحقيق الأكلاف التشغيلية لمؤسساتهم التربوية.

تشكو نسرين نابلسي من أسلوب التعليم المتّبع، وتتحدث عن آثار نفسية تلحق بالأطفال الصغار وفي الصفوف الأولى، لأنهم لا يتواصلون مع أقرانهم ويعيشون في عزلة مستمرة. وتتساءل عن نجاعة هذه الطريقة، لأن الوسائل التوضيحية شبه مفقودة فيها. وتروي أن ابنتها الصغيرة بدأت تتذمّر من الدوام الطويل وتحاول الهروب من أمام الشاشة الصغيرة لأنها لا ترى الأحرف كما يجب. لذا، قامت بعرضها على طبيب عيون، ليتبيّن أن هناك ضرراً بالشبكة البصرية. وتتخوّف نابلسي من استفحال الوضع الصحي، بخاصة المشكلات في العيون لدى الأطفال لأنهم في الأصل يستخدمون الهاتف لساعات طويلة للّعب أو على "إنستغرام"، وجاء التعليم عن بُعد ليلزمهم استعمال الهاتف لساعات طويلة وإضافية، والعيش بحالة قلق مستمر بفعل سوء الشبكة والخدمات.

الضرر المعنوي قائم

وتسبّب الحجر الصحي وانقطاع الاتصال المباشر بين أفراد الأسرة التربوية بمشكلات نفسية ملحوظة. وفي دراسة أعدتها منظمة "يونيسف" أخيراً، حول تأثير كورونا في الأطفال في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فإن عدداً كبيراً منهم لم يتمكّن من الاستفادة من التعلم عن بُعد بسبب نقص الموارد وغياب دعم الأفراد البالغين وصعوبة الاتصال المباشر بالمعلمين.

وأكد 95 في المئة من الأهالي أن الجائحة تضرّ بأطفالهم، كما عبّر 40 في المئة منهم عن مخاوفهم من خطر كورونا على تعلّم أطفالهم. فيما قال 53 في المئة إن أطفالهم مرّوا بمعاناة نفسية وعاطفية خلال فترة الإغلاقات.

من جهتها، تقرّ مصادر وزارة التربية في لبنان بأن التعليم عن بُعد ليس في أحسن أحواله، وأن هناك آثاراً نفسية وجسدية في المتعلمين بفعل تغيير نمط الحياة. ووضعت الوزارة خطة للتدخل لكبح هذه الآثار من خلال إنشاء جهاز الإرشاد والتوجيه، عبر إعداد وحدات مستقلة للتدخل في ما يتعلق بالتوعية التربوية وحماية الطفل، ووحدة الدمج لذوي الصعوبات التعلّمية، ووحدة الصحة والبيئة التي تعمل على الشق الصحي الجسدي. كلها تعمل على وضع برامج لمواجهة الوباء بالتنسيق مع المنظمات الدولية والأهلية، ومع وزارة الصحة، وصولاً إلى توزيعها على المدارس الرسمية.

المدارس تتحفّظ على النتائج النهائية

وتؤكد رنا نعيمي (مسؤولة في إحدى المدارس) أنه لا يمكن إنكار أن  التعليم عن بُعد أسهم في تطوير العملية التعلّمية والتعليمية، بحيث أنه أدى إلى تحسّن المهارات التكنولوجية لدى الأساتذة وتفعيل التعلّم الناشط لناحية استخدام التطبيقات الحديثة والأساليب التفاعلية. كما وطّد العلاقة بين الأساتذة، وبات هناك عمل تشاركي ودعم في ما بين الزملاء والأقران. إلا أنها تتحفّظ على تقييم المخرجات والنتائج التعلمية، لأن هناك صعوبة في تقييم مدى اكتساب الطالب للمعلومات. وحاولت إدارة المدرسة ابتكار طريقة للحفاظ على طاقتَي الطالب والأستاذ، ففي صفوف الروضات يتم إعطاء أربع حصص أسبوعية، كل حصة مدتها 40 دقيقة. أما بالنسبة إلى الصفوف الإبتدائية، فقد تم وضع حدٍّ أقصى لساعات التعليم اليومية على ألا تتجاوز الأربع حصص موزّعة على أربعة أيام فقط. كما طالبت الإدارة من الأساتذة بتصوير فيديوهات توضيحية لمدة ثلاث دقائق، تُرسل إلى الطلبة من أجل ترسيخ الأفكار وأهداف الدروس.

من جهته، يشير هشام خوري، أستاذ المعلوماتية والاتصالات في الجامعة اللبنانية، إلى أن التعلّم عن بعد هو ثقافة نفتقد لها، فأولادنا يعتمدون على التلقين ولا يبحثون عن المعلومة. ويؤكد أنه لا بد من توافر شروط لنجاح "التعليم من بُعد"، وأن يكون هناك منهج تربوي مناسب وثقافة التعلّم الذاتي والبنى التحتية واللوجستية، ليخلص في حديثه إلى "أن فشل التجربة ليس بسبب التعلّم والتعليم عن بُعد وإنما بسبب غياب الإمكانيات المطلوبة لنجاحه، وعدم جاهزيتنا"، ويعتبر أن "هناك مجهوداً ضخماً يبذله الأساتذة، ولكن من المرفوض بصورة قاطعة عودة التعليم إلى سابق عهده، لأن ذلك يُعتبر جريمة بحقّ مستقبل طلاب لبنان"، وهذه التجربة التي فرضت علينا تشكّل فرصة لتجديد نظامنا التربوي والتعليمي.

في المحصّلة وعلى الرغم من كل الصعوبات التي تواجه التعليم عن بُعد في لبنان، لا يمكن الإنكار بأنه سيصبح أمراً واقعاً في السنوات القليلة المقبلة، وما نعيشه اليوم هو مخاض عسير بين عصرين. وهنا، تظهر الحاجة إلى تطوير المؤسسات التعليمية وتأمين البنية التحتية الكافية لتجديد النظام التعليمي ومواكبة العصر الرقمي الجديد.

المزيد من تقارير