العراق يستعين باليابان لإزالة 20 مليون لغم تزرع الموت في بلاد الرافدين

أجهزة جديدة مُعدّة لمعالجة المخلّفات الحربية يفترض تسلّمها في العام 2019

خطر الألغام في العراق (وزارة البيئة دائرة شؤون الألغام) 

لا يمكن استبعاد المدن الحدودية مع إيران في الجنوب وفي إقليم كردستان والمدن التي احتلتها داعش في العام 2014 حينما يجري الحديث عن الألغام في العراق. فالأولى ما زالت تعاني ويلات حرب امتدت ثماني سنوات والثانية تخفي بيوتها المنهارة مئات الآلاف من الألغام من الحجم الكبير.

اليوم، بعد مرور أكثر من 30 عاماً على انتهاء الحرب العراقية الإيرانية، لا تزال مدن البصرة والعمارة والكوت وديالى والسليمانية وغيرها تدفع ثمن تلك الحرب. ففي البصرة حيث دارت معارك طاحنة قبل نهاية عقد الثمانينيات توجد أكبر حقول الألغام في الجنوب، وعلى الرغم من إبرام حكومة البصرة عقداً مع اليابان لتصنيع أجهزة جديدة لإزالة الألغام قبل ثلاثة أشهر، فإن العمل الفعلي لم يبدأ بعد.

المهندس عيسى الفياض المدير العام لدائرة شؤون الألغام في وزارة البيئة أكد أن المسوحات التي أجرتها دائرته والمركز الإقليمي لشؤون الألغام أشارت الى وجود مليار و200  متر مربع في محافظة البصرة ملأى بالألغام. أضاف "إزالة هذه الألغام بالطرائق التقليدية أمر مكلف وصعب وقد نحتاج الى خمسين عاماً لإنجازه، لذا تعاقدنا مع اليابان على تصنيع أجهزة خاصة، وقام الفريق الياباني بفحص تربة البصرة وأجوائها ليتم تصنيعها وفقاً لمناخ المدينة".

أجهزة يابانية لإزالة الألغام

الأجهزة الجديدة مُعدة خصيصاً للأجواء الحارة والرطبة وتتحمل درجة حرارة بين 60 و70، وهي مخصصة لمعالجة المخلّفات الحربية والألغام  ومن المفترض تسلمها في العام الحالي. معظم المتأثرين بالألغام الموروثة من الحرب مع إيران هم من سكان القرى والرعاة الذين يجوبون الصحراء والمراعي، وعلى الرغم من قيام وزارة البيئة بالتوعية فإن حملات الوزارة كانت بمجملها في المدن والمدارس، لذا لم تثمر في السنوات الماضية. وفي بعض المدن مثل الكوت والعمارة جنوب العراق إستثمر السكان المحليون القنابل غير المنفجرة والألغام التي كشفت عنها سيول الأمطار، اقتصادياً، وباعوها الى المسلحين والميليشيات بين عامي 2006 و2007 حينما كان الطلب على السلاح في العراق مرتفعاً.

إصابات سنوية في الطيب

على سبيل المثال، فإن منطقة الطيب (30) كلم شرق مدينة العمارة البالغ عدد سكانها حوالي 2000، إضافة إلى مزارعين ورعاة، يأتون موسمياً من بعض أقضية ميسان وقراها وينتشرون على 36 ألف كيلومتر مربع، سجلت بينهم إصابات سنوية أكبر من غيرها في سائر المناطق. وعلى الحدود الإيرانية مع محافظة واسط تسببت الألغام والمتفجرات بخسارة مناطق بمساحة إجمالية قدرها 30 ألف فدان في منطقة زرباطية، وهجر المزارعون الأرض بسبب الألغام المختلفة المزروعة فيها، بحسب تصريحات الحكومة المحلية هناك.

وتنشر جمعية الهلال الأحمر العراقية مجاميع تطوعية تتولى عمليات التثقيف والتوعية بمخاطر الألغام، خصوصاً في موسم الربيع الذي ينشط فيه الفلاحون والرعاة. وخضعت الألغام التي زرعت في الوديان والأراضي المفتوحة لتأثير العوامل البيئية، إذ جرفت السيول بعضها كما اختفت العلامات والخرائط التي تؤشر الى وجودها، لذا حذرت وزارة البيئة في وقت سابق الناس القاطنين في تلك المناطق من التقرب من الألغام التي ظهر بعضها، بسبب شدة الأمطار هذا العام وانجراف التربة في تلك المناطق.

انتشار الألغام عند الشريط الحدودي

وعلى الرغم من عدم وجود مخططات تفصيلية توضح إنتشار الألغام في الشريط الحدودي مع إيران، تؤكد الإحصاءات التقريبية وجود ثلاثة ملايين لغم غير منفجر، حاولت الجهات الحكومية المعنية والمنظمات العاملة في هذا المجال الحد من خطرها بوضع اللافتات التحذيرية وعزلها عن المزارع وأماكن الرعي وإحاطتها بالأسلاك الشائكة، لكن الجهات المعنية لم تصل  الى كل المناطق.

وأكدت إحصاءات أخرى كشفت عنها الحكومة العراقية عام 2008 وجود 20 مليون لغم داخل الأراضي العراقية وفي المناطق الحدودية، لكن كل هذه التقديرات لا يمكن إثباتها من دون مسح شامل وهو أمر ليس باليسير.  أما في إقليم كردستان فالإحصاءات تشير الى وجود مليون لغم قرب المناطق الحدودية وفي المناطق الجبلية او تلك المساحات التي كان نظام صدام حسين يطلق عليها تسمية "المناطق المحرّمة"، وهي مناطق زرع فيها النظام الألغام لمنع الإيرانيين من التقدم أثناء المعارك أو لمنع الأكراد من الاقتراب منها.

مشكلة الألغام في العراق لم تتوقف عند الحرب العراقية الإيرانية، بل تفاقمت مع دخول القوات الأميركية إلى العراق، إذ ظهرت قنابل غير منفجرة كانت رمتها القوات الأميركية أثناء تقدمها البري باتجاه بغداد، لكنها لم تنفجر وأخذت تحصد أرواح المزارعين بين الحين والآخر. مخلفات داعش في الأنبار. الفصل الأخير في مسلسل الألغام العراقي اختتم في مناطق الأنبار التي تحررت من داعش، إذ زرع التنظيم المتشدد آلاف الألغام وفخخ المنازل التي هجرها السكان واستولى عليها التنظيم، كما فخخ بعض الأحياء السكنية والمناطق الزراعية ليعوق تقدم القوات العراقية في تلك المدن. وعلى الرغم من مرور أكثر من عامين على التحرر من سطوة داعش، لا يزال ثلث منازل الأنبار مهدماً ويخشى السكان دخول البيوت وترميمها قبل الكشف عن القنابل والألغام المدفونة تحت الركام، حتى أن شباباً كثراً في المدينة امتهنوا عملية الكشف عن الألغام بعدما تعلموا بعض الدروس عبر الانترنت ومات عدد منهم أثناء العمل لقلّة خبراتهم في هذا المجال.

المزيد من العالم العربي