Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"تلك الأمكنة" سيرة سندباد محترف يدعى محمود شقير

يتبنى القاص الفلسطيني النمط العربي التقليدي للسرد الذاتي متناولا حياته ومجرياتها في الفضاء الاجتماعي

الكاتب الفلسطيني محمود شقير (الصورة تخضع لحقوق الملكية الفكرية، من صفحة الكاتب على فيس بووك)

منذ أربعة عقودٍ ونصف العقد، يواصل الكاتب الفلسطيني محمود شقير مسيرته التي بدأها في العام 1975 بمجموعته القصصية "خبز الآخرين"، وتشكّل سيرته الذاتية "تلك الأمكنة" (دار نوفل) آخر تعبيراتها وليست الأخيرة. وهي مسيرة غنية خاض فيها صاحبها في حقول معرفية مختلفة، تتراوح بين القصة والرواية والسيرة والرحلة واليوميات وأدب الطفل والنقد والمسرح، وتمخّضت عن عشرات الكتب في هذه الحقول مجتمعة، ما قد يصيب قارئه بحال من التشتت، علماً ان شقير لمع في القصة القصيرة.

ليست المرّة الأولى التي يكتب فيها محمود شقير سيرته الذاتية، فهو سبق له أن وزّع جوانب من سيرته على عدد من الكتب، يتناول فيها أمكنته ورحلاته ويومياته وأدبه، لكنها المرّة الأولى التي يُفرد فيها لهذه السيرة كتاباً خاصاًّ بها. وهو، في كتابه، لا يشذّ عن النمط العربي التقليدي للسيرة الذاتية الذي يتناول فيه الكاتب حياته ومجرياتها المقبولة في الفضاء الاجتماعي العام، ويتجنّب ما يمكن أن يخرج على هذا الفضاء ومواضعاته الأخلاقية، فتخلو السيرة من الأخطاء والخطايا، ولا يجلس صاحبها على كرسيّ الاعتراف، على النمط الغربي. وبذلك، تأتي ناقصةً، ويكون على القارئ أن يكمل نقصانها.

فصول ومشاهد

يضع محمود شقير سيرته في سبعة فصول، ومائة وسبعةٍ وأربعين مشهداً سردياًّ / سِيَرِياًّ. يتألّف الفصل الواحد من خمسة عشر مشهداً، في الحدّ الأدنى، وستةٍ وعشرين مشهداً، في الحدّ الأقصى. وهو يصدّره باقتباسٍ شعري أو نثري أو صوفي، يشكّل مفتاحاً مناسباً لولوج الفصل، ويذيّله بالمشهد الأقصر فيه الذي يتراوح بين جملتين اثنتين وبضع جمل. على أنّ العلاقة بين الفصول المتعاقبة، من جهة، وبين المشاهد المتتالية داخل الفصل ليست علاقة خطية تراعي كرونولوجية الزمن، وليست هرمية، بل هي متكسّرة، أفقية. ويمكن أن نعيد ترتيب معظم الفصول، وأن نبدّل في مواقع المشاهد داخل الفصل الواحد، وأن ننقل بعضها من فصل إلى آخر، دون أن يختل السياق العام للسيرة. وبذلك، نكون إزاء بنية سِيَرية حديثة مفكّكة،غربية. تعوّض النقص الناجم عن المضمون النمطي العربي الذي يقتصر على الإنجازات والإيجابيات، ويُعرِض عن السقطات والسلبيات. وهذه البنية تجعل عملية القراءة محفوفة بالمتعة، وتضفي على النص الحيوية والتنوّع.

"تلك الأمكنة" عنوان جميل لسيرة ذاتية، يُضمر جملة اسمية تامّة هي: "أنا في تلك الأمكنة". وهل السيرة الذاتية سوى تفاعل "الأنا" مع المكان، بما هو حيّز جغرافي وبشري، في مرحلة زمنية معيّنة؟ وبكلمة أخرى، أليست هي حصيلة التفاعل بين الإنسان والمكان والزمان؟ ولعلّ تركيز الكاتب على المكان، سواءٌ في العنوان أو المتن، يجعل كتابة السيرة فعل مقاومة للعدوان وإفرازاته، وعلامة اعتراض على تهجير الإنسان، وتهويد المكان، وتزوير الزمان.

العلاقة المقيمة

في علاقة محمود شقير بالأمكنة، يُمكن الإشارة إلى أنواعٍ ثلاثة تنتظم هذه العلاقة، تبعاً لموقع المكان، ومستوى القرابة التي يمتّ بها إلى الكاتب، ودرجة التفاعل معه، ممّا نبيّنه أدناه:

 

النوع الأوّل هو العلاقة الحميمة المقيمة حين يتعلّق الأمر بالأمكنة الفلسطينية التي تشكّل الوطن، ويتبلور من خلالها الانتماء إليه. وهي أمكنة الولادة والنشأة والسكن والتعلّم والعمل والنزهة والسير. ومن أسمائها العّلَم: السواحرة، جبل المكبّر، بيتين، رام الله، البيرة، بيت جالا، القدس، خربثا بني حارث، نابلس، أرطاس، بيت لحم، بيت أكسا، قلنديا، بيت ساحور، الناصرة، حيفا، يافا، الرملة، اللد، عكّا، شفاعمرو، وغيرها. ومن أسمائها الجنس: البيت، المدرسة، المقهى، المخيّم، المكتب، المقر، الشارع، وغيرها. والكاتب يترجم هذه الحميمية في زيارات دورية للأمكنة متفقّداً، أو متذكِّراً، أو مكرَّماً، أو مكرِّماً، أو مشاركاً في نشاطٍ ثقافي أو واجب اجتماعي. ولعلّ حشد أكبر عددٍ من الأمكنة الفلسطينية في الكتاب ينطوي على ردٍّ غير مباشر على الحملة العدائية لتغيير الأسماء والوقائع، وتشويه الحقائق، وتزوير التواريخ، في محاولة لنزع الحق التاريخي من أصحابه.

العلاقة العابرة

النوع الثاني هو العلاقة العابرة حين يتعلّق الأمر بالأمكنة الدولية، وتتمثّل في المدن التي زارها، حول العالم، للعمل أو المشاركة في نشاطٍ ثقافي أو سياسي. وهي كثيرة، والكاتب "من سفرٍ إلى سفر"، على حد تعبيره (ص 139)، فهو لا يكاد يعود من مدينة حتى يسافر إلى أخرى. وحسبنا الإشارة إلى أنّ براغ، باريس، لندن، برلين، ستوكهولم، قرطبة، غرناطة، إشبيلية، برشلونة، بروكسل، موسكو، وغيرها، هي بعض هذه المدن. على أن إقامته في المدينة الواحدة لم تكن لتتعدّى بضعة أيام هي مدّة النشاط المدعوِّ إليه، ما عدا إقامته في براغ التي استمرّت ثلاث سنوات لتمثيله حزب الشعب الفلسطيني في مجلة "قضايا السلم والاشتراكية". وكانت القضية الفلسطينية لا سيّما في بعدها الأدبي النقطة الثابتة على جداول أعمال هذه الزيارات.

منزلة بين منزلتين

النوع الثالث من علاقة شقير بالأمكنة هو بمنزلةٍ بين منزلتي النوعين الأوّل والثاني، وهو علاقته بالمدن العربية التي أقام فيها أو زارها، وبينها عمّان وبيروت والقاهرة وتونس وسواها، وزياراته لها لم تكن بالمقيمة ولا بالعابرة، وارتباطه بها يندرج في إطار انتمائه إلى الدائرة العربية. على أنّ القدس تبقى مكانه الأثير، هي مسقط القلب، ومكان الإقامة، وموضع الانتماء، ومضمون الهوية. وهو لا يغادرها إلاّ ليعود إليها. وإزاء هذا العدد الكبير من الأمكنة، الفلسطينية والعربية والدولية، التي يرتادها الكاتب، يمكن القول إن محمود شقير سندبادٌ، بريٌّ وبحريٌّ وجويٌّ، بامتياز.   

 كثيرةٌ هي أبعاد الشخصية التي تتمخّض عنها سيرة محمود شقير الذاتية؛ ولعلّ أبرزها الكتابي والتربوي والسياسي، وهو ما يعبّر عنه بالقول: "لعلّ أنبل ثلاث ظواهر في حياتي هي: الكتابة والتعليم والانتماء إلى فكر اليسار" (ص 124). يتمظهر البعد الكتابي في عشرات الكتب التي وضعها في الحقول المعرفية المختلفة ممّا سلفت الإشارة إليه، من جهة، وفي الصحف التي عمل فيها كاتب مقال أو محرّراً ثقافياًّ أو مشرفاً عاماًّ أو رئيس تحرير، ومنها "فلسطين الثورة"، و"الطليعة" و"القدس" و"الجهاد" المقدسيّة، و"الأخبار" و"الرأي" الأردنيتان، من جهة ثانية. على أن الأولوية عنده تبقى للكتابة الإبداعية. ويتمظهر البعد التربوي في مزاولته مهنة التدريس في عدد من المدارس الفلسطينية والأردنية. نذكر منها: مدرسة خربثا بني حارث، المدرسة الثانوية الهاشمية في البيرة، دار الأيتام الإسلامية الثانوية في القدس، ومدرسة إسكان الضباط. وتراوح عمله فيها بين تدريس مادّتي اللغة العربية والتاريخ، وبين الإدارة، وكانت تربطه بطلابه علاقات إيجابية. ويتمظهر البعد السياسي في انتمائه إلى الحزب الشيوعي الأردني في الرابعة والعشرين من عمره، وإلى حزب الشعب الفلسطيني لاحقاً. وتوزّع عمله في هذا الإطار على: حضور الاجتماعات، وتوزيع صحيفة الحزب، وشغل مواقع قيادية مختلفة. ودفع أثماناً غالية، تراوحت بين التخفّي والإقامة الجبرية والاعتقال والإبعاد والنفي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بعد إنساني

إلى هذه الأبعاد الثلاثة، ثمّة بعدان آخران يشكّلان علامتين فارقتين في سيرة شقير؛ البعد الإنساني الذي يعكس صورة جميلة للجد فيه. وهي تتمظهر في إهدائه الكتاب إلى أحفاده وحفيداته، من جهة، وفي تخصيص كلٍّ منهم بمشهد سِيَري أو أكثر، من جهة ثانية. وفي بعض هذه المشاهد يستيقظ فيه الطفل، ويشاركهم الكلام واللعب والطعام والنزهة. والبعد العلائقي الذي يتمثّل في العلاقة الوثيقة التي ربطته بالشاعر الفلسطيني محمود درويش، وتمظهرت في العمل معاً في الأمانة العامة لاتحاد الكتاب والصحافيين الفلسطينيين، ولجنة جوائز فلسطين، ولجنة "مسارات" التي كان درويش رئيسها الفخري. وفي زيارات وأمسيات وندوات مختلفة، وفي تأبين الشاعر بعد رحيله في أكثر من دولة ومنبر. وتتوّجت بنيله جائزة الشاعر الذي يكبره بيومين اثنين، في عيد ميلاده السبعين، في 13 / 3 / 2011.

في "تلك الأمكنة"، ينفتح النص على أدب الرحلة واليوميات والمشاهدات والتوثيق والتأريخ والأنتروبولوجيا والفنون، ما يجعل منه نصاًّ مشحوناً بالمعلومات والمعارف والتفاصيل الكثيرة والمملة أحياناً، ويعكس غنى السيرة وعمق التجربة. غير أنّه، في المقابل، ينزلق إلى بعض الهنات التي تثقله بما يجدر به التخفّف منه. ومنها: توزُّع الموضوع الواحد على اكثر من صفحة وعدم إيفائه حقّه في حيِّزٍ واحد، ما يؤدّي إلى التكرار في غير مكان، وغير سياق. استخدام تفاصيل غير مفيدة لا تقدّم ولا تؤخّر كقوله، على سبيل المثال: "اشتريت هدايا للأحفاد: نظارات للأولاد وبكلات للبنات، هدايا رمزية بسيطة لا أكثر ولا أقل" (ص 108). إرهاق العبارة بزيادات هي لزوم ما لايلزم كقوله: "الشارع مخصّص للمشاة، وفيه نساء كثيرات ورجال كثيرون" (108)، وغيرها. ومع ذلك، "تلك الأمكنة" تستحق الزيارة على متن الورق، والانتقال من مكان إلى آخر، في رحلة يقوم فيها محمود شقير بدور الدليل السياحي، ويعود منها السائح بالكثير من المتعة والفائدة.

المزيد من ثقافة