Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تفاوض لبنان وإسرائيل على الحدود يتأرجح بين خطي هوف والسنيورة

تجنب العقوبات سرَّع دور الوساطة الأميركية وللمزايدات الداخلية دورها

مجريات التفاوض ليست منفصلة عن المناخ الإقليمي الذي تشهده المنطقة (غيتي)

ترك إعلان رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري وواشنطن وتل أبيب ومنظمة الأمم المتحدة عن "اتفاق الإطار" على التفاوض بين لبنان وإسرائيل حول الحدود البحرية والبرية تساؤلات كثيرة عن الخلفية الإقليمية والدولية لهذا الإعلان في هذا التوقيت بالذات، فضلاً عن أنه أطلق التكهنات حول انعكاساته الداخلية في ظل استمرار الفراغ الحكومي، نظراً لأن هذا الملف كان أحد مواضيع التجاذبات التي لا تنتهي بين الفرقاء اللبنانيين منذ سنوات.

وينطلق جانب من هذه التساؤلات والتكهنات من أن هذا الإعلان عن "اتفاق الإطار" جاء في ذروة جديدة للأزمة السياسية المالية الاقتصادية اللبنانية، تزامناً مع إفشال المبادرة الفرنسية من أجل تشكيل حكومة اختصاصيين مستقلين تنفذ إصلاحات عاجلة تُتيح للمجتمع الدولي تقديم مساعدات مالية للبنان للحيلولة دون انهيار اقتصاده الكامل، تمهيداً لبرنامج تعافٍ اقتصادي طويل الأجل بالاتفاق مع صندوق النقد الدولي.

وصاحب المبادرة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون اتهم "حزب الله" في شكل رئيس، بإفشالها. ومن التفسيرات التي أعطيت لإحباط تأليف الحكومة صدور عقوبات أميركية في 8 سبتمبر (أيلول) الماضي ضد وزيرين سابقين أحدهما اليد اليمنى (النائب علي حسن خليل) للرئيس بري، والثاني يوسف فنيانوس القريب من رئيس تيار "المردة" سليمان فرنجية، والحليف الوثيق لـ"حزب الله". والسبب المعلن للعقوبات كان التسهيلات التي أعطياها للحزب في وزارتي المال والأشغال العامة والنقل.

إنجاز "اتفاق الإطار" لتفادي مزيد من العقوبات

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يقول سفير أجنبي محنك، خبر الوضع اللبناني الداخلي منذ سنوات طويلة، وتحدثت إليه "اندبندنت عربية"، إنه يصعب عزل وقائع الأسابيع الماضية عن الإعلان عن الاتفاق. وعلى الرغم من أن بري أشار إلى أن "اتفاق الإطار" كان جاهزاً في 22 يوليو (تموز) الماضي والعقوبات على خليل وفنيانوس أتت بعده، فإن أوساط الثنائي الشيعي نفسه كانت تروج بأن بري كان ينتظر جواباً من واشنطن حول موافقة إسرائيل على الصيغة المقترحة للاتفاق، وحين صدرت العقوبات قالت أوساطه إن من بين أهدافها الضغط على موقف لبنان في ما يخص ترسيم الحدود.

ويعتقد السفير أن بإمكان الولايات المتحدة أن تقول إنها حققت إنجازاً بفضل ضغط العقوبات بعدما تأخر بدء المفاوضات سنوات، وأن بري و"حزب الله"، فضلا تسهيل مسألة التفاوض على ترسيم الحدود لتفادي المزيد من العقوبات على حلفاء الحزب، لا سيما تجنب أن تطال حلفاءهم من المسيحيين.

 

 

كما تستطيع إدارة الرئيس دونالد ترمب أن تسوق ما جرى إعلانه على أنه إنجاز له يحتاج إليه في معركته الانتخابية، ويضاف إلى إنجاز السلام بين إسرائيل وكل من دولة الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين على الرغم من أن مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى ديفيد شينكر اعتبر أن التفاوض على الحدود لا يعني التوصل لاتفاق، لكن واشنطن تهدف من وراء ترسيم الحدود التوصل إلى إقفالها كمصدر للتوتر ولتهديد أمن إسرائيل، يعيد اتفاق الهدنة بين البلدين (وقع عام 1949) إلى التفعيل. وإذا نجح هذا التوجه فإن إدارة ترمب لم تُخفِ منذ زمن أن ترسيم الحدود البرية والبحرية يضعف حجة "حزب الله" في الاحتفاظ بسلاحه.

التباسات النص والتلازم بين الحدود البحرية والبرية

يرى السفير الذي بدا مطلعاً على ما سبق إعلان "اتفاق الإطار" أن بإمكان بري و"الحزب" من ورائه القول إنه نجح في انتزاع رعاية الأمم المتحدة للمفاوضات بعدما كانت إسرائيل ترفضها، في وقت تمكن من الحصول على تلازم مساري التفاوض على الحدود البرية والبحرية، لكن أوساطاً مراقبة أشارت إلى أن القراءة الحرفية لنص "اتفاق الإطار" تفيد بأن مسألة تلازم مساري التفاوض ضبابية فيه لأن المسألتين وردتا بفقرتين منفصلتين من دون الإشارة إلى الربط بينهما، خلافاً لما وردت على لسان بري الذي ربط التوقيع على المحاضر المتعلقة بهما معاً.

ويلعب الجانب الأميركي دور الوسيط "المسهل" فيما يخص المسار البحري فحسب دون البري، الذي تتولاه قيادة قوات الأمم المتحدة منذ سنوات مع الجيش اللبناني، تحت عنوان تصحيح نقاط يعترض لبنان عليها على الخط الأزرق وجرى تصحيح معظمها.

وكانت إسرائيل قد رفضت في المفاوضات التي تولاها الأميركيون طلب بري أن يتم النص على التلازم في التوقيع بين المسارين، مطالبة بالاكتفاء بأن تعد واشنطن شفهياً بذلك من دون أن يرد في "اتفاق الإطار". كما أن السفير شينكر شدد على أن البحث في الحدود البحرية مسار منفصل عن الحدود البرية.

 

التفاهم الضمني الأميركي الإسرائيلي: خط هوف

لكن مع تحديد السفير شينكر 12 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي موعداً لأول جلسة تفاوض حول الحدود البحرية في مقر قيادة قوات "يونيفيل" في بلدة الناقورة الجنوبية، يحضرها هو والمنسق الخاص للأمم المتحدة في لبنان يان كوبيش (على الأقل في الاجتماع الأول على أن ينوب عنهما مساعدان لهما لاحقاً) وضباط مختصون من الجيشين اللبناني والإسرائيلي، فإن التساؤل حول حظوظ التفاهم بين الجانبين المختلفين على المساحة المتنازع عليها (860 كلم مربع) بقيت عُرضة لاجتهادات كثيرة.

ولا يغيب عن بال عديد من الأوساط أن مجريات التفاوض ليست منفصلة عن المناخ الإقليمي الذي تشهده المنطقة، في ظل القناعة بأن التأخير في بت إطلاق التفاوض خضع على الدوام لحسابات الفريق المؤثر في لبنان أي "حزب الله".

وبات متعارفاً عليه بأنه يبقي إقفال هذا الملف أو يُبقيه مفتوحاً، ورقة تفاوضية بيده، لأنها تبرر له ربط النزاع مع إسرائيل في سياق حاجة إيران إلى الاحتفاظ بإمكان تهديد أمن إسرائيل رداً على الضغوط الأميركية عليها.

وتفيد معطيات السفير الأجنبي بأن المتفاهم عليه بين واشنطن وإسرائيل، والذي قد يكون تمهيداً للتفاهم على ترسيم الحدود البحرية في الشاطئ اللبناني الجنوبي، العودة إلى الخط الذي رسمه السفير فريدريك هوف الذي كان كُلِّف التوسط بين لبنان وإسرائيل لحل النزاع البحري انتهى بعد جولات من المناقشات في بيروت وفي إسرائيل، في عام 2012، إلى وضع خريطة ترسم خطاً في المنطقة المتنازع عليها يحصل لبنان بموجبه على أكثر من 58 في المئة من تلك المساحة مع حقه في استثمارها تنقيباً عن الغاز، فيما تبقى المساحة المتبقية في عهدة إسرائيل، لكن من دون أن تستثمرها في انتظار التفاوض الرسمي على ترسيم نهائي للحدود البحرية. وبري الذي كان يتولى التفاوض في حينها، بتفويض من "حزب الله"، كاد يقبل بهذه الصيغة، لكنه فعدل موقفه ورفضها. وبقي الأمر معلقاً.

وعلى الرغم من ذلك، تتوقع أوساط متابعة لملف الحدود أن ينطلق النقاش بين المتفاوضين من الصيغة المؤقتة لخريطة هوف التي لدى الجانب اللبناني اعتراضات عليها. فإذا لم تكن هناك عوائق خارج إطار المفاوضات بذاتها تتصل بحسابات إقليمية هدفها إبقاء الملف عالقاً، فإن إمكان الأخذ باعتراضات الجانب اللبناني واردة بحيث يحصل لبنان على ما يفوق ما رسمه خط هوف.

المزايدات الداخلية والعودة إلى خريطة السنيورة

خضع ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل لمزايدات كثيرة في إطار الصراعات اللبنانية، المتمادية خلال ما يفوق السنوات العشر الماضية، آخرها بين فريق رئيس الجمهورية وصهره النائب جبران باسيل من جهة وبين الرئيس بري من جهة ثانية، حول المسؤولية عن التفاوض، في وقت كان باسيل يميل فيه ضمناً إلى التساهل في رسم خط الحدود وفقاً لتصور هوف، بحجة تسريع استغلال لبنان البلوكين الرقم 8 و9 اللذين يحتويان على كميات من الغاز وفق المسح الجيولوجي والثلاثي الأبعاد، وأجزاء منهما تقع في المنطقة المتنازع عليها مع إسرائيل.

ويؤثر عامل العقوبات الأميركية هنا أيضاً في تغذية المزايدات، حيث يسعى فريق الرئاسة إلى كسب ود الإدارة الأميركية تجنباً لأن تشمله العقوبات عبر التمايز عن حليفه "حزب الله"، في هذا الملف الذي تحرص واشنطن على إنهائه تحت عنوان تعزيز الاستقرار بين البلدين، لكن هذه المزايدات أدت من بين ما أدت إليه إلى حملة مبرمجة من "حزب الله" والثنائي الشيعي وحلفائهما، منذ ما قبل رئاسة عون للجمهورية، إلى حملة مبرمجة على رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة سببها الفعلي إصراره وحكومته على الطلب من مجلس الأمن الدولي إنشاء المحكمة الدولية الخاصة بلبنان لمحاكمة المتهمين باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.

إشكالية قبرص وإسرائيل

رسمت حكومة السنيورة في عام 2007 الحدود البحرية مع قبرص، وعينت خط الوسط بين المنطقة الخاصة بلبنان والمنطقة الخاصة بقبرص من جهة، وبترسيم مؤقت لتلك الحدود مع إسرائيل وسوريا من جانب واحد من جهة ثانية، نظراً إلى تعذر التفاوض مع أي منهما في حينه. كما أن مسودة الاتفاقية مع قبرص وضعتها لجنة من 10 مختصين يمثلون 6 وزارات وهيئات معنية هي: وزارة الدفاع وقيادة الجيش، وزارات الخارجية، والطاقة والمياه، والأشغال العامة والنقل، والمجلس الوطني للبحوث العلمية ورئاسة الحكومة.

ووقعت مسودة الاتفاقية مع قبرص التي تشمل خط الحدود مع كل من سوريا شمالاً وإسرائيل جنوباً عند نقطة الإحداثية الرقم 23، مع النص على أن أي ترسيم تقوم به الدولة القبرصية لحدودها مع دولة ثالثة يفرض التشاور مع لبنان قبل الاتفاق مع الدولة الثالثة.

وشمل الخط الذي وضعه الجانب اللبناني مساحة 860 كيلو متراً مربعاً التي اعترضت إسرائيل عليها لاحقاً، وقامت بتوقيع اتفاقية ثنائية مع قبرص (عام 2010)، "نكلت" فيها الأخيرة، كما يقول السنيورة بالاتفاقية مع لبنان وتراجعت عن الخط الذي وضعه لبنان لحدوده البحرية مع إسرائيل في الخريطة التي كان لبنان قد اتفق مع القبارصة عليها، لكن خصوم السنيورة حملوه مسؤولية ما اتفقت عليه قبرص مع إسرائيل، فيما الخريطة التي استندت إليها حكومته في ترسيم الحدود مع قبرص تخالف ذلك. وكان لـ"حزب الله" وحركة "أمل" وزراء في عدادها في حينها.

كلف السنيورة لجنة جديدة من الوزارات والهيئات المختصة للتدقيق في الخريطة، على الرغم من أن الاتفاق القبرصي الإسرائيلي (يعتمد النقطة الرقم 1 في الإحداثيات مع لبنان) لا قيمة قانونية له من دون موافقة لبنان على ما يتضمنه في شأن حدوده البحرية، فأكدت مجدداً على النقطة 23 من الإحداثيات الجغرافية في الحدود البحرية مع إسرائيل. واعترض لبنان عبر حكومة الرئيس نجيب ميقاتي التي تبنت الخريطة التي أعدتها حكومة السنيورة، في عام 2011 لدى الأمم المتحدة على الاتفاقية القبرصية الإسرائيلية.

ويقول السنيورة في حديث لـ"اندبندنت عربية" إن الخط الذي اقترحه السفير هوف، والذي أصرَّ الوسطاء الأميركيون على اعتماده العام الماضي يقع بين النقطة الرقم 1 التي تزعم إسرائيل أن رسم منطقتها الاقتصادية ينطلق منها، وبين النقطة الرقم 23 التي انطلقت منها حكومة السنيورة في ترسيم الحدود البحرية للبنان.

وبذلك يقترح هوف أن يحصل على ما يفوق 500 كيلو متر مربع مقابل قرابة 360 لإسرائيل، من أصل الـ860 كيلو متراً التي تشملها الخريطة التي أقرتها حكومته، ويعتبرها لبنان من حقه.

المزيد من متابعات