Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف أدار السودان اتفاق السلام مع إسرائيل؟

اعتبرته الخرطوم "صفقة" في ظل إصرار واشنطن لكن الجوائز الثمينة لتل أبيب

رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك ونظيره الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ ف ب)

تبدو الحالة السودانية في قطار اتفاقات السلام العربية مع إسرائيل مفارقة لحد كبير عن الأطراف الأخرى، بل ولافتة أيضاً سواء في الوقت أو الإجراءات، ومن هنا جاء وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي  بنيامين نتنياهو الاتفاق بأنه "تحول استثنائي".

ربما يكون من الملاحظ بوضوح أن إدارة السودان استغرقت وقتاً طويلاً نسبياً لأخذ الخطوة، على الرغم من الضغوط الداخلية والخارجية على الحكومة السودانية ورئيس وزرائها عبد الله حمدوك تحديداً، إذ أعلن المكون العسكري في المجلس السيادي موافقته على الاتفاق، الأمر الذي كان ينذر بمضيه منفرداً في ذلك، مع ما قد ينتج منه من تغير في موازين القوى الداخلية لمصلحة المكوّن العسكري، الأمر الذي يتحسب له بطبيعة الحال نظيره المدني، وحاضنته السياسية "قوى الحرية والتغيير"، التي ترى ذلك مهدداً لعملية تحول ديمقراطي تسعى إليها على الرغم من الصعوبات.

أما على الصعيد الخارجي، فكانت الممارسات الأميركية أقوى أنواع الضغوط على الخرطوم، إذ مورست مباشرةً عبر زيارة وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو الخرطوم خصيصاً لهذا الغرض قبل أسابيع، فأحبطه حمدوك بالقول بعدم صلاحية الحكومة الانتقالية لتوقيع اتفاق سلام مع إسرائيل، على الرغم من اللقاء الذي جمع رئيس المجلس السيادي السوداني عبدالفتاح البرهان ونتنياهو في أوغندا.

تاريخ من "المراوغات" الأميركية

ويمكن القول إن السودان أدار اتفاق السلام مع إسرائيل كصفقة، حاول فيها توظيف رغبة واشنطن الملحة في أن تُعلَن قبل الانتخابات الأميركية لدعم موقف الرئيس ترمب الانتخابي، وذلك تحت مظلة من عدم الثقة السودانية بالطرف الأميركي، بسبب ممارسة واشنطن عملية "خيانة عهود" متواصلة على مدى عقدين تقريباً في مسألة رفع اسم البلاد من قائمة الدول الراعية للإرهاب.

وكلفت مواقف أميركا السودان أثماناً سياسية واقتصادية باهظة، منها تعاون استخباراتي سوداني مع واشنطن بعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001، سلمت فيه السودان كل الملفات المتعلقة بالحركات الإسلامية العربية التي كانت في علاقة عضوية مع الخرطوم، وذلك من خلال المؤتمر الشعبي للحركات الإسلامية الذي كان يُعقد في السودان، وهو ما أذلّ نظام الرئيس السابق عمر البشير في وقت كانت مرجعيته السياسية منتمية إلى تلك الحركات التي وثقت به. كما قُسِّم السودان إلى دولتين بموافقة من البشير، أيضاً بوعد أميركي برفع اسم البلاد من القائمة السوداء بمجرد الموافقة على إجراء استفتاء لحق تقرير المصير لجنوب السودان عام 2011.

وعلى الرغم من تخلص البلاد من نظام الحكم المسؤول عن ممارسة الإرهاب بثورة شعبية قارب عمرها السنتين، إلا أن واشنطن لم تستجب للطلبات السودانية، إذ تلقت الحكومة الانتقالية وعوداً لم تُفعَّل رغم زيارة حمدوك إلى واشنطن لهذا الغرض، تحديداً في أعقاب توليه منصبه في سبتمبر (أيلول) 2019. وتلقى حمدوك بدوره كثيراً من الوعود، كان آخرها في مطلع الربيع الماضي، حين زار وفد من وزارة الخزانة الأميركية برئاسة مساعد الوزير مارشال بيلنغسلي الخرطوم. وقال حينها المسؤول الأميركي إن عودة السودان إلى الأسرة الدولية "مسألة وقت"، مشيراً إلى وجود لجان أميركية تعمل على هذا الملف.

ملامح اتفاق السلام

ولأن "الوقت الأميركي" لم يصل بالنسبة إلى الخرطوم لمدة سبعة أشهر تالية، عمد السودانيون إلى أمرين على المستويين الموضوعي والشكلي، إذ بُلورت مجموعة إجراءات وإعلانات سياسية متزامنة من الأطراف المعنية، تضمنت الوصول إلى الهدف برفع اسم السودان، وتجنب "المراوغات" الأميركية المعروفة تاريخياً.
وجرى الاتفاق على هذه المجموعة في اجتماعين منفصلين عُقدا في أبوظبي والخرطوم على مدى شهر تقريباً، وشملت ضمان إعلان تعهد أميركي على لسان رئيس الولايات المتحدة برفع اسم السودان من قائمة الدول الداعمة الإرهاب، وهو ما جاء بتغريدة الرئيس دونالد ترمب الشهيرة، وكذلك ضمان تحويل التعهد الرئاسي الأميركي إلى الكونغرس، لاتخاذ الإجراءات المطلوبة قبل إعلان السودان الموافقة على الدخول في عملية إجرائية لعقد اتفاق سلام مع إسرائيل، فضلاً عن إعلان صندوق النقد الدولي إمكان خفض الديون السودانية البالغة 60 مليار دولار، وهو ما جرى بالفعل في خطوة لاحقة.

أما على الجانب السوداني، فكان مطلوباً تسديد تعويضات مالية للأميركيين الذين تضرروا من عمليات إرهابية في شرق أفريقيا منتصف التسعينيات، تقول واشنطن إنها حدثت بدعم من نظام البشير. وعلى المستوى الشكلي طلب السودان عدم الربط بين اتفاق السلام مع إسرائيل، ورفع اسمه من قائمة الإرهاب، وذلك رغم العلاقة العضوية بين العمليتين.

كما طلب رئيس الوزراء السوداني وصف عملية السلام بأنها "وقف للعدائيات"، لا "سلام"، وربما هذا ما يبرر أن الإعلان السوداني قال إن الموافقة على الاتفاق، ليست "تطبيعاً"، وهي محاولة تبدو مرتبطة بالمعادلة الداخلية السياسية السودانية أكثر من أي سياقات أخرى.

الجوائز لإسرائيل

وتوجد انعكاسات إيجابية مباشرة على الاقتصاد السوداني، لرفع اسمه من لائحة الإرهاب، تتمثل أولاً في القدرة على الاقتراض من الخارج لإنقاذ الاقتصاد، ومحاولة رفع مستويات المعيشة للمواطنين، التي وصلت إلى مرحلة حرجة مهدِدة للنظام السياسي، فضلاً عن الاندماج بالنظام المصرفي الدولي، مع القدرة على جذب الاستثمارات الأجنبية.

وعلى المستوى السياسي، يبدو أن السودان سيقود أدواراً إقليمية بدعم أميركي، خصوصاً في ملف سد النهضة، وربما لا يكون ذلك آخر الأدوار الإقليمية للبلاد في حال نجاح الخرطوم في هذه المهمة الموكلة إليها من الرئيس الأميركي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وإذا كانت العوائد الإيجابية على السودان من عملية السلام غير منكرة، فإن فوائدها لإسرائيل ترتقي إلى حد الجوائز الثمينة، فعلى الصعيد السياسي، نجد أن الخرطوم هي عاصمة "اللاءات" الثلاث الشهيرة، "لا صلح، لا تفاوض، لا استسلام"، ودخولها في عملية السلام يؤشر فعلياً إلى انتهاء منظومة جيوسياسية، والانخراط إجرائياً في نظام شرق أوسطي يدمج إسرائيل في المنطقة، حيث يأتي النجاح الإسرائيلي نتيجة استراتيجيات وضِعت منذ عام 1955 بواسطة رئيس الوزراء السابق ديفيد بن غوريون، لم يُتخلَ عنها أو تُجمَد طوال العقود الماضية، على عكس مصر التي جمدت توجهاتها الأفريقية طوال عهدَي الرئيسين أنور السادات وحسني مبارك.

الاستراتيجيات الإسرائيلية هُندست للضغط على المحيط العربي المعادي لها بشد أطرافه من تخومه عبر إثارة الأزمات من قبل دول غير عربية لصيقة به، وطُورت هذه الاستراتيجية في عام 1995 إلى قضم الأطراف بدلاً من شدها، وهو ما جرى باستقلال جنوب السودان، وهو استقلال قد لا يكون الأخير في مسلسل تجزئة البلاد.

ولهذا فمن المتوقع أن يكون التسارع الإسرائيلي تجاه الخرطوم كبيراً، وسيكون الترحيب السوداني أيضاً كبيراً، فمن ناحية تتطلع إسرائيل لتحقيق جزء من أمنها الغذائي في الأراضي السودانية عبر استزراعها، وهو ما أعلنه نتنياهو بالفعل، ومن ناحية أخرى يحتاج السودان إلى تحديث منظومته الزراعية، بما يضمن إنتاجاً محصولياً كبيراً يساند اقتصاده المتهاوي.

كما أن النشاط التعديني سيكون محل اهتمام إسرائيلي، وقد تجري محاولة "اختراق" النخب السياسية والإعلامية والبحثية السودانية بعد سنوات من الانقطاع عن العالم، وضعف المنظومة الاقتصادية السودانية إلى أقصى الدرجات.

وربما تكون الأسئلة المشروعة هنا متعلقة بمدى ممارسة إسرائيل ضغوطاً على مصر منطلقة من السودان، خصوصاً في مجالات الطاقة الكهرومائية، وهي ممارسة معروفة لإسرائيل في كل دول حوض النيل.

صحيح أن القاهرة بدأت ربط الخرطوم كهربائياً بها، لكن ذلك ما زال ضعيفاً، وتحتاج إلى أتنشيط لاحتواء الحاجات السودانية في مجالات الطاقة، ولا يكون السودان نقطةً جديدة في محاولة إضعاف القدرات الشاملة للدولة المصرية، وهي المحاولات التي لا تكف عنها تل أبيب على الرغم من وجود اتفاق سلام بين البلدين تجاوز عمره الـ 40 سنة. وتلقي هذه المتغيرات  بضغوط كبيرة على القاهرة، وتستوجب إدارة لها آليات مختلفة، من الضروري أن تتحالف فيها الفاعليات الرسمية وغير الرسمية في الدولة المصرية.

المزيد من تحلیل