Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

استراتيجية جديدة لـ"غروبات الماميز" في مصر بمواجهة كورونا

الآراء والمواقف ووجهات النظر فيما يتعلق بالعام الدراسي الجديد تتضارب وتتشاحن بشكل غير مسبوق

لا يزال الجدل قائما في مصر بشأن الأنسب للعملية التعليمية في ظل كورونا  (أ ف ب)

عادت الأمهات في مصر للدق بعنف مجدداً عبر مجموعاتهن العنكبوتية، بعد هدنة لم تدم سوى أشهر الصيف العاصفة بالفيروس القاتل، والإغلاق المفاجئ، والعام الدراسي الماضي المنتهي بنهاية درامية لم تخلُ من إثارة، أو تبتعد عن الجدل.

العام الدراسي الجديد 2020-2021 بدأ بداية لا تنبئ بما وصل إليه حال الأمهات ووضع الطلاب والطالبات، وبالتالي أعصاب الآباء والأزواج والسلام العائلي في البيوت المصرية.

ما لا يقل عن 23 مليون أسرة مصرية تموج بيوتها هذه الآونة بكم مذهل من الجدال والسجال والخناق، حيث تتضارب الآراء والمواقف ووجهات النظر فيما يتعلق بالعام الدراسي الجديد وتتشاحن بشكل غير مسبوق.

حروب شعواء

وقد سبق وشنت "غروبات الماميز" (مجموعات الأمهات) على مواقع التواصل الاجتماعي، لا سيما "واتساب"، حرباً شعواء وعراكاً ضارياً في الفصل الدراسي الثاني من العام الماضي، بهدف تنفيذ ما يرينه الأصلح لأبنائهن وبناتهن، وما يعتبرنه الأنسب في العملية التعليمية.

"غروبات الماميز" يطلق عليها البعض تفكهاً "غروبات الخوابير الاستراتيجية" (الخابور المصاحب للمسمار أثناء الدق على الحائط)، وذلك نسبة لظاهرة المحللين الاستراتيجيين الذين يفقهون في كل كبيرة وصغيرة. ويسميها البعض أحد أخطر الأعراض الجانبية لمواقع التواصل الاجتماعي، وذلك لأنها نصبت ملايين الأمهات محللات في التعليم وجهابذة في المناهج، واستشاريات في إدارة العملية التعليمية، وعالمات بأمور الامتحانات ما ظهر منها وما خفي، لكنها تظل وسيلة ممتازة للتواصل، ومنصة ذكية لتبادل الأفكار ووسيلة متيسرة للمشاركة المجتمعية.

 

أزمة تعليمية بسبب "الماميز"

هذه المجموعات كادت تتسبب بأزمة طاحنة في العملية التعليمية في طول البلاد وعرضها في الفصل الدراسي الثاني من العام الماضي، والذي تزامن مع بدء انتشار وباء كورنا. فبالإضافة إلى تحولها إلى جبهتين، الأولى مطالبة بتوقيف الدراسة خوفاً من انتشار الوباء، والثانية مناهضة للفكرة؛ إذ وقعت الأمهات العاملات في شد وجذب بين عملهن وبقاء الصغار في البيت، تحولت إلى أرض خصبة لنشر الأخبار المغلوطة والكاذبة وغير الموثقة، سواء على الصعيدين التعليمي أو الوبائي.

عودة الهبد والرزع

مع أول مؤشرات عودة الوباء في موجته الثانية، وعلى الرغم من أن الأعداد الرسمية للإصابات المعلنة في مصر لا تزال منخفضة مقارنة بدول أوروبية وعربية، فإن "غروبات الماميز" عاودت الهبد والرزع من دون هوادة على الأصعدة كافة. فهذه مجموعات تطالب بتوقيف الدراسة حضورياً، وبشكل سريع، ونقل العملية التعليمية برمتها إلى البيت والإنترنت. وهذه مجموعات تؤكد استحالة التوقف، وتحذر من أن معاودة التوقف ستكون المسمار قبل الأخير في نعش مستقبل الأبناء التعليمي. وتلك مجموعات تحذر وتهدد بأن عدم توقف الدراسة سيؤدي إلى كارثة صحية لفلذات الأكباد، وأن ملايين الصغار لن يجدوا طبيباً يعالجهم، أو دواءً يشفيهم، لكثرة الإصابات. ومجموعات على الجبهة الأخرى تهدد بأن توقف الدراسة يعني خراب بيوت متعجلاً للأسر، باعتبار أن الأمهات العاملات اللاتي سيضطررن لترك عملهن لرعاية الأبناء في البيت.

بيوت عدة تحولت نقاشاتها إلى نار ولهب متقدين. الأم ناشطة على "واتساب" تتزعم حركة توقف الدراسة خوفاً على الأبناء. والأبناء سعداء بتوجه الأم الذي يعني إنهاء عذاب الاستيقاظ المبكر وركوب الباص والجلوس في الفصل والعودة منهكين آخر اليوم. أما الأب فمراقب ومتابع صامت، لكنها متابعة يشوبها القلق، لا سيما أن مسألة الإغلاق باتت تتردد هنا وهناك في ضوء التأكد من علامات الموجة الثانية للفيروس.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الجميع لم يكتسب الخبرة

يخطئ من يعتقد أن "غروبات الماميز"، و"الماميز"، و"أبناء الماميز"، و"أزواج الماميز" قد تعلموا من موجة الفيروس الأولى، وأن الجميع اكتسب خبرة إما في التعايش مع الأوضاع، وإما الانصياع لقرارات الإغلاق أو الفتح أو نصف الإغلاق، والتي لا تتأثر بصياح على "واتساب" أو بكاء على "فيسبوك" أو تهديد على "تويتر".

شهد "تويتر" صعوداً لتغريدة "إلغاء الدراسة" ونجاحها في البقاء ضمن الترند لأيام عدة، لكن الغالبية العظمى من التغريدات الحاملة لهاشتاغ "إلغاء السنة الدراسية" لم تكن إلا إعادة تغريد لإعلانات تحمل كماً كبيراً من الهاشتاغات، أو نكات لطلاب غاية مُناهم توقيف الدراسة، وكل أملهم إلغاء الامتحانات والتحصيل اليومي.

لم يحن وقت الإغلاق

"طوفان" حراك الأمهات على مواقع التواصل الاجتماعي دفع وزير التربية والتعليم، والتعليم الفني في مصر، طارق شوقي، إلى عقد عشرات اللقاءات التلفزيونية، التي أكد فيها بصفة شبه يومية أن الوضع الحالي لا يستدعي إغلاقاً، وأن قرارات الإلغاء لا يتم اتخاذها بناءً على مشاعر أو أحاسيس أو رغبات فردية. الوزير قال إن "أي قرار يتضمن تعطيل الدراسة على مستوى الجمهورية هو قرار سيادي للدولة، وليس لوزارة التربية والتعليم". حاول الوزير أن يطمئن الأمهات، مؤكداً أن الوضع الوبائي ليس صعباً، وأنه يتم تطبيق الإجراءات الاحترازية بكل دقة في المدارس كافة. ونفى أن تكون قرارات إغلاق بعض الفصول ناجمة عن انتشار الفيروس بشكل مخيف، وأن مثل هذه القرارات تكون "احترازية"، والهدف منها عدم المجازفة، وهو ما كان ينبغي أن يبث الطمأنينة لدى أولياء الأمور من أن الدولة تتابع وتنفذ كل الإجراءات لحماية الأبناء، وليس العكس.

الأبناء في وادٍ بعيد

بعض الأبناء في وادٍ آخر تماماً، حيث يسيطر عليهم "حلم" إغلاق المدرسة. معركة غير معتادة شهدها مبنى سكني في حي مصر الجديدة، حيث الابن الطالب في المرحلة الإعدادية يصر على عدم ركوب باص المدرسة؛ لأن السائق يسعل، ومشرفة الباص تعطس، وأنف زميله دائم السيلان، ملمحاً إلى خطر الفيروس الذي يتربص به في كل خطوة، والأم تقسم بأغلظ الإيمان أن البقاء في البيت لا يعني الذهاب إلى النادي أو التسكع في الشارع أو حتى التوجه إلى المتجر لشراء المشروبات الغازية، فالوباء الذي يعيش في الباص هو نفسه يعيش أيضاً في النادي والشارع والمتجر، لكن هناك من الأمهات من يحاربن ويخضن صولات وجولات عنكبوتية، هدفها الحشد والتجييش وخلق رأي عام مطالب بتوقف الدراسة وتحويلها "أون لاين" لمن استطاع أو عبر منصات تعليمية مثل القنوات التلفزيونية والإذاعية. جهود الأمهات المنتميات لهذا التيار الثوري على مجموعات "واتساب"، والذي يعمل على ممارسة ضغوط شعبية للتأثير على القرار السيادي في شأن تعطيل الدراسة، لم يقابلها سوى رد الوزير شوقي بقوله، إن "الوزارة منحت أولياء الأمور حرية الاختيار بين أن يكون الطالب (نظامياً) أو أن يختار التحويل إلى (نظام المنازل)، وفي النظام الأخير يتحمل مسؤولية تعليم نفسه مع حتمية حضور الامتحانات المؤهلة للصف الدراسي التالي".

 

حرب متوقعة التفاصيل

الحرب المستعرة الدائرة رحاها هذه الآونة باتت متوقعة التفاصيل. هجمات متواترة من الأمهات المطالبات بإغلاق المدارس، تصحبها هجمات مضادة لأولئك المطالبات بعدم إغلاقها وحتمية التعايش مع الفيروس المرشح للاستمرار لأجل غير مسمى، وبينهما تمريرات ضعيفة للأمهات المقترحات تقليل عدد أيام الحضور في المدرسة، أو المقترحات ربط إغلاق المدارس بتنظيم عمل الأمهات بحيث يتم عمل جداول تتيح لهن التوجه للعمل على أن تضمن رعاية الأبناء مع أم غير عاملة تقيم في المنطقة نفسها.

ولم يفت "غروبات الماميز" بالطبع الغوص في علم المناهج وقواعد الامتحانات وأصول التصحيح، حيث المطالبات بحذف الدرس الأول والرابع والسابع، والتأكيدات أن الامتحانات يجب أن تعود إلى عهد ما قبل "الكتاب المفتوح" open book exam، ومؤلفات ومبتكرات تحوي أدلة وقرائن على الأسلوب الذي يجب أن يتبع في التصحيح والقواعد التي ينبغي أن تحترم في التقدير.

الطريف أن فريقاً حاذقاً من الأمهات نذر وقت الفراغ لتتبع التغيرات الأيديولوجية التي طرأت على أمهات في "الغروب"، فالأم التي كانت عاملة عارضت إغلاق المدارس، مؤكدة أن كورونا ليس خطراً، ثم أصبحت ربة منزل فصبت جام الغضب على المدرسة مؤكدة أن الفيروس يقتل دون هوادة.

خفوت "الماميز"

فورة "غروبات الماميز" التي يعتبرها مراقبون "صداعاً في رأس الدولة"، ويصنفها باحثون باعتبارها انتقالاً للسيطرة من البيوت إلى الوسائط الرقمية، تواجه خطر الاندثار، إذ توجد علامات على أن الفورة تخفت، وأن الانتفاضة تخمد. أعداد متزايدة من "الماميز" بدأت تنسحب بهدوء من على أثير "واتساب" مكتفية إما بالمتابعة الصامتة أو وضع "الغروب" برمته على خاصية "كتم الإشعارات" لمدة أسبوع أو شهر أو سنة، وذلك حسب مقدار التوتر العصبي الناجم عن المتابعة.

متابعة مجموعات الأمهات على مواقع التواصل الاجتماعي صارت ظاهرة تؤرق نوم المتابعين، وتلفت نظر الباحثين. المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية أصدر تقريراً تحت عنوان "كيف انتقلت سيطرة الأمهات من المنازل إلى الوسائط الرقمية؟".

ووجدت الباحثة هالة فودة أن هذه المجموعات أسهمت في نشر الشائعات بشكل كبير، لا سيما "فيما يتعلق بتقييم نجاح النظام التعليمي الجديد من دون الاستناد إلى معايير علمية أو بحثية، وكذلك فيما يتعلق بالأمراض الوبائية والتعامل معها، وهو ما يؤدي إلى تضاعف حجم القلق في المجتمع". ووجدت الباحثة أن الكثير من هذه المجموعات يعمل على نشر الغضب والقلق في صفوف الأمهات بغية الضغط على وزارة التربية والتعليم والتحكم في قرارتها في شأن الدراسة والمناهج والامتحانات والتقييم.

وتمضي أيام العام الدراسي قدماً، ومعها يمضي الوباء ملوحاً بموجته الثانية، ومعهما تسير وزارة التربية والتعليم موزعة جهودها بين تطوير المناهج والتوسع في منصات التعلم الإلكتروني، ومراقبة الإجراءات الوقائية والاحترازية في المدارس، والاستعداد بخطط بديلة في حال تطلب الوضع إغلاقاً كلياً أو جزئياً، لكن تلتصق بها "غروبات الماميز"، حيث لا تمر كبيرة أو صغيرة من دون تحليل وتعليل وشجب وتنديد، ولا يتخذ قرار إلا وكانت له "الماميز" بالمرصاد.