Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

جرائم الشرف... قتل على مقصلة الشك تحت مظلة القانون

تفشت الظاهرة في بعض البلدان العربية والقبول المجتمعي وقدم التشريعات ينذران بتفاقمها

رغم كثرة التشريعات والحملات فإن جرائم الشرف من أبرز المظاهر السلبية عربياً (رويترز)

بينما تغيب الأرقام والإحصاءات الرسمية لجرائم الشرف في المجتمع العربي، فإن صدى الظاهرة أصبح مسموعاً لدى الجميع حكومات وشعوباً، بعدما انتشرت أخبار القتل التي تكشف في النهاية عن وجه قبيح لجرائم تُرتكب تحت "دعوى الشرف"، فخيط الجريمة الذي يبدأ بـ"الشك" وينتهي إلى قتل نفس بريئة في الغالب، يظل ممدوداً دونما معاقبة قانونية حاسمة لمرتكبيها، في وقت تمتلئ المحاكم بقضايا تنتظر البت منذ أعوام، وفي الغالب يستخدم القانون ذريعة للهرب من العقاب، بالتفنّن في استغلال ثغراته.

وفي وقت يأتي رأي الدين حاكماً للأمر ولا لبس فيه من حيث الإقرار أو الشهود، فإن الغالبية العظمى من الرجال يتسرّب إليها الشك الذي لا بيّنة عليه في زمن التكنولوجيا والتواصل الاجتماعي، ليرتكب جريمته ضد المرأة، التي تتحمل مسؤوليتها بمفردها، بهدف غسل عار العائلة، لكنه غسل بدماء بريئة، بعدما تقادمت القوانين وتغلغلت العادات والتقاليد.

"اندبندنت عربية" طافت مجموعة من البلدان العربية، التي تنتشر فيها جرائم الشرف، لتتعرف عن قرب عن كيف يستقبل المجتمع تلك الحوادث، وما العراقيل القانونية التي تواجه كبح الظاهرة، وما نداءات المجتمع العربي التي لم تلبَّ إلى الآن في بعض الدول؟

قبول مجتمعي

البداية من مصر، فعناوين الأخبار التي تبدأ بـ"شك في سلوكها" نهر لا ينضب، وعلى الرغم من التفاصيل التي يشيب لها الولدان في كل حادثة معنونة بـ"جرائم الشرف" حيناً أو "غسل العار" أحياناً، فإن غالبيتها تمرّ مرور الكرام. فهي لا تؤجج الرأي العام، أو تستدعي انتباه الأقلام والعقول إلا في ما ندر.

وندرة التناول النقدي لما يسمّى بـ"جرائم الشرف" التي ترتكز على أن ذكراً من ذكور العائلة شكّ في سلوك أنثى من إناثها فخنقها أو ذبحها، أو أطلق عليها الرصاص أو دفنها حية أو حبسها حتى ماتت، تقول الكثير عن قبول مجتمعي، أو ربما تفهّم اجتماعي لـ"اضطرار" رجل إلى قتل أنثى دفاعاً عن شرف شكّ أنه مهدر، أو عار يعتقد أنه ارتكب.

لكن ارتكاب رجل جريمة بشعة قبل عام حرّك بعضاً من المياه الراكدة والمعتقدات الجامدة بأن الشرف الذي لا تحمله سوى المرأة في المجتمع المصري ربما يحتاج إلى إعادة نظر. فقد أقبل زوج على قتل زوجته والأبناء الأربعة بعدما انتابه "إحساس" أنهم ربما "ليسوا أبناءه". فداحة الجريمة صدمت ملايين المصريين، لكن في الوقت ذاته، "تفهّم" كثيرون أن يشكّ رجل في سلوك زوجته، وهو ما يفقده صوابه.

ويبدو أن صواب فئات المجتمع وقطاعاته كلها يتطلب بحثاً وتدقيقاً وتفنيداً. فقبل أشهر، حكمت محكمة مصرية على أم قتلت ابنتها غير المتزوجة بعدما أجهضتها، بالسجن سنة مع وقف النفاذ ثلاث سنوات! واستندت المحكمة في قرارها إلى المادة 55 من قانون العقوبات، التي تجيز لها عند الحكم في جناية أو جنحة أن تأمر في الحكم ذاته بإيقاف تنفيذ العقوبة، إذا رأت من أخلاق المحكوم عليه أو ماضيه أو سنه أو الظروف التي ارتكب فيها الجريمة ما يبعث على الاعتقاد بأنه لن يعود إلى مخالفة القانون.

قانون رحب

وينص القانون المصري كذلك في مادته 237 من قانون العقوبات على أن من فاجأ زوجته حال تلبّسها بالزنا وقتلها في الحال ومن يزني بها فإنه يعاقب بالحبس بدلاً من العقوبات المقررة في المادتين 234 و236، إذ يستفيد الزوج من التخفيف في عقوبة قتل الزوجة!

ويمتدّ صدر القانون الرحب ليشمل كذلك التفريق بين الرجل والمرأة في شروط تحقق واقعة الزنا، فالمرأة المتزوجة تعاقب على فعل الزنا بغض النظر عن مكان وقوعه، سواء كان في منزل الزوجية أو خارجه، عكس الرجل الذي إن زنا خارج منزل الزوجية، فلا يعدّ ذلك جريمة، وإن كان خارج منزل الزوجية مع امرأة غير متزوجة، فلا يعدّ الفعل زنا من الأصل، ويضاف إلى ذلك أن عقوبة الزنا للرجل في حال ثبوتها تكون ستة أشهر، بينما تسجن المرأة لمدة لا تزيد على سنتين.

 

 

الأدهى من كل ما سبق هو أن قانون العقوبات يخفّف من عقوبة الزوج الذي يفاجئ زوجته بتلبّسها بالزنا فيقتلها ومن معها، فلا يخضع للعقوبة التي تسري في جرائم القتل العمد أو الضرب الذي يفضي إلى موت، إنما يعاقب بالحبس 24 ساعة، وذلك تفهماً للغضب الشديد الذي يسيطر عليه!

وعبارات مثل "غسل العار" و"الانتقام للشرف" و"رفع الرأس" بعد قتل الأنثى "سيّئة السمعة" أو المشكوك في سمعتها وغيرها ليست غريبة على المجتمع، كما أنها كثيراً ما تستخدم في الأعمال الدرامية باعتبارها أمراً عادياً لا مجال لمراجعته أو انتقاده.

ياسر عبد الفتاح لم يراجع قناعاته الثقافية على الرغم من هجرته إلى الولايات المتحدة الأميركية قبل عقود، وزواجه من أميركية، فحين كبرت ابنتاه المراهقتان، وبدأتا مواعدة أصدقاء من الذكور، لم يفكّر مرتين قبل أن يصطحبهما في سيارة الأجرة التي يعمل عليها وأفرغ رصاصات مسدسه فيهما، وذلك قبل 12 عاماً. وظل عبد الفتاح مطارداً من قبل الشرطة الأميركية طيلة هذه السنوات إلى أن ألقت عليه القبض في أغسطس (آب) الماضي، وأجمع أفراد أسرة الأم الأميركية على أن الأب قتل ابنتيه في "جريمة شرف".

تهديد شرف العائلة

وبحسب دراسة أجراها "مركز المرأة والذاكرة" عنوانها "جرائم الشرف"، فإن "شرف العائلة هدف اجتماعي عام للرجال والنساء، لكنه ليس الهدف الوحيد. ويستطيع الرجل أن يبني شرف العائلة في إطار سعيه لتحقيق أهداف أخرى، مثل التعليم والعمل والكسب والمشاركة في النشاط العام وتكوين أسرة باختياره وغيرها. أمّا المرأة، فإن تحقيقها شرف العائلة قد يتعارض مع تحقيقها بقية الأهداف، أو على الأقل يجعل مهمتها صعبة".

وأضافت الدراسة، "المجتمع تقبّل شيئاً فشيئاً شراكة المرأة في تحقيق أهداف ثقافية أخرى، مثل التعليم والعمل وغيرهما، غير أنه حمّلها دون الرجل محاذير وضوابط كثيرة جعلتها تقع ضحية تهديد شرف العائلة أو حتى الشك في تهديد هذا الشرف. وعلى الرغم من أن ذلك التهديد يكون دائماً مرتبطاً بوجود رجل يشارك فيه، فإن المرأة وحدها تتحمل المسؤولية".

البحث عن المغتصب

وفي الجانب الأكبر من جرائم الاغتصاب، لا يبحث الأهل عن الجاني بغرض تقديمه إلى العدالة لينال العقوبة الملائمة، بل ربما لإقناعه بالزواج من الابنة المغتصبة. وفي حالات أخرى، تقتل الابنة حتى يدفن "عار" الاغتصاب معها.

وعلى الرغم من غياب أي أرقام أو إحصاءات رسمية عن أعداد جرائم الشرف في المجتمع المصري، فإن جهوداً متفرقة تبذل بين الحين والآخر في محاولة لإدراك حجم الظاهرة والمفاهيم المرتبطة بها. وفي تقرير صدر قبل أيام عن "مركز دفتر أحوال"، المعني بفهرسة القضايا لا سيما ذات الطابع الاجتماعي، جاء أن النسبة الأكبر مما يسمّى بـ"جرائم الشرف" ترتكب من قبل الأقارب، على رأسهم الزوج، يليه الأقارب، ثم علاقات المصاهرة. والغالبية المطلقة لمرتكبي هذه الجرائم هم من الذكور، مع ضلوع النساء للمساعدة في "غسل العار". كما ثبت أن دوافع ارتكاب هذه الجريمة لا يخرج عادة عن الشك في الخيانة ونسب الأطفال والسلوك الجنسي وترك بيت الأهل.

الشرع يجرّم

رأي المؤسسات الدينية الرسمية غالباً يفيد بأن "القتل في جرائم الشرف جريمة في الشرع والقانون، ويتعيّن على المتضرر من هذا الفعل الشنيع اللجوء إلى القضاء لا القتل". مفتي الديار المصرية شوقي علام أكد في فتوى سابقة، أن الشرع وضع تعريفاً دقيقاً ومنضبطاً لجرائم الشرف، واحتاط احتياطاً شديداً في إثباتها، ووضع شروطاً دقيقة لترتيب العقوبة عليها، ولم يثبتها إلا بأحد أمرين: إما الاعتراف وهو الإقرار من الفاعل بأنه ارتكب الجريمة، وإما البيّنة، وهي أن يشهد أربعة أشخاص بأنهم رأوا حدوث الفعل، مضيفاً أنه لا يعوّل على إثبات جريمة الزنا من دون الأمرين السابقين أو أحدهما، مع تأكيده أن اللجوء إلى القانون لا غنى عنه، لا القتل.

 

 

في الأردن

أما في الأردن وعلى الرغم من كل التشريعات التي أقرّت والحملات التي نظمت، فإن جرائم الشرف لا تزال واحدة من أبرز المظاهر السلبية التي يسعى الأردنيون إلى التخلص منها، بكل ما يتخللها من اعتداءات مروّعة راحت ضحيتها نساء وفتيات كانت آخرهن أحلام، الفتاة الثلاثينية التي قتلها والدها بدم بارد، ثم احتسى الشاي فوق جثتها.

تبدأ الحكاية في كل مرة بشكوك وظنون حول سلوك فتيات في مقتبل العمر، يحلمن بالحب والزواج والمستقبل، وهي أسباب كافية بالنسبة إلى كثيرين للإقدام على قتلهن، ولاحقاً يتبيّن للسلطات أن غالبية الفتيات اللواتي قتلن "دفاعاً عن الشرف" كنّ ضحايا. وتقدّر منظمة "هيومن رايتس ووتش" المعدل السنوي لجرائم الشرف في الأردن بين 12 و14 جريمة، بينما تقول تقديرات غير رسمية إن عددها في العام الماضي وصل إلى 20 جريمة.

جريمة ذكورية

وتصنف وزارة التنمية الاجتماعية الأردنية الجرائم المرتكبة ضد النساء باسم الشرف، من أنواع العنف ضد المرأة مهما كانت مبرراتها ودوافعها، ويعرّفها الكاتب والباحث سامر خير بأنها جريمة قتل يرتكبها أحد الذكور في أسرة ما أو أحد الأقارب الذكور في الأسرة بحق أنثى أو مجموعة إناث، لأسباب ظنية تتعلق بشكوك حول ارتكاب الأنثى "فعلاً مخلاً بالأخلاق" في نظر الجاني بهدف الحفاظ على شرف العائلة.

ويرى خير أن مسألة "الشرف" على أساس سلوك المرأة لا يمكن تعميمها على جميع فئات المجتمع الأردني، بل هي على الأغلب منتشرة في البيئات الأكثر محافظة، التي لا تتسامح مع أي نوع من العلاقات العاطفية التي يمكن أن تقيمها امرأة مع رجل، حتى لو كانت علاقة بريئة بغرض الزواج.

ويسجّل كثير من جرائم قتل النساء الأسرية تحت خانة "الشرف"، لكن السبب الحقيقي وراء عدد كبير منها يكون خلافات اجتماعية كإرغام الفتاة على الزواج، أو زواجها من شخص من دين أو قومية مغايرة، أو طلب الطلاق، أو حتى الخلاف على الميراث.

قوانين عاجزة

وتطالب مؤسسات حقوقية عدة بتعديل التشريعات لتعريف الجرائم المرتبطة بذريعة "الشرف" تعريفاً واضحاً لا لبس فيه، بدلاً من حالة التمويه التي ترافقها إجراءات تمييز ضد المرأة التي ترتكب الجريمة بحقها. وترى هذه المؤسسات أن الواقع الحالي لجرائم الشرف في الأردن يساعد على "تسهيل ارتكابها"، بل وتبريرها في بعض الأحيان، كما أنه يسهم أيضاً في تحريض الفتيات على الانتحار أو إيذاء أنفسهن.

ويعاني ضحايا جرائم الشرف في الأردن أيضاً "إسقاط الحق الشخصي" من قبل العائلات غالباً، إذ يجيز قانون العقوبات الأردني ذلك لأهل الضحية، مما يسهم في تخفيض الحكم المخفّف بالأساس إلى النصف.

وتشكّل ظاهرة القبول الاجتماعي عائقاً أساسياً لجهود محاربة جرائم الشرف في البلاد التي تعدّ الثالثة في سلّم ترتيب الدول التي تقبل مجتمعاتها ارتكاب هذه الجريمة على الرغم من بشاعتها، إذ أظهر استطلاع للرأي في عشر دول عربية أجرته شبكة "البارومتر العربي" البحثية المستقلة عام 2019 أن 21 في المئة من الأردنيين يبرّرون ويقبلون ارتكاب جرائم الشرف، أما الظاهرة الأخرى الأكثر لفتاً بحسب متخصصين هي سكوت المرأة كأم أو كأخت على جرائم الشرف بل وتبريرها أحياناً والتحريض عليها.

ووفق دراسة حكومية، فإنه من بين 78 في المئة من قضايا القتل المرتكبة تحت ذريعة "الشرف"، أسقط الحق الشخصي عن القاتل. ولحمايتهن من جرائم الشرف، تكتفي السلطات الأردنية بتوقيف عشرات النساء والفتيات المهددات بالقتل في السجون ومراكز حماية الأسر أشهراً وأحياناً سنوات.

ويمنح القانون الأردني السلطة للحاكم الإداري وفق قانون منع الجرائم، لتوقيف النساء المهددات بالقتل لحمايتهن بعد تغيّبهن عن منازلهن، فيما تخشى كثيرات من هؤلاء النساء مغادرة السجن، خوفاً من أن يقتلن على الرغم من توقيع ذويهن على تعهّد بعدم التعرض لهن.

خوف من الفضيحة في الجزائر

وفي الجزائر، عادة ما تخفى جرائم الشرف وتعطى صيغة أخرى، خوفاً من الفضيحة أو ما يعرف شعبياً بـ"العيب"، الذي يعني العار. وهو ما يجعل الأرقام التفصيلية غائبة، إذ يعدّ "الشرف" رأس مال الأسر والعائلات الجزائرية، وبشكل أكبر في المناطق الداخلية والصحراوية المعروفة بكونها أكثر محافظة.

وخلال السنوات الماضية، عايشت الجزائر حوادث مفجعة عدة، منها تلك التي طاولت فتاة ووالدتها في ولاية ميلة، شرق البلاد، على يد رب العائلة، الذي لم يتردد في قتل ابنته بطعنات خنجر في القلب وذبح زوجته، لينتحر بعدها.

 

 

ويعود السبب الرئيس لاقترافه هذه الجريمة، إلى أنباء مجهولة، مفادها بأن ابنته تقيم علاقات مشبوهة مع أحد الشباب، ما جعل الأب يراقب تصرفاتها مرات عدة، قبل أن يضبطها متلبّسة، ما زاد غضبه وجعله يقدم على فعلته، متهماً (قبل الفاجعة) زوجته بالتغطية على ابنتهما، ومن ثم قرر التخلص منهما، على الرغم من السمعة الجيدة التي عرف بها هذا الشخص.

ولا تزال ذاكرة الجزائريين تسجّل حادثة قتل رجل لزوجته باستعمال منشار كهربائي لتقطيع جثتها، ووضعها في أكياس بلاستيكية وجدت مرمية في أماكن مختلفة، والأغرب أن الرجل ارتكب الجريمة تحت مسمّى "الشرف".

هذه الحوادث أعلن عنها، إلا أن كثيراً منها يبقى طي الكتمان ولا يكيّف كجرائم شرف إنما تعطيه العائلات طابعاً آخر لتجنّب نظرة المجتمع الذي لا يزال يتحكم بشكل مباشر في تصرفات الأفراد ويقيّدهم بعادات وتقاليد.

الشك والعالم الافتراضي

يقول المحامي الجزائري مصطفى بوغابة إنه عالج في مساره المهني قضايا مرتبطة بجرائم الشرف، حتى إن حاول كثيرون من الجناة والأسر إنكارها، أو الإدلاء بنصف الحقيقة حول تفاصيلها.

ويرى بوغابة أن مواقع التواصل الاجتماعي رفعت من عدد هذا النوع من الجرائم، فأزواج كثر باتوا يشكون في زوجاتهم، ويظنون أنهن يقمن بخداعهم وخيانتهم مع أشخاص آخرين تعرّفن عليهم في منصات التواصل الافتراضي، مشيراً إلى واقعة شجار حاد كادت تنتهي بمأساة، بعدما غضب زوج عندما علم أن زوجته لديها حساب على "فيسبوك".

وتفيد المعطيات بأن جرائم الخيانة الزوجية غالباً ما تكون السبب الرئيس في الحوادث التي تنتهي حتى بمقتل العشيق على يد الزوج انتقاماً. ولعل اللافت أن صورة المجرم، لم تعد تقتصر أو ترتبط بشخص مضطرب عقلياً أو منحرف، إنما أيضاً مسّت أشخاصاً عرفوا في أوساط عائلاتهم ومحيطهم بالرزانة، غير أنهم ارتكبوا جرائم في حق زوجاتهم وبناتهم، وفي أحيان كثيرة لأسباب يمكن اعتبارها "تافهة".

في السياق، تقول إحدى الناشطات النسويات إنها كانت شاهدة على حالات عدة لجرائم شرف لم يصرّح بها، وتشير إلى أن كثيرات وقعن ضحية التصفية من طرف عائلاتهن، إذ لا تزال تنظر إلى المرأة نظرة دونية وأنها عورة، ولا يمنح لها حق الدفاع عن نفسها، ما يجعل إحصاء الظاهرة أمراً صعباً للغاية، بل مستحيلاً.

الفكر والعمل الإجراميان وجدا البيئة الخصبة للتطور فصارا أكثر تعقيداً. وتقول المتخصصة في علم النفس زناف منيرة إن "تزايد معدلات العنف في المجتمع أصبح مخيفاً ويعكس الشعور بالإحباط الشديد والضغوط النفسية الحادة، وهي عوامل تؤدي بدورها إلى ظهور نوع من العدوانية، التي يمكن أن نلمسها في شكل جرائم، منها تلك المرتبطة بالشرف".

من هذا المنطلق، تعتقد منيرة أن استمرار العائلات في تجاهل الجانب النفسي للأفراد سيسهم في بروز ظواهر اجتماعية جديدة، وقد يضاعف تلك التي يشكو منها المجتمع حالياً، في ظل انتشار الفساد وسقوط المعيار الأخلاقي، والأهم من ذلك تأثير الإنترنت الكبير جداً.

ماذا عن الردع؟

في المقابل، يقول الحقوقيون إن القانون الجزائري لا يزال يتراخى مع الأشخاص مرتكبي جرائم الشرف، التي تحدث عنها المشرع في القسم الخامس من قانون العقوبات، وذلك من المادة 296 إلى 303 مكرر 2، تحت تسمية الاعتداءات على شرف واعتبار الأشخاص وعلى حياتهم الخاصة وإفشاء الأسرار.

وفي القضايا المخلّة بالشرف، وفق ما ورد في القانون، نجد جريمة القذف التي نصت عليها المادة 296 من قانون العقوبات، معرّفاً إياها بأنها كل إسناد عمدي وعلني في واقعة محددة تستوجب عقاب واحتقار من أسندت إليه.

وهنا يمكن القول، إنه لا يوجد قانون خاص بالجرائم المتعلقة بالشرف، إلا أن المشرع الجزائري كيّف جرائم القذف متى ارتكبت ضد الأشخاص، على أنها جنح وهو ما يظهر في المادة 297 منه التي تنص "يعدّ سبّاً كل تعبير مشين أو عبارة تتضمن تحقيراً أو قدحاً لا ينطوي على إسناد أية واقعة".

أما بالنسبة إلى العقوبات المقررة لها، فنجد أن القانون نص عليها في المادة 298، وحدد لها عقوبات حبس تتراوح بين شهرين وستة أشهر وبغرامة مالية من 25 إلى 50 ألف دينار (نحو 194 إلى نحو 388 دولاراً أميركياً) أو بإحدى هاتين العقوبتين. ويضع صفح الضحية حدّاً للمتابعة الجزائية.

 

 

ويعاقب على القذف الموجّه إلى شخص أو أكثر بسبب انتمائهم إلى مجموعة عرقية أو مذهبية أو إلى دين معين بالحبس من شهر إلى سنة وبغرامة من 10 آلاف إلى 100 ألف دينار (نحو 77 إلى نحو 777 دولاراً أميركياً) أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط، إذا كان الغرض هو التحريض على الكراهية بين المواطنين أو السكان.

بناءً على هذه المواد القانونية، تبقى السلطة التقديرية للقاضي في تكييف قضايا الشرف وتشديد العقوبة أو تخفيفها، وفقاً للظروف التي ارتكبت فيها، وطبيعة الشخص الذي ارتكبها، في ما إذا كان من معتادي الإجرام، أو لديه سوابق قضائية.

في لبنان جريمة يعاقب عليها القانون

وفي لبنان، ألغى البرلمان المادة 562 من قانون العقوبات التي تناولت "جرائم الشرف"، وهي إحدى أهم المواد التي جرى الاعتراض عليها بفعل استفادة المتهم من العذر المحلّ أو المخفف. ومن حينها، اعتبرت هذه الجريمة كسواها من الجرائم التي تخضع لقانون العقوبات. لكن على الرغم من ذلك، لا يزال مسار النضال من أجل تحقيق المساواة طويلاً، إذ يستمر القانون بالتمييز ضد المرأة في مجالات أخرى.

في هذا السياق، أوضحت المستشارة في الشؤون الجندرية للرئيس المكلف تشكيل الحكومة سعد الحريري عبير شبارو أن "المادة 562 ألغيت بهدف المواءمة مع الاتفاقيات العالمية التي وقّع لبنان عليها، ومن ضمنها سيداو. وقد باشر لبنان على الفور بتغيير قوانينه، خصوصاً أن الدستور يكرس مبدأ الحرية الشخصية في المادة 8، إذ لا يوجد أي تبرير للقتل، بالتالي هذه المادة تخالف الدستور واتفاقية سيداو والإعلان العالمي لحقوق الإنسان".

الحلول والاقتراحات

وتشير أرقام منظمة "كفى عنف واستغلال" إلى أن هناك 12 جريمة قتل للنساء منذ بداية عام 2020، بينما سجّلت 10 في 2019، وقد ارتفعت وتيرة العنف الأسري جراء تداعيات وباء كورونا، بالتالي شهدنا في أبريل (نيسان) الماضي ست جرائم مع محاولة واحدة للقتل.

وعن مدى فعالية قانون العقوبات في هذا الإطار، اعتبرت مديرة المعهد العربي للمرأة في الجامعة اللبنانية الأميركية ميريام صفير، أنه "يجب أن يحدّث لأنه مجحف في حق المرأة، ويعفي القاتل من الجريمة أو يحاول تبريرها له، ما يحفّز على زيادة هذه الحالات"، مشيرة إلى أنه "في قضية الضحية منال عاصي (التي تم تعذيبها وقتلها على يد زوجها)، قررت رئيسة المحكمة القاضية هيلينا إسكندر، أن تمنح المجرم العذر المخفف، وخفّضت عقوبته من الإعدام إلى الحبس ثلاث سنوات، وذلك استناداً إلى المادة 252 من قانون العقوبات، التي تنص على أنه يستفيد من العذر المخفف فاعل الجريمة، الذي أقدم عليها بثورة غضب شديد ناتج من عمل غير محق، وعلى جانب من الخطورة أتاه المجني عليه".

وشددت صفير على "ضرورة إلغاء المادة 252، وتوحيد الجهود لتعديل قانون العنف الأسري، لكي لا يستغل كعذر لتشريع القتل كما حصل مع عاصي".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعن المآخذ الأخرى حول هذا القانون، أشارت شبارو إلى أنه "لا يجرّم بل يشرّع الاغتصاب الزوجي، وذلك موجود في المادة 503. كما أن سفاح القربى المذكور في المادة 490 يعدّ جنحة لا جناية، أي أنه إذا أقدم الأب أو الأخ على اغتصاب ابنته أو أخته تعدّ جنحة، ولا تزيد مدة الحبس فيها على ثلاث سنوات. أما في حال كانت الضحية قاصراً، فلا يحق لها أن تقدم دعوى قضائية ضد أهلها، بل يعطى الحق لأحد أقاربها أو أصولها أو جيرانها، الأمر الذي يجعلها عرضة للتشهير".

وبحسب التقارير، فإن جرائم الشرف نادرة الحدوث في لبنان، لكنها تعتبر سلوكاً مجحفاً في حق النساء. وليست القوانين هي الجائرة فقط، بل المجتمع ونظرته الدونية لهن أيضاً.

وعن الخطوات المقبلة، قالت شبارو "ستتم المطالبة قريباً بتعميم مراعاة المنظور الجنساني أو الجندري في القوانين والسياسات، على أن تعزز أطر التواصل مع الجمعيات النسوية المدنية قبل إقرار أي من القوانين".

بدورها، طالبت مديرة منظمة "كفى عنف واستغلال" زويا روحانا بـ"إلغاء المادة 252 وتسريع إجراءات القضاء الخاصة بقضايا العنف الأسري، كملف الضحية رولا يعقوب، الذي لم يصدر أي حكم فيه حتى الآن، منذ عام 2013، وإنزال العقوبات بالمجرمين للحدّ من هذه الجرائم، إضافة إلى إقرار مشاريع القوانين التي لا تزال نائمة في أدراج مجلس النواب، مثل رفع سن الزواج وقانون التحرش".

ورأت أن "الحل الجذري والنهائي للمشكلات التي تعانيها النساء في إطار علاقاتهن الأسرية، هو إقرار قانون مدني للأحوال الشخصية"، معتبرة في الوقت عينه أنه "حتى لو أقرّ قانون متطور يشمل جميع أنواع العنف الذي تتعرض له النساء، فإنه وحده لا يكفي إذا لم تتغير الثقافة العامة والنظرة الدونية للمرأة".