Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

17 أكتوبر اللبناني: مجموعات الانتفاضة تبدأ رحلة التوحد والائتلاف

وهج الاحتجاجات بلغ حد التأثير الإقليمي مع التظاهرات في العراق وإيران

تحل الذكرى السنوية الأولى لانطلاقة انتفاضة 17 أكتوبر (تشرين الأول) والأوضاع السياسية الاقتصادية في لبنان في أسوأ أحوالها، والتي تنذر بمزيد من الانهيار المالي في ظل استمرار الأسباب نفسها التي أطلقت الاحتجاجات الشعبية والعفوية من قبل عامة اللبنانيين، أي نظام المحاصصة والفساد وغياب الشفافية والمحاسبة في الحيلولة دون قيام حكومة تطلق عملية تصحيح مالي، يوقف الانهيار المالي المحتم الذي يتجه إليه البلد بسرعة قياسية.

"الاحتجاجات وكورونا والغزوات"

قياساً إلى الوهج السياسي والإعلامي الذي اكتسبته الاحتجاجات على الواقع الاقتصادي المُزري، بدأ التردي يتسلل إلى حياتهم اليومية منذ عام 2015 بسبب أزمة النفايات في الشوارع حينها، وتراكمت فصوله حتى أكتوبر (تشرين الأول) 2019، تراجعت التظاهرات في الشارع نتيجة عوامل عدة موضوعية خارجة عن إرادة المتظاهرين، مع حلول الذكرى الأولى لانطلاقتها. وأبرز هذه العوامل جائحة كورونا وتفاقم الضائقة الاقتصادية، فضلاً عن نجاح الطبقة السياسية الحاكمة، على الرغم من تناقضاتها وخلافاتها، في إجهاض التحركات الشعبية إما بالقمع، وإما باستنفار التناقضات الطائفية السياسية، وإما بالغزوات الفئوية المنظمة ضد مراكز اعتصامات المحتجين، لا سيما من قبل أنصار "حزب الله" وحركة "أمل"، لأن هذا التحالف قاوم بشراسة أي إمكانية لنجاح الانتفاضة الشعبية في تغيير تركيبة السلطة السياسية اللبنانية التي يتمتع الحزب بنفوذ حاسم فيها، يستفيد منه في ترجيح انحيازها إلى متطلبات المشروع الإقليمي الإيراني عبر جعل لبنان منصة له.

التلاقح اللبناني العراقي الإيراني والاختراقات

وإذا وجب عدم استبعاد قدرة الطبقة السياسية على اختراق مجموعات المتظاهرين، التي أطلقت بشكل عفوي احتجاجات 17 أكتوبر في العام الماضي، عبر تشكيل مجموعات خاصة بالأحزاب المتشاركة في الحكم في لبنان، لإجهاض التغيير الذي طمح إليه هؤلاء، فإن هذه الطبقة الحاكمة أصيبت باهتزاز كبير بفعل نزول المواطنين، ومعظمهم من جمهور الأحزاب الطائفية الذين انفكوا عن سطوتها، إلى الشارع، رافضين استمرار هيمنتها على مقدرات البلد وهدرها ماليته العامة عبر فسادها ونهبها خيراته وتقاسمها إياها، بحيث تضاعفت ديونه وصولاً إلى أكثر من 96 مليار دولار، وبالتالي اجترحت الطبقة الحاكمة أساليب عدة لاستيعاب الاحتجاجات التي نمت كالفطر، فبلغت أعداد المتظاهرين في الساحات في وسط بيروت ومدن لبنانية أخرى مئات اللآلاف في الخريف الماضي، وهو ما أرعب أركان السلطة وزعماء الطوائف الذين اضطر بعضهم إلى تأييد الثورة وترك محازبيهم يشاركون في فعالياتها بعدما شاهدوا مناصريهم ينضمون إليها.

بلغ وهج انتفاضة 17 أكتوبر اللبنانية حد التأثير الإقليمي والدولي، وملأ وسائل الإعلام الدولية، خصوصاً أن الدياسبورا اللبنانية المنتشرة في أصقاع الأرض رفدت التحركات الشعبية بمثلها في بلاد المهجر. وبدا أن لهذا الوهج تأثير في الإقليم أيضاً، إذ أخذت الانتفاضة التغييرية تتغذى من تلك الشعبية العراقية التي سبقتها في الأول من أكتوبر من العام نفسه، والعكس صحيح، ثم مع انطلاقة الانتفاضة الشعبية الإيرانية في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، بدا أن رياح التغيير حققت نوعاً من التلاقح بين الثوار في الدول الثلاث التي تعاني أوضاعاً اقتصادية مُزرية. وهذا أعطى بُعداً سياسياً للتحركات الشعبية ضد السلطات المتجانسة في تموضعها الإقليمي، مع أن انطلاق الانتفاضة في لبنان جاء بعد محاولة الحكومة وضع رسم على رسائل "الواتساب"، وفي العراق على تردي الأوضاع الاقتصادية وتفشي البطالة وفي إيران ضد رفع سعر البنزين، لكن الشعارات طرحت في الدول الثلاث إسقاط النظام والحكام وإجراء الانتخابات النيابية المبكرة بهدف تغيير خريطة المؤسسات الدستورية السياسية، وتجرأت بهذا القدر أو ذاك على محرمات وقيادات ورموز.

إسقاط حكومتين على الرغم من القمع

ونجح القمع الدموي في إيران في تراجع الانتفاضة، وسقط مئات القتلى فيها، وفي العراق، على أيدي القوى الأمنية والميليشيات الموالية لإيران، بينما حال نظام الفسيفساء الطائفية، وامتناع الجيش اللبناني عن استخدام العنف والرصاص في إخراج المتظاهرين من الساحات، دون السيناريو نفسه، فلجأ الحكام إلى أساليب أخرى منها مقابلة الشارع المنتفض بشارع آخر ضده، أخذ طابعاً عنفياً، وكان من أسباب تراجع الاحتجاجات، إضافة إلى العوامل المذكورة أعلاه، إلا أن تحرك الشارع اللبناني أسقط حكومتين في لبنان، الأولى في 30 أكتوبر (تشرين الأول) 2019 برئاسة الرئيس سعد الحريري، الذي أصر على التنحي نظراً إلى تفوق الخلافات ضمن دائرة السلطة على تنفيذ البرنامج الإصلاحي، الذي اعتبر أنه يحقق جزءاً من مطالب الثوار، والثانية في 12 أغسطس (آب) 2020 باستقالة حكومة حسان دياب إثر عودة الثوار إلى الشارع احتجاجاً على إهمال السلطة، الذي أدى إلى انفجار مرفأ بيروت، الذي دمر جزءاً كبيراً من العاصمة وخلف قتلى ومفقودين (ما زال بعضهم مجهول المصير) ومئات الجرحى.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي وقت يرى فيه بعض الثوار أن إصرارهم على شعاراتهم ضد الطبقة الحاكمة، دفع أهل السلطة إلى تبني مطالبهم في محاربة الفساد، وأجبر الحكومة والبرلمان على سن قوانين بهذا المعنى، فإن البعض الآخر اعتبر أن هذا التوجه من القيادات السياسية التقليدية التي هي ضد الانتفاضة والتغيير، يهدف إلى ذر الرماد في العيون، خصوصاً أن الضغوط على المؤسسة العسكرية والقوى الأمنية دفعتها إلى ممارسة القمع ضد المتظاهرين بحجة أعمال تخريب وقطع طرقات، وإلى استدعاء الناشطين إلى القضاء وزج بعضهم في السجون، لكن الثوار لم يحققوا مطالبهم ذات البعد السياسي التغييري، لجهة الانتخابات النيابية المبكرة وإقرار قانون جديد للانتخاب.

وحين التقى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بعض رموز المجتمع المدني في زيارته إلى بيروت في السادس من أغسطس (آب) الماضي، سألهم عما إذا كان إجراء الانتخابات المبكرة سيغير جذرياً في ميزان القوى النيابي، مشككاً بذلك، فيما طرح مساعد وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى السفير ديفيد شنكر أسئلة على بعضهم، حين اجتمع بهم الشهر الماضي، حول سبب غياب قيادة واضحة لهم، وحول مبررات تراجع المشاركة في تظاهراتهم، إلا أن كليهما أبديا تعاطفاً مع دوافع المناهضين للسلطة في المواقف المعلنة الفرنسية والأميركية، وربطا مثل دول كثيرة تحسن الأوضاع في لبنان بتحقيق المطالب الشعبية.

العوامل الذاتية وتوحيد المجموعات

تزامن حلول سنة على الانتفاضة في لبنان مع مراجعة من قبل مجموعاتها ونخبها ورموزها لأحداث السنة الأولى. فالعوامل الذاتية لا تقل أهمية عن العوامل الموضوعية التي أعاقت تحقيق مطالب الثوار. فرموز هؤلاء يقرون بوجود نواقص في تنظيم صفوفهم وتوحيد أطرهم وبرنامجهم.

ويقول عضو "لقاء تشرين" الناشط في هذه المجموعة وقبل إنشائها، زياد عبد الصمد إن الاحتجاجات الشعبية الكبرى التي لا تحقق مطالبها بسرعة بعد مواجهة مع سلطة قادرة على المجابهة، إما يأخذها ذلك إلى الإحباط أو إلى العنف ومواجهات منها حمل السلاح، فدفعت ثمناً باهظاً. والحمد لله لم نتجه إلى العنف في لبنان". ويضيف "على الرغم من الإحباط، فإن المنظومة السياسية فقدت بنزول مليون ونصف مليون مواطن إلى الشارع السنة الماضية، شرعيتها السياسية، لكنهم يتمسكون بالشرعية القانونية في وقت لا انتخابات نيابية لنزعها عنهم، هذا فضلاً عن أن غياب الجهوزية في الشارع بغياب تنظيمات سياسية على مستوى البلد، أضعف الثورة".

وفيما كان عدد المجموعات العفوية التي نشأت العام الماضي في الأحياء والمناطق والمدارس والجامعات وبعض القطاعات المهنية بلغ زهاء الـ200، يشدد عبد الصمد أنه "على الرغم من كل التباينات بين مختلف المجموعات الناشطة في إطار الثورة، هناك عمل دؤوب يجري منذ مدة لتوحيد خطواتها، ونجحوا في الاتفاق على توحيد التحرك في الذكرى السنوية الأولى في برنامج موحد في يوم 17 تشرين"، ينتهي بإضاءة شعلة الثورة في مرفأ بيروت، وتشمل التحركات فعاليات في بلاد الاغتراب.

مرحلة انتقالية ودينامية جديدة لصيغ ائتلافية

يعتبر عبد الصمد أن "هناك مجموعات قاعدية تقوم بأعمال التعبئة الشعبية منذ اندلاع الثورة، بدأت الآن تنشأ منها مجموعات سياسية تتبلور برامجها لتتحول قوى معارضة تطرح برامج وسياسات بديلة للسلطة، وتهيئ نفسها للاشتراك في الانتخابات حين تحصل. ونحن في مرحلة انتقالية تشهد تشكيل مجموعات سياسية لم تكن موجودة سابقاً، نظراً إلى أن الأحزاب الطائفية وقوى المحاصصة منعت قيام أحزاب سياسية مستقلة عن الانتماء الطائفي".

ورداً على سؤال يشير عبد الصمد إلى أنه "يصعب إحصاء المجموعات القادمة من أحياء ومناطق، ويجب الملاحظة أن من قدموا إلى ساحات التحرك عند بدايته لم يكونوا يعرفون بعضهم البعض، والآن اختبرت المجموعات بعضها وانتقل رموزها إلى مرحلة ثانية لإنشاء تكتلات أكبر متجانسة قد تتعاون في صيغة ائتلافية. وهناك دينامية مختلفة عن السابق".

الأجهزة الأمنية... شرعة الإنقاذ الوطني

ويقر عضو "لقاء تشرين" بأن هناك أجهزة أمنية تدخل على الخط ولها امتدادات معروفة تسعى لاختراق المتظاهرين، وهم يحاولون أحياناً طرد مجموعات من الساحات.

وتجري محاولة لنشوء ائتلاف بين مجموعات وبين حزب "الكتائب" الذي استقال نوابه في الفترة الأخيرة من البرلمان مع أربعة نواب آخرين، قدموا استقالاتهم من الندوة النيابية وهم ينشطون إلى جانب المواطنين الغاضبين.

ويرفد محاولات توحيد المتظاهرين في مجموعات سياسية تحركات تقوم بها نخب سياسية وثقافية معروفة مثل الكاتب إلياس الخوري، والباحث بول سالم، والأستاذ الجامعي زياد ماجد، والكاتب سعود المولى، والصحافي مصطفى فحص. فقد شهدت الساحة التوقيع على "شرعة الإنقاذ الوطني" من قبل 65 ألف شخص، من بينهم السفير السابق والقاضي في محكمة العدل الدولية نواف سلام، الذي أيَّد المنتفضون ترشيحه لرئاسة الحكومة مرتين.

الثورة المضادة وانقسام الطبقة السياسية

في المقابل، يرى الناشط في مجموعة "لحقي" نزار حسن، أنه بقدر ما كان 17 أكتوبر "لحظة ثورية"، فإن المرحلة التي تبعتها كانت "الثورة المضادة"، حيث تمسكت السلطة بحماية النظام القائم للحيلولة دون حصول إصلاحات جوهرية. ويقول إن أبسط الأمور الإصلاحية لم يقبلوا بإجرائها، مثل إقرار قانون استقلالية القضاء، وقانون ضوابط السحوبات المالية (كابيتال كونترول) لحماية الفقراء والطبقة المتوسطة، حيث يسمح للنافذين والأغنياء بسحوبات مرتفعة، وتهريب أموالهم إلى الخارج، بما يشبه الحرب الطبقية من قبل تحالف المصارف ومصرف لبنان والسلطة، وهذا أدى إلى الإضرار بالطبقات الفقيرة.

ويضيف حسن "حين لا تفعل شيئاً هو فعل بحد ذاته. لذلك أفشلوا الاتفاق مع صندوق النقد الدولي حين شكلوا حكومة (حسان دياب) من مستشارين للقوى الطائفية إياها، على الرغم من أن الناس نزلوا إلى الشارع احتجاجاً على المحاصصة، فأعادوا تكوين السلطة السياسية نفسها. وأثبتوا بالعناد السياسي أنهم غير قابلين بالإصلاح، وحاولوا خلق نزاع طائفي رداً على الثوار الذين رفعوا شعار (كلن يعني كلن) حين كانت الاحتجاجات عابرة للطوائف ومن المناطق كافة".

ويرى أن الأزمة الاقتصادية، إضافة إلى كورونا، دفعت الناس المحتجين إلى الاهتمام بالسلامة الشخصية، فضلاً عن إفقادهم الأمل بعد انفجار المرفأ، وتوجه عدد كبير من المواطنين والشباب نحو الهجرة. وعلى الرغم من ذلك، هناك جهود لتنظيم المتظاهرين في مجموعات، حيث أن "الإصرار على الشرعية الشعبية للثورة أدى إلى إثبات وجود الثوار في النقابات" (نقابة المهندسين) والجامعات، اذ فاز رموز الانتفاضة بمقاعد كثيرة، على الرغم من وجود اختلافات بين المجموعات، لكن التنوع الموجود له أثره في أوساط طلابية ونسوية وجمعيات يتبلور التنسيق بينها تدريجياً.