Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

قصة "المحقق الأكبر" لدوستويفسكي تحمل أسئلتها الشائكة الى المسرح

يستعيد التاريخ على ضوء السياسة المعاصرة ويطرح قضية الحرية والخبز

من مسرحية "المحقق الأكبر" التي تسقط دوستويفسكي على الواقع (الخدمة الإعلامية للمسرح)

في أواخر حياته، وضع الكاتب الروسي الذائع الصيت فيودور دوستويفسكي (1821-1881) رائعته العالمية "الإخوة كارامازوف"، فجاءت هذه الرواية لتتوج أعماله السردية وتكون خاتمة مسيرة طويلة أمضاها في الكتابة ومعالجة الدواخل الإنسانية من روابط عائلية وعواطف جارفة مروراً بشؤون السياسة والفلسفة والروحانيات. وأنجز دوستويفسكي روايته الطويلة هذه قبل أربعة أشهر فقط من وفاته، وراح ينشرها في فصول ظهرت بالتتالي على صفحات مجلة "الرسول الروسي" أواخر عام 1880 (ابتداءً من نوفمبر- تشرين الثاني). ولا يمكن الحديث عن هذه الرواية من دون التوقف عند قصة قصيرة وردت داخلها على لسان إيفان أحد الإخوة كارامازوف، كفصل داخل الرواية بعنوان "المحقق الأكبر".

وعلى الرغم من أن هذه القصة لا تخلو من أبعاد فلسفية وميتافيزيقية ومسيحية عميقة، فقد تمكن المخرج الفرنسي الأربعيني سيلفان كريزفولت (Sylvain Creuzevault) من تجسيدها على مسرح الأوديون - باريس في مسرحية حملت العنوان نفسه (Le Grand Inquisiteur, théâtre de l’Odéon)، وذلك ضمن إطار رائع من العودات إلى التاريخ المجبولة بمشاهد مستنبطة من الحياة السياسية المعاصرة.

القصة الرمزية

في رواية دوستويفسكي التي يحافظ على أسسها الأولى المخرج كريزفولت، يروي إيفان لشقيقه أليوشا قصة رمزية أو ما يُعرف بالمثل، وتدور أحداث هذا المثل في أواسط القرن الخامس عشر في إسبانيا بالتحديد، في زمن محاكم التفتيش في إسبانيا. وهذه المحاكم إنما أسسها الملوك الكاثوليك عام 1478 بموافقة بابا روما آنذاك سيكستوس الرابع، وكان الهدف من إنشائها الحفاظ على تعاليم الكنيسة الكاثوليكية وعقيدتها وإبقاء المؤمنين تحت السيطرة البابوية مع تطهير الكنيسة من الذين أداروا ظهورهم لها ولأسسها ويسمون "المهرطقين".

ينتقل الراوي إيفان بشقيقه أليوشا إلى زمن محاكم التفتيش الإسبانية وعلى رأسها المحقق الأكبر الآمر الناهي. فتزعم الرواية أن السيد المسيح قرر أن يجيء إلى الأرض مجدداً ليطمئن إلى شؤون البشر، فوصل إلى إسبانيا متخفياً ليراقب ما يحصل. إلا أن الناس ما لبثوا أن عرفوا هويته وأذاعوا الخبر الذي وصل إلى مسامع المحقق الأكبر. وما إن عرف المحقق الأكبر بوجود السيد المسيح بين الحشود، حتى أمر باستدعائه ومحاكمته وإلحاقه بقوافل المعدمين، لخروجه عن سلطة الكنيسة و"إزعاجه" للفئة الحاكمة بحضوره غير المتوقع.

 

 

ويدور بين المحقق الأكبر والسيد المسيح حوار يُعد من أهم الحوارات التي حفظها تاريخ الأدب، هو بالمبدأ حوار من طرف واحد لأن السيد المسيح يبقى محافظاً على صمته عاملاً بأمر المحقق الأكبر الذي يقول له منذ البداية: "لا تُجِب! اخرس! ماذا بإمكانك أن تقول على أي حال؟ أعرف تماماً ماذا ستقول، إنما لم تعد تملك الحق بإضافة أي شيء على ما سبق وقلته. لماذا جئت إلينا لتزعجنا؟ نعم، جئت لتزعجنا وهو أمر تعرفه حق المعرفة".

وفي خطابه، يلقي المحقق الأكبر بجميع الذنوب والأخطاء والخطايا على كاهل السيد المسيح. أليس هو الذي أراد منح الإنسان حريته؟ أليس هو الذي رفض عطايا الشيطان؟ أليس هو الذي قال "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان"؟ رفض السيد المسيح أن ينصاع لإغراءات الشيطان الذي جربه في الصحراء ثلاثاً، فحكم بذلك على البشرية بالحرية المرفقة بالفقر والبؤس والضياع.

إنسانٌ بائس

في زنزانة معتمة بإسبانيا في القرن الخامس عشر، يُلام السيد المسيح على ما يصيب البشر من مآسٍ وحروب ومجاعات، لقد هدم مملكته بيده عندما منح الإنسان خبز السماء والحرية بدلاً من الخبز الأرضي. وبرفضه الركوع أمام الشيطان، قدم الإنسان على طبق من ذهب لأعتى طغاة العالم الذين استغلوا ضعف الإنسان وجوعه وعوزه وحاجته إلى قائد ومساعد وزعيم. وهنا تُطرح الثنائية الأزلية: الحرية أم الأمان؟ أعطى السيد المسيح الإنسان حريته، أعطاه القدرة على التحرر والتمرد، لكن هذه الحرية أصبحت مرادفة للبؤس، مهدت هذه الحرية السماوية لعبودية أرضية، فهل يحتمل ضعفاء الأرض هذا المصير؟

إن الحرية هي هبة سماوية ثمينة إنما هي مخصصة للنخبة من البشر فقط، فليس الكل قادراً على الاكتفاء بخبز السماء. إن المثل العليا والقيم التي نادى بها السيد المسيح ليست قريبة المتناول، ليست خبزاً يقتات منه الملايين أو سلاحاً يواجهون به الاستبداد والدكتاتورية. سيتجه الإنسان دوماً إلى مَن يمنحه الأمان والخبز والاستقرار، حتى لو عنى ذلك التخلي عن حريته وقدرته على التحكم بمصيره. وهذا ما فهمه المحقق الأكبر والبابا وماركس وستالين وهتلر ومن بعدهم مارغريت ثاتشر وترمب وهي شخصيات استحضرها سيلفان كريزفولت ليُظهر كم أن استعباد البشر أمر سهل عندما يكون هناك وعد بالاستقرار والأمان: الإنسان لا يريد الحرية، يريد الخبز.

ويعبد سيلفان كريزفولت إحياء الأموات مسرحياً، فيُعيد ماركس وستالين ويتوقف عند محاولة النظام الشيوعي الحلول محل الدين ومنح الإنسان السلام والأمان والخبز مدة من الزمن، قبل أن يفشل في ذلك ويأتي النظام الرأسمالي ليحل محله. فيحضر ترمب وثاتشر ومعهما الرأسمالية ووعود العالم الجديد بغدٍ أفضل، ليظهر كيف أن هذه الأنظمة كلها حاولت منح الإنسان الأمان مقابل العبودية. يقول ترمب، في أحد أقوى المشاهد التمثيلية، وبينما السيد المسيح ينزف بين يديه: "والآن يكفي أن نتأكد أن الضحية راضية بأن تكون الضحية" ويجبره على تحريك رأسه إيجاباً علامة على الموافقة. إنه لمن الواضح أن هذه الأنظمة تدعي الحلول محل الدين والحرية وتمنح الخبز والأمان للضعفاء، مقابل تسليمهم رقابهم لها.

 

ويظهر من خلال القفزات التاريخية المسرحية أن الأقوياء وحدهم يستطيعون التمسك بالحرية على حساب الأمان، بينما البقية الباقية تفضل أن تحني رأسها وتكتفي بما يقيم أودها ويُشعرها بالاستقرار، فيقول بابا روما ليسوع في أحد المواضع: "نحن نصحح خطأك ونمنح البشر الأمان والخبز بمقابل طاعتهم وخضوعهم".

بين المزاح والجد

يدرك  المخرج سيلفان كريزفولت أن نص دوستويفسكي قوي متين متوهج، وأن المعاني الإنسانية التي يقدمها خطرة ومثيرة للجدل، فيعمد في أحيان كثيرة إلى التخفيف من حدة الأجواء العامة ومن وقع الأفكار الملقاة بين الجمهور، فيُدخل الكوميديا والمبالغة في التحريف الكاريكاتوري للتاريخ، كما يحرص على استعادة لهجات وكلمات استعملها قادة العالم بهدف التخفيف قليلاً من وقع الميتافيزيقيا والفلسفة في النص. يستحضر سيلفان كريزفولت أبرز رجالات السياسة من القرن العشرين بخصالهم ولهجاتهم وهفواتهم ليجسد معاني نص دوستويفسكي ويعززها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولا بد من التوقف عند ديكور المسرح الذي كان بسيطاً رماديا محترماً لجو الزنزانة التي يدور فيها الحوار، إضافة إلى الضوء المتغير بحسب تغير الأحداث والحقبات التاريخية. ومن اللافت أيضاً أن الممثلين كانوا متمكنين بشكل مذهل من أدوارهم وشخصياتهم ولهجاتهم. فالشخصيات الروسية قدمت لهجة فرنسية/ روسية، وثاتشر وترمب تحدثا بإنجليزية لا تشوبها شائبة كما أتقنا الفرنسية بلهجة الأميركيين المعاصرين. وقد اعتُمدت طيلة العرض المسرحي الذي استمر ساعة ونصف الساعة أدوات مسرحية وعوامل وضحت طباع الشخصيات وخطها الفكري وأبرز مواقفها السياسية عبر التاريخ.

وقد يؤخذ مأخذ واحد على مخرج العمل هو العنف الذي حصل في مشهد قتل يسوع في بداية المسرحية، فمشهد القتل أدى بعدد من المتفرجات من الجمهور إلى الخروج من القاعة خوفاً منهن من أن مشاهد القتل ستتكرر أو تطول. وقد سعى المخرج في مثل هذا المشهد إلى اختبار مفهوم القسوة كما نظّر له الكاتب انطونان أرتو في كتابه الشهير"المسرح وقرينه".

"المحقق الأكبر" عمل مسرحي رائع، يضارع بقيمته الفنية النص الأصلي الوارد في رواية دوستويفسكي، عمل يطرح أسئلة جوهرية على الإنسان لا بد أن نستعيدها في زمننا هذا: هل يمكن للإنسان أن يكون حراً وسعيداً في الوقت نفسه؟ هل تمنح  ديكتاتوريات العالم الإنسان ما عجز عن منحه إياه الدين؟ هل الخبز السماوي كافٍ؟ هل يحل الخبز محل الحرية؟

المزيد من ثقافة