Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"الرحلة إلى نيكلسهاوزن" لفاسبندر العتب على ضمير ألمانيا المتعب

يوم لجأ السينمائي العجول إلى الماضي لمحاكمة إخفاقات يساريي الحاضر

راينر فرنر فاسبندر (1945 – 1982) (غيتي)

حتى وإن كان قد عرف عن السينمائي الألماني راينر فرنر فاسبندر سرعة مدهشة في إنجاز أفلامه يمكنها أن تدخله "كتاب غينيز" بكل بساطة، فإن عام 1970 كان بالنسبة إليه عاماً استثنائياً تجاوز فيه كل المقاييس المعروفة محققاً سبعة أفلام روائية طويلة خلال ما يزيد قليلاً على عشرة أشهر. كان رقماً لم يحققه أي مخرج سينمائي حقيقي ويترك عادة لبعض المغامرين التجاريين. لكن فاسبندر كان سينمائياً كبيراً، ومن هنا بدا الأمر غريباً. فهو كان في أغزر سنواته إنتاجاً يحقق ثلاثة أو أربعة أفلام. لكنه في ذلك العام الذي وصل فيه إلى ذروة شهرته ونال اعترافاً عالمياً وراحت المهرجانات تتخاطف أفلامه، فعلها وتخطى عتبة القدرة التي قد يتمتع بها أي فنان. ولئن حفل ذلك العام بأفلام لفاسبندر ستكون علامات في تاريخ السينما، يبقى فيلم "الرحلة إلى نيكلسهاوزن" أهمها وأقواها. وبالتحديد لأنه الفيلم الذي شكل نوعاً من جردة حساب حاكمت الحركات اليسارية التي كانت تعيش هي الأخرى ذروتها في ذلك الحين.

رحلة الخمسمئة عام

والحال أن فاسبندر الذي جمع في هذا الفيلم، على شاكلة ما كان يفعل سلفه الكبير إنغمار برغمان في السويد، حلقة أصدقائه الفنانين والفنيين ليحقق فيلمه، اختار أن تكون تلك المحاكمة نوعاً من مزج خلاق وذي دلالة بين الماضي والحاضر، بين زمنين تفرق بينهما نصف ألفية. لكن فاسبندر افترض أن ظروف الزمنين متماثلة بشكل يمكنه من محاسبة الحاضر على ضوء ما حصل ذات عام في الماضي.

كان ذلك في عام 1476 حين ظهرت السيدة العذراء على الراعي البائس هانز بوهم في منطقة فورتزبرغ، وأشارت عليه بأن يدعو الفلاحين إلى الثورة ضد السادة الإقطاعيين وفي سبيل تحقيق العدالة بين البشر. يومها اندفع بوهم للقيام بالمهمة متحمساً، غير أن مطران المنطقة سرعان ما يقبض عليه ويحاكمه ويعدمه دون أن يجد كثراً يعارضونه في ذلك. والحال أن هذه الحلقة التاريخية من حلقات حروب الفلاحين في ألمانيا القرن الخامس عشر لم يستخدمها فاسبندر إذ استقاها من كتب التاريخ، لكي يرويها لنا بل لكي يحاكم من خلالها كل ذلك الحراك اليساري الذي اندلع في ألمانيا وأوروبا في الستينيات. وذلك في تقاطع انبنى عليه سيناريو جيد بين الماضي والحاضر.

بيد أن ما يحاكمه فاسبندر هنا ليس الحراك نفسه بل إخفاقاته، ولا سيما إخفاقات الدور الذي لعبه الفنانون والمثقفون الطليعيون في الحراك. ويتجلى هذا خاصة في مشاهد المحاكمة، حيث يجلس بوهم محاطاً بمندوب عن الفهود الأميركيين السود، وآخر عن الجيش الأحمر البرليني، وثالث عن الثائر البرازيلي أنطونيو داس مورتيس، إضافة إلى سيدة عذراء يسارية، وإلى فنان (يلعب دوره فاسبندر) يمضي وقته في تحريض الجماهير إنما من دون أن يعبأ هؤلاء به أو بالمحاكمة ومن دون أن يلقوا بالاً حتى لتلك النصوص التي تمزج بين الكتاب المقدس ومنشورات اليساريين المتطرفين. وبالتالي يعدم بوهم ورفاقه الثوريون وسط صمت الجموع التي نهضوا أصلاً للدفاع عن مصالحها!

بدء محاكمات ذاتية قاسية

والحقيقة، أن فاسبندر افتتح بهذا الفيلم سلسلة محاكمات وإعاددة نظر بدت استفزازية في ذلك الحين، وغطت على جوهرها الفني– الفكري سمعة فاسبندر لكونه لا يتوقف عن تحقيق الأفلام، ولا يهتم إلا بالبحث عن مواضيع لها. بعد ذلك، فقط عندما وضع فاسبندر حداً لحياته يوم العاشر من يونيو (حزيران) 1982، منتحراً على ذلك الشكل المفاجئ والمريع، أدرك كثيرون "السبب الغامض" الذي كان يدفعه إلى العمل كثيراً وبسرعة، بحيث إنه طوال سنوات السبعين اعتبر واحداً من أكثر مخرجي السينما في العالم إنتاجاً، وسرعة في العمل وتنقلاً وتنويعاً بين المواضيع والأساليب، وحسبنا لندرك هذا أن نتذكر أن فاسبندر حقق خلال الأعوام الثلاثة عشر التي تشكل كل مساره كمخرج، أربعين فيلماً معظمها للسينما وبعضها للتلفزة، إضافة إلى المسرحيات التي أخرجها والمقالات والدراسات التي كتبها.

لكن فاسبندر لم يكن مخرج "كمية" فقط، بل كان مخرج "نوعية" أيضاً، إذ إنه لا يزال حتى اليوم، بعد قرابة أربعين سنة مرت على موته، يعتبر الأبرز بين مخرجي "المعجزة السينمائية الألمانية" إلى جانب "شرودر، فندرز، سيبربرغ، هرزوغ وشلوندورف". ولا تزال أفلام فاسبندر حتى اليوم محل إعجاب هواة السينما ودراسة وتحليل النقاد والمؤرخين.

فاضح المعجزة الألمانية

وفي جميع الأحوال يعتبر فاسبندر المخرج الألماني الذي عبر أكثر من أي مخرج ألماني آخر، عن واقع العيش وواقع المجتمع والذهنيات في ألمانيا الغربية، خلال السبعينيات، حتى وإن كان معظم سينماه يوسم بالنزعة الميلودرامية. وكان فاسبندر يرى أن الأسلوب الميلودرامي هو الأسلوب المناسب أكثر من أي أسلوب آخر للتعبير عن واقع ألماني كان كثيرون يرون فيه "معجزة" و"طفرة" بينما كان هو- على شاكلة كتاب مثل غونتر غراس وهاينريش بول- يرى فيه وضعاً مأساوياً. ومن هنا دارت معظم أفلام فاسبندر من حول "المعجزة الألمانية" التي يجري الحديث عنها لدى الحديث عن حقبة حكم كونراد اديناور، المستشار الألماني الذي كانت ألمانيا الغربية قد عرفت في عهده طفرة اقتصادية غريبة.

كان فاسبندر يرى أن تلك الطفرة، إنما قامت على أنقاض تدمير الروح الألمانية وتتفيه الذهنيات الألمانية. وهذا ما عبر عنه في معظم أفلامه، حيث لا نرى سوى شخصيات محبطة مريضة عاجزة عن أي فعل إزاء مجتمع يعيش حياته الخاصة الميكانيكية المدمرة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

منذ فليمه الأول "الحب أكثر برودة من الموت" الذي حققه في 1969 (بعد تجربتين قصيرتين حملتا أيضاً ملامح أساليبه المقبلة) حدد فاسبندر العالم الذي ستتجول فيه سينماه، عالم المجرمين اليائسين وصغار اللصوص والهامشيين- بمن فيهم المهاجرون الذين سيخصهم فاسبندر بواحد من أنجح أفلامه "كل الآخرين اسمهم علي"، وهو العالم نفسه الذي سنراه ماثلاً في فيلمه الأخير "خناقة" (1982) المقتبس عن رواية لجان جينيه. والحقيقة أن ذلك اللقاء بين فاسبندر وجينيه لم يكن صدفة، إذ ثمة نقاط مشتركة كثيرة تجمع بين عوالم فاسبندر وعوالم جان جينيه "الهامشية، الثورة الدائمة، الضياع، الميلودراما، طغيان هاجس الموت وهاجس الدين في وقت واحد".

ولكن في الوقت الذي أعطى فيه جان جينيه بطولة كتبه ومسرحياته لرجال، أعطى فاسبندر المكانة الأولى لنساء لن يكون من السهل نسيان حضورهن في عمله بسرعة، نساء قامت بأدوارهن ممثلات رائعات ارتبط اسمهن باسم فاسبندر، من هانا شيغوليا (التي نراها في الصورة المرفقة معها)، إلى إنغريد كافن، إلى باربارا سوكوفا. وحملت معظم الأفلام التي مثلن فيها تحت إخراجه أسماء نساء، ألمانيات بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى "دموع بيترا فون كانت المريرة" (1972)، "نورا هلمر" (1973)، "مارتا" (1973)، "إيفي بريست" (1974)، "ماما كوسترز تذهب إلى السماء" (1975)، "زواج ماريا براون" (1978)، "ليلي مارلين" (1980)، "لولا، امرأة من ألمانيا" (1981)، و"سر فيرونيكا فوس" (1981). ونحن إذا عددنا هذه الأفلام فإننا أحصينا أبرز وأنجح أفلام فاسبندر التي أعطته شهرة عالمية وقفزت بالسينما الألمانية إلى مكانة متقدمة بين سينما العالم. غير أن هذه الأفلام لم تكن إلا بعض ما حققه ذلك الفنان الغزير الذي كان يركض على الدوام وكأنه عارف سلفاً بأين ومتى ستكون نهايته، فعزم على أن يكثف كل حياته وعمله وفكره في سنوات قليلة. أما وصية فاسبندر الفنية، فمن الغريب ألا نعثر عليها في سينماه، بل في عمل تلفزيوني- في 13 حلقة- كان آخر ما حققه قبل فيلم "خناقة"، وكان العمل مقتبساً عن رواية ألفريد دوبلن الشهيرة "برلين الكسندر بلاتز". ففي اشتغاله على تلك الرواية وضع فاسبندر كل أفكاره وغضبه حول ألمانيا وحول ضميرها المتعب، حول "الهامشيين والمرأة والمجتمع المسدود وشذاذ الآفاق والأحلام المحبطة"، أي أنه وضع كل ما كان يشغل منه البال والروح، وبدا واضحاً من بعدها أنه قال كل شيء ولم يعد لديه المزيد، فالتقى لقاءه الأخير بجان جينيه، ثم وضع حداً لحياته المكثفة الغريبة.

المزيد من ثقافة