هل تنوي إيران التقارب من الدول العربية؟

لا بدّ أن تعي إيران أنه لا بد من اتخاذ تدابير بناء الثقة لإثبات حسن النوايا بما يتوافق ومبادئ حسن الجوار

وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف. (رويترز)

خلال القمة العربية الثلاثين للجامعة العربية المنعقدة بتونس، عبّر الرئيس العراقي برهم صالح عن كون العراق يتجه ليكون نقطة لقاء لا نزاع بين دول المنطقة، ومنذ نحو شهر تقريباً كان قد تحدّث عن ضرورة بدء حوار أمني بين كل من مصر والسعودية والعراق وتركيا وإيران. كانت تلك الدعوة فرصة، أكد من خلالها وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف على استعداد بلاده لبدء حوار أمني مع الدول المذكورة، قائلاً "نحن مع كل الدعوات والمقترحات للتعاون الإقليمي وندعم ذلك، والتعاون الإقليمي يجب أن يكون شاملاً ولا يكون ضد طرف، ويجب أن يكون الحوار مع الجميع، وأقصد دول مجلس التعاون الخليجي وسائر دول المنطقة القريبة مثل العراق ومصر وسوريا والأردن".

وعلى هامش بيان القمة العربية، والذي أكد على أن علاقات التعاون بين الدول العربية وإيران قائمة على حسن الجوار وعدم التدخل، والتأكيد على السيادة المطلقة للإمارات على الجزر الثلاث. قابلت إيران البيان في جزء منه بالإشادة بالدعم العربي لحق سوريا في الجولان، لكنها في ذات الوقت جدّدت رفضها تصريحات بعض المسؤولين العرب خلال القمة حول تدخل إيران في شؤون الدول العربية، مؤكدة سيادتها على الجزر الثلاث التي تطالب بها الإمارات.

كل ما سبق يؤكد خطوات من جانب إيران في انتهاج مسار تقاربي مع دول المنطقة، لا سيما دول الخليج العربية. وهو ما أكدته دعوة جواد ظريف، ثم بيان الخارجية الإيرانية بالإشادة ببيان القمة العربية. فبيان القمة والذي ركز بوضوح على التدخل التركي والإيراني في الشؤون العربية، لكن من جهتها حاولت إيران  إيجاد أرضية مشتركة للعلاقات مع العرب، وهي قضية الجولان، لكن في ذات الوقت ما زالت تصرّ على التمسك بالقضايا الخلافية في العلاقات بينها وبين دول مجلس التعاون الخليجي، ومنها قضية الجزر الثلاث. قد تكون النوايا الإيرانية بفعل الضغوط والرغبة في الخروج من العزلة الإقليمية والضغوط الدولية، للاندماج في المجتمع الدولي اقتصاديا وسياسيا، ولأن إيران تعي أن ممارسة النفوذ والتأثير في المنطقة تستدعي اعتراف جيرانها الإقليميين بها. ولممارسة دور ونفوذ، تحاول أن تقنع دول المنطقة بوجود مصالح مشتركة فيما بينهم.

وفي حين حاولت إيران من قبل في عهد الرؤساء رفسنجاني وخاتمي وأحمدي نجاد التقارب مع الخليج العربي، في حين كانت المقترحات الإيرانية المقدمة للتقارب تقوم على أساس التعاون الاقتصادي والتجاري، وهو ما رفضته معظم الدول الخليجية على اعتبار أن الأولوية لاتخاذ تدابير بناء الثقة بين الطرفين، بخاصة في ظل استمرار اختلاف الرؤى  بينهم في كثير من القضايا، مثل الوجود الأميركي في الخليج، وعدم اعتراف إيران بمصالح الغرب بالخليج ومصالح الدول الخليجية ذاتها.

من ثم تتمثل العقبات أمام أي مشروع للتقارب أو بدء تعاون أمني بين إيران ودول الخليج العربي في عدة نقاط، منها أن عدم وجود إيران ضمن أية ترتيبات أمنية في الخليج أدى إلى تكثيف أنشطتها التي تعتبرها الولايات المتحدة ودول الخليج من مهددات الأمن الخليجي، فترتكز أنشطتها في الخليج على إظهار القوة الإيرانية على التهديدات اللامتماثلة في الخليج، وتشمل أسلحة وقدرات من  السفن المضادة للصواريخ ومخزون الصواريخ الباليستية، وما تقوم به من تجارب صاروخية ومناورات عسكرية يقوم بها الحرس الثوري الإيراني لاستعراض القوة في الخليج ومضيق هرمز، فضلاً عن التهديد كل فترة بإغلاق مضيق هرمز في وجه الملاحة العالمية، ومنع تصدير النفط، واستمرار احتلال إيران لجزر أبو موسى وطنب الكبرى والصغرى، واستمرار البرامج الإيرانية الجارية لتطوير ترسانة عسكرية تقليدية والحصول على أسلحة الدمار الشامل، بما في ذلك استمرار طموحها في امتلاك أسلحة نووية، ومحاولة إيران التحرك في منطقة الخليج باعتبارها القوة المهيمنة الوحيدة.

لا بدّ أن تعي إيران أنه من أجل تأسيس تعاون إقليمي اقتصادي وإنشاء ترتيبات أمنية إقليمية فعالة، لا بد من اتخاذ تدابير بناء الثقة لإثبات حسن النوايا بما يتوافق ومبادئ حسن الجوار، على أن تكون تلك الخطوة بداية من جانبها، للقضاء على مخاوف دول الخليج العربي، تمهيداً للحوار، الذي من خلاله يتم تحديد المصالح والتهديدات المشتركة، على أن يتم في مرحلة مستقبلية وضع آلية لتسوية النزاعات. وهذا يستلزم توقف إيران عن دعم بعض القوى المؤيدة لها والموجودة داخل دول المنطقة، وأن تدرك صعوبة قيام دورها بتمثيل نموذج للإسلام منافس للنموذج الذي تمثله السعودية باعتبارها ممثلة للعالم السني. فالسياق الإقليمي غير مواتٍ لقيام إيران بدور ممثل العالم الإسلامي، وذلك لأن إيران لم تنجح في تقديم نموذج ثقافي وهوية جامعة، بل قدمت نموذجا قائما على الهوية الأيديولوجية، ونسبة الشيعة من سكان الشرق الأوسط أقل من السنة، بما يحول دون قدرة إيران على الحصول على تأييد العالم الإسلامي أجمع كممثل له. من جانب آخر على الدول العربية تشجيع أية خطوات إيجابية قد تبدأها إيران تجاه التعاون الإقليمي البنّاء مع دول المنطقة.

المزيد من آراء