Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الأحجار الكريمة والمسابح: قصة عشق وهوس في لبنان

يعتبرونها سلعة نفيسة تمنحهم الثقة والقوة والحياة وأسعارها تصل إلى 10 آلاف دولار

إذا كانت للعشق ألوان مختلفة، فإن "جمع السُبحة وأخواتها" أحدث أبوابه، فهو هوس لا يرتوي مع مرور الزمن، ولا بامتلاء الخزائن والصناديق. ففي لبنان، نادراً ما نجد كبيراً في السن أو رجلاً أنيقاً لا يحمل مسبحة من العاج الأبيض أو العنبر الأصفر. فهذه الهواية ضاربة الجذور في عمق التراث الوجداني، والحياة النفسية والشعور بالثقة والقوة لدى الرجل الشرقي.

ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، فتجارة المسابح والأحجار الكريمة بحرٌ عميق لا لُجة له، لا يمكن لممتهن عابر خوضه، لأنها تُكتسب بالممارسة والخبرة، وتتطور بقدر معرفة الحرفي بالتاريخ والتراث.

كشة أبو هاشم التاريخ الحي

تروي "كشة أبو هاشم" كنعان الأسمر واحدة من القصص التي تتكرر على ألسنة عشاق المسابح وقطع الأنتيكا القديمة. وتختصر سيرة الشيخ الكبير البالغ 72 سنة مكانة المسبحة في حياة الأفراد، لتتماهى هذه الأكسسوارات بقيم الرجولة وحب لبنان.

يقول كنعان الأسمر هذه المهنة لا يمكن أن يحترفها إلا عاشق لها، ويوضح أنه انتقل من مرحلة الهاوي جمع الأنتيكا القديمة إلى البيع، بعد أن تجاوز سن التقاعد. ويحدد أنه لا يعمل من أجل تحقيق الربح، كاشفاً أنه يشتري بكل دخله اليومي أغراضاً وحلويات لأحفاده البالغ عددهم 51، فهو أبٌ لعشرة من الأبناء والبنات.

ولا تتوقف هذه الحرفة على بيع القطع المدخرة، ويدخل تبادل القطع النفيسة في صلبها، لأن "لكل مسبحة أو قطعة نقدية روحاً وشخصية". إلا أنه لا يعرض القطع الثمينة، لأن "جيب الناس أصبحت مغسولة (خالية)".

"كشة أبو هاشم" ليست مجرد بسطة عابرة أمام المسجد المنصوري الكبير في طرابلس، إنما باتت زاوية ثابتة في المدينة القديمة ومحطة للتذكير بتاريخ لبنان العظيم. لذلك يدعو أبو هاشم الزوار لمشاهدة الأوراق النقدية اللبنانية القديمة التي تحوي صور المواقع الأثرية البهية في البلاد، من قلعة صور على ورقة 250 ليرة الخضراء، وهيكل بعلبك الروماني على ورقة الليرة الواحدة، والمتحف الوطني على ورقة خمس ليرات، وغيرها التي تتحدث عن "قصة مجد لبنان". ويشدد أبو هاشم على الشاري بأن يحتفظ بهذه الورقة في بيته، لأنها "جزء من التراث والتاريخ".

المسبحة ليست برجوازية

يحفر حب المسبحة عميقاً في شخصية مقتنيها، فهي ليست مجرد قطعة صماء بلا روح. وقد تعتبر فاتحة لحياة جديدة ومسيرة مهنية تمتد عشرات السنين. هذا ما تؤكده تجربة الحاج كريم كبارة، الذي يقول إنه بدأ بمسبحة واحدة، ومن ثم خمس، قبل أن يصبح واحداً من كبار التُجار "ذائعي الصيت".

يجزم كريم كبارة، في حديثه إلينا، أنها "ليست مهنة الهواة"، فقبل بيع مسبحة واحدة عليك العمل عشر سنوات، لاكتساب الخبرة وثقة الزبون، كما أنها ليست برجوازية، لأن المسبحة لكل الناس و"أهل الذوق"، حيث توجد مسابح بكل الميزانيات، وهي ليست هدية عابرة، لأن لها قيمة كبيرة لدى هواتها الذين يتفاخرون باقتناء أكبر قدر من المسابح النفيسة التي يضعونها في خزائن مرصعة وأنيقة. ويشير كبارة إلى أن بعض المسابح قد يصل ثمنها إلى 10 آلاف دولار، التي يشتريها المرتاح مادياً ليختزنها، ويحمي أمواله من الضياع.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتتنوّع مصادر المسابح وموادها الأولية، تأتي مصر وتركيا في مقدمة الدول التي تصقل الحجارة وتحوّلها إلى قطعة جاهزة للاستخدام. أما المواد الخام النادرة فمصدرها إما تشيكي، أو ألماني، أو بولوني. ويأتي العنبري الهندي نسبة إلى الماهراجا الهندي الذي كان يتزين به، و"الكهرمان البولوني" الحديث العهد في رأس قائمة المواد المتميزة والغالية، وهو عبارة عن صمغ شجر يُستخرج من بحر البلطيق، بعد أن يتحوّل إلى المتحجرات، وتزداد قيمته بقدر حجم الحجر وخلوه من الشوائب، ويأتي من بعده "الكوربا الألماني" وهو مادة صمغية أنتجتها شركة مرسيدس إبان الحرب العالمية الأولى، وأصبحت نادرة لأنها لم تُعاود صناعتها.

إلى جانب الصمغيات توجد الحجريات، وأغلى الحجريات هو المرجان السرديني نسبة إلى سردينيا في إيطاليا، ومن ثمّ التونسي، إلى جانب اليسر، والعقيق، والجاد، وغيرها من الأبواب. ويشير إلى أن العولمة ودخول الصين على خط التصنيع أدى إلى خفض الأسعار، لأنه في السابق كان يُصقل يدوياً. 

ويتحدث كبارة عن العاج الذي ما زال متداولاً في لبنان، مع أن كثيراً من الدول منعته لغاية حماية الحيوان، مشيراً إلى أن السوق السوداء في نيجيريا وغيرها ما زال يؤمّن المواد الخام لبعض المصانع الخارجية. ويتطرق إلى مسألة الآثار المستخرجة من باطن الأرض، التي يتجنّب التجار التعامل فيها بسبب محاذير قانونية، ويكتفون بتلك القطع التراثية التي تتوارثها الأجيال كابر عن كابر.

ويصف المسبحة بالسلعة النفسية، لأنها تمنح الرجل الثقة والقوة والحياة. ويوضح أن التداول بالمسابح يجري بالتواتر و"من يد إلى يد" بين الأجيال، من هنا تؤدي النُدرة إلى رفع قيمة القطع، لأن "كل قطعة نفيسة، ولا تتكرر لأن الخامات نادرة، بسبب الحماية أو عدم إعادة تصنيعها، وبالمقابل فإن الطلب دائم ومستمر"، لذلك يستأثر كبارة بمجموعته الخاصة التي لا تُعرض في الواجهات.

الحجر طاقة مؤثرة

تنبع قوة الفرد وشخصيته من قوة الحجر وتناسبه مع حامله، هذه الفرضية تشكل واحدة من القناعات التي يكررها هواة الأحجار الكريمة والمسابح. يتحدث عبد الخالق حسون، عن قناعة تزداد رسوخاً عنده منذ خمسين سنة، بأن روح الحجارة تنعكس على نفسية الإنسان. ويضعها في إطار غيبي، ولا يمكن إفشاؤها للعامة، لأن "الأحجار أسرار"، "فالحجر يهوى الشخص، لا العكس"، وعلى سبيل المثال "حجر العقيق" مؤثر إذا كان يهوى الشخص، ولا ينفر منه، لذلك لا يمكن ارتداؤه من قبل شخص ضعيف الشخصية، لأن "العقيق الجذع الأسود قوي، على رغم فوائده الشتى"، وقد يقوده إلى كوابيس وأحلام ليلية.  

ويلفت حسون إلى مكانة المسبحة في المناسبات الاجتماعية، حيث تتحول والخاتم إلى مصدر فخر لدى الرجل الذي يهواه هذا الحجر، مشيراً إلى وجود نماذج مقلّدة للكوربا الألماني، حيث برزت محاولات روسية، وتركية، وسورية لتقليدها، إلا أنها جاءت دون المستوى الأصلي، وبقيت قيمتها مرتفعة عند مستوى 2000 دولار.

ويتطرق إلى دور الحب والبيئة في ترسيخ الحرفية وإماطة اللثام عن الموهبة الشخصية، لأنه بحسب القول المتواتر "يجب أن تعمل ما تُحب، حتى تُحب ما تعمل". ويفتح ذلك الباب أمام الإبداع في هذا الفن، ويعود حسون إلى خزائن الذاكرة بعمر 12 سنة، عندما تعلّم على يد حرفيين أرمن، ليصبح "سيدجي" (عامل بالذهب) في معمل غازي دبوسي.

ويشير إلى أنه أدرك قيمة هذه الحرفة منذ أن كان مبتدئاً، حيث كان المعلم يضع عازلاً بصرياً من كرتون بينه وبين الأجراء لعدم سرقة سر المهنة. ويروي أن صاحب المصنع كان يطلب منهم في ساعة الغداء البقاء في المعمل، وأن يطلع "المْهَيّر" على القطعة التي أنتجها "الحرفي المعلم" من أجل تطوير مهاراتهم، وتفصيل مماثل لها والعمل في مجال الخواتم والترصيع.

الحجر أنثى

تتجذر محبة الحجارة في شخصية الحرفي وصولاً إلى عائلته. ويتحدث عصام دلال أبو كريم عن "تعلّق شديد، ويتزايد مع مرور الزمن وشراء الأحجار"، وتصل به إلى العيش في ضيق على بيع حجر جميل ونادر. ويعيش عصام حالة هيام وتأمل، فهو عندما يشتري حجر opal خام، يقضي ساعات طويلة في تقليبه وفحصه، لأنه يمتلك مزيجاً لونياً مبهراً، ويتغيّر لونه مع الوقت.

يقول دلال إن الحجارة الكبيرة والخالية من الشوائب ليست في متناول الجميع، لأنها مرتفعة الثمن، وتبقى حكراً على المتاجر البرجوازية. على رغم ذلك، يستمر عصام في البحث عن الأحجار الكريمة، ويصفها بـ"الأنثى الجميلة" التي يجب الاعتناء بها ومراعاة خصوصيتها وقوامها. لذلك دفعه حبه للحجارة إلى هاجس المعرفة المعمّقة والبحث الدائم عن خصائص الحجارة، ومنبعها، وكيفية الحفاظ عليها. كما يسعى إلى تجميل بعضها، ويجمعها في مسابح، ويضيف إليها "شرابات فضية أو ذهبية" لمنحها رونقاً إضافياً.

ويدعو عصام الناس إلى شراء المسابح والمقتنيات القديمة، لأن قيمتها في زيادة مستمرة، وكلما طال عمرها ازدادت قيمتها، داعياً إلى التفكّر بتاريخ البشرية الذي تختزنه هذه المتحجرات كما هي حال المرجان الذي يستخرج من أعماق البحر، وانعكست عليه أشعة شمس قوية، وانتقل من البياض إلى بلوغ مرحلة "دم العفريت". ويتمنى عودة السياح إلى لبنان، لأنهم يُقدرون قيمة الأشياء القديمة والتراثية، ويُعطون دفعاً للحرف اليدوية.

المزيد من منوعات