Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إسقاط الرعاية الفرنسية للبنان يجعله مكشوفا داخليا وإقليميا

"حزب الله" يريد حكومة تحمي سلاحه وتدخلاته في المنطقة

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال تجوله في أحد شوارع بيروت المدمرة جراء انفجار المرفأ (رويترز)

الخشية من المجهول في حال فشل تشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة، والذي حذر منه غير مسؤول سياسي لبناني، وغيرهم من القوى الخارجية، ولاسيما فرنسا، بات أمراً واقعاً

لبنان في قلب المجهول، فاللبنانيون يجهلون من سيدير دفة العمل الحكومي في المرحلة المقبلة، بعد اعتذار السفير مصطفى أديب في 26 سبتمبر(أيلول) من عدم تأليف الحكومة على إثر تكليفه في 31 أغسطس (آب) الماضي، وهم يجهلون مصير وضعهم الاقتصادي والاجتماعي، وبوادر تصحيحه التي كانت لاحت في الأفق مع أول زيارة قام بها إلى بيروت الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في السادس من أغسطس الماضي، بعد الكارثة الزلزالية لانفجار مرفأ بيروت بيومين.

ولعل هذا المجهول دفع وزير الدولة البريطاني للشرق الأوسط أليستر بيرت إلى القول، "انهيار مفاوضات تشكيل الحكومة اللبنانية كارثة على الشعب اللبناني".

فكل المساعدات الموعودة لخروج لبنان من مأزقه المالي والاقتصادي غير المسبوق، مرهونة بتحقيق الإصلاحات الهيكلية المطلوبة، وهذا يتطلب قيام حكومة انتقالية تنفذ العاجل منها، كي يقبل المجتمع الدولي بمنح البلد إعانة مالية تتيح له بدء مسار التعافي الاقتصادي.

إخراج لإعلان انتهاء المبادرة الفرنسية

لكن المبادرة التي أطلقها الرئيس الفرنسي في تلك الزيارة وتمت بلورتها بخريطة طريق في زيارته الثانية في الأول من سبتمبر، أُجهضت إلى درجة دفعت أحد أعضاء ما سمي "نادي رؤساء الحكومات السابقين" إلى القول لـ "اندبندنت عربية"، إنها انتهت ولو أن الرئيس الفرنسي أراد اعتماد إخراج لهذه النهاية بإعلانه يوم الأحد الماضي أنها "الوحيدة المأخوذة على المستويين الإقليمي والدولي، وهي مستمرة ولم يتم نزعها"، وأنه بات على "السلطات اللبنانية أن تقرر وتعطي جوابها، ويعود إلى المسؤولين اللبنانيين تحمل المسؤولية ضمن خريطة الطريق".

فماكرون لم يستثني أياً من القادة السياسيين الذين نسب الفشل في الحلول إليهم، رافضاً القول إن فرنسا فشلت، حين رأى أنهم خانوا تعهداتهم له في شأن الحلول التي اقترنت بجدول زمني للتنفيذ، لكنه وجه اللوم الشديد إلى "حزب الله" في شكل رئيس، ولحركة "أمل" ثانياً، ولرئيس الجمهورية العماد ميشال عون ثالثاً، ولزعيم "تيار المستقبل" رئيس الحكومة السابق سعد الحريري في شكل أقل (اعتبر أنه صحح الموقف لاحقاً)، ما استدعى رداً من الأمين العام للحزب حسن نصر الله على اتهامه برفض أية تسوية حول الحكومة، محاولاً فرض الحكومة كما يريد.

نصر الله يبرر طلبه الاشتراك في الحكومة بسببين

فنصرالله رد تهمة العرقلة إلى رؤساء الحكومات السابقين الأربعة أي الحريري، نجيب ميقاتي، فؤاد السنيورة وتمام سلام، مشيراً إلى أنهم كانوا من يديرون تأليف الحكومة، رافضاً "تسليم البلد إليهم" حتى "لو دعمتهم الكرة الأرضية"، ملمحاً بذلك إلى الجانب الفرنسي، ومنتقداً ما اعتبره "تجاهل" باقي الأفرقاء الذين يطالبون بتسمية الوزراء الذين ينتمون إلى طائفتهم، والرئيس عون كشريك في التأليف.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبالرغم من تكرار ماكرون في مؤتمره الصحافي لمبررات قيام حكومة مستقلين من غير الحزبيين، مذكراً بأن الحكومات السياسية لم تتمكن من تنفيذ الإصلاحات منذ سنوات، فإن نصرالله عرض سببين لضرورة اشتراك حزبه في الحكومة، الأول بقوله "يجب أن نكون في الحكومة، بحزبي أو بغير حزبي، لحماية ظهر المقاومة حتى لا تتكرر في لبنان حكومة الخامس من مايو (أيار) 2008"، قاصداً بذلك حكومة الرئيس السنيورة التي أثارت مسألة شبكة الاتصالات المستقلة للحزب في البلد، فرد باجتياح العاصمة عسكرياً في حينها، والثاني رفضه أن تتفق أي حكومة مع صندوق النقد الدولي على بياض، وأن تبيع أملاك الدولة وترفع ضريبة القيمة المضافة، إضافة إلى الخوف على أموال المودعين، مجدداً اقتراحاته البديلة السابقة بالتوجه شرقاً للتعاون الاقتصادي مع الصين وروسيا وإيران والعراق.

الهجوم على ماكرون

لكن نصرالله لم يكتف برد التهمة إلى "نادي رؤساء الحكومات السابقين"، بل قال كلاماً شديد اللهجة ضد ماكرون، غلّفه بهدوء عبر ترحيبه باستمرار المبادرة الفرنسية، وهاجم ما وصفه "السلوك الاستعلائي" للرئيس الفرنسي واتهامه "الحزب" بالفساد، قائلاً "لا تفويض لا للرئيس الفرنسي ولا لأي أحد أن يكون وصياً أو ولياً أو حاكماً أو قاضياً أو ‏حاكماً على لبنان".

في كل الأحوال، رفد موقف نصر الله هذا حيال ماكرون، ما صدر عن الخارجية الإيرانية بعد اعتذار السفير أديب عن عدم تمكنه من تأليف الحكومة، إذ قال المتحدث باسمها إن بلاده "ترفض أي تدخل خارجي في شؤون لبنان"، وهي عبارات ترمز تقليدياً إلى أن لطهران اعتراضات تترك لـ "حزب الله" أن ينطق بها.

رؤساء الحكومات السابقون يردون

ورد رؤساء الحكومات السابقون الأربعة على حملة نصر الله ضدهم مساء الأربعاء 30 سبتمبر ببيان مفصل، فشددوا على أن المبادرة الفرنسية قامت على "تعليق كل ما يمت إلى السياسة الداخلية التقليدية، وتنافس الكتل والأحزاب، لأشهر معدودة باتفاق الكتل النيابية الرئيسة على حكومة إنقاذ مصغرة من الاختصاصيين الأكفاء لا تسميهم الأحزاب، لتنفيذ برنامج إصلاحي"، ونفى هؤلاء أن يكونوا عملوا على تشكيل الحكومة بالنيابة عن رئيس الحكومة المكلف المعتذر، بل اقتصر دورهم على "توفير الغطاء لما اتفق عليه مع الجانب الفرنسي، ورفضوا اتهامهم بالوصاية على الرئيس المكلف، وذكّروا بـ "المعارضة الشعبية الواسعة لآلية تشكيل الحكومة السابقة وتقاطعها مع المبادرة الفرنسية"، و"وجوب قيام حكومة مستقلين بعيداً عن المحاصصة والولاء الحزبي والسياسي"، وعدوا مطالعة نصرالله بأنها "تنسف المبادرة الفرنسية بمحتواها الاقتصادي".

وأكد رؤساء الحكومات في بيانهم أنه "لم يكن في مقدور الرئيس المكلف أن يتشاور مع رئيس الجمهورية أو أي من الكتل السياسية في الأسماء والحقائب، في ظل العقدة التي رفعها في وجهه ثنائي "أمل" و"حزب الله"، فور وصول جهوده إلى مراحلها الأخيرة عشية العقوبات التي أعلنت بحق الوزيرين السابقين (المعاون السياسي لرئيس البرلمان النائب علي حسن خليل ويوسف فنيانوس المنتمي إلى تيار النائب السابق سليمان فرنجية الحليف للحزب). كم أشاروا إلى "مبادرة منفردة للحريري بالإبقاء على التمثيل الشيعي في وزارة المالية لمرة واحدة، مع التأكيد على مبدأ المداورة في الحقائب الوزارية التي بدل تلقفها، والتي أشادت بها فرنسا، جرى الالتفاف عليها ووضع المزيد من الشروط على الرئيس المكلف، والتمسك بتسمية الوزراء في الحقائب الباقية لضرب قواعد المبادرة الفرنسية"، واعتبروا أن رواية نصرالله للوقائع "تعمدت افتعال اشتباك طائفي بين رئيس الجمهورية وبين رئيس الحكومة المكلف، بزعم التعدي على الصلاحيات الدستورية لرئيس الجمهورية لمصلحة رئاسة الحكومة، علماً أن ما طالب به الرئيس المكلف هو ذاته ما طالبت به رئاسة الجمهورية ومعظم الكتل".

لكن البارز في رد رؤساء الحكومات أنهم اعتبروا أن "عودة نصرالله إلى أحداث مايو 2008 للتذكير بالاعتداء الذي تعرضت له بيروت، قرأها اللبنانيون تهديداً غير مقبول، وتلويحاً باستخدام الفوضى والعنف والفلتان الأمني، التي لا تستثني أحداً من أخطارها".

حمادة: نصرالله أفشل ماكرون والبرنامج الإصلاحي

وتعددت القراءات لدفاع نصر الله عن موقف حزبه و"الثنائي الشيعي"، وأوضح مصدر واكب المفاوضات حول تأليف الحكومة لـ "اندبندنت عربية"، أنه قفز فوق وقائع كثيرة، منها أن "الثنائي الشيعي" وافق على المداورة الكاملة في الحقائب بين الطوائف، وعلى أن تؤول حقيبة المال إلى سنيّ، وعلى صيغة الـ 14 وزيراً عشية صدور العقوبات الأميركية ضد الوزيرين السابقين خليل وفنيانوس في الثامن من سبتمبر، ثم عاد وانقلب على موقفه وتشدد بعدها.

ويقول النائب المستقيل من البرلمان مروان حمادة لـ "اندبندنت عربية"، إن الأمين العام لـ"حزب الله" أغرق الرأي العام في الحديث عن تفاصيل مفاوضات تأليف الحكومة، وهو حين يريد الاشتراك في الحكومة من أجل حماية المقاومة، يريد حكومة تحمي السلاح لكي يحصل على تغطية من أجل مواصلة القيام بما يقوم به في العالم العربي من اشتراك في الحروب، ويريد إبقاء الحدود مفتوحة، ولا يقبل نقاشاً حول مشاركة حزبه في الحرب السورية وحروب المنطقة وحول السلاح، وهذا أمر لن ينجح". وأضاف حمادة "نصرالله لم يكتف بإفشال ماكرون فقط، بل أفشل برنامج الإصلاح الاقتصادي برفضه الخصخصة ووضعه الشروط على التفاوض مع صندوق النقد الدولي، والزيادة المحتملة على ضريبة القيمة المضافة، وغيرها من الإجراءات، ما يؤشر إلى خلاف عميق في مقاربة حلول الأزمة المالية الاقتصادية مسبقاً، لا نعرف إذا بالإمكان تجسيره".

وعبّر حمادة عن خشيته من الأيام الصعبة الآتية، ورأى أن "خسارة الرعاية الفرنسية للبنان والحماسة لمساعدته يكشف البلد أكثر على الصعيدين الداخلي والإقليمي"، وتعليقاً على دفاع نصرالله عن إيران بأنها لا تتدخل في الشأن اللبناني، رأى حمادة أن الرئيس الفرنسي لم يطلب تدخلها للضغط على "حزب الله" كما قيل، بل هو أوضح في مؤتمره الصحافي بأنه أجرى اتصالاً بالرئيس حسن روحاني ليطلب منه ألا تتدخل إيران، كما اعتبر حمادة أن رمي المسؤولية على رؤساء الحكومات السابقين لا يغير شيئاً من الوقائع، والمبادرة باتت الآن في يد رئيس الجمهورية الذي باستطاعته خلط الأوراق بالدعوة إلى استشارات نيابية ملزمة لتسمية رئيس مكلف بسرعة، للإبقاء على المبادرة الفرنسية. فهل سيختار إحياءها أم يسهم مع "حزب الله" في إفشالها؟

تحريض عون على رؤساء الحكومات وتعبئة الجمهور

ويعتبر مصدر سياسي بارز مقرب من رؤساء الحكومات السابقين، أن اتهامهم بالوصاية على الرئيس المكلف لا يستقيم، لأن "الثنائي الشيعي" هو الذي طلب من الحريري اقتراح اسم لرئاسة الحكومة، والأخير آثر التشاور مع الرؤساء الآخرين حين وقع الخيار على السفير مصطفى أديب من أجل ضمان التغطية المطلوبة سنياً له حتى يتجنب ما حصل مع الرئيس حسان دياب الذي تولى المسؤولية بغياب تلك التغطية. كما أن "الثنائي" هو من طلب أن يفاوضه الحريري، وحين فعل لتسهيل قيام الحكومة، رفض دوره بالرغم من أن قادة "الثنائي" كانوا مطلعين على بعض الأسماء التي طرحت.

ولاحظ أن نصرالله هدف إلى مخاطبة جمهوره بطريقة تعبوية من جهة، وإلى تحريض الفريق المسيحي على ماكرون بالتركيز على رؤساء الحكومات حين أوحى بأنهم يفرضون على رئيس الجمهورية التخلي عن صلاحية المشاركة في تأليف الحكومة، وأن القيادة السنية تأخذ من الرئاسة الأولى وليس من "الثنائي الشيعي" (تشبثه بحقيبة المال)، وهو بذلك يرمي إلى الإبقاء على تحالفه مع الجانب المسيحي إزاء الضغوط عليه، كي يقدم تنازلات تزيل العوائق من أمام إنقاذ البلد.

ويروي المصدر بأن الرئيس المكلف حين أبلغ الرئيس عون بأن "الثنائي الشيعي" يتمسك بوزارة المال وتسمية وزيرها والوزراء الشيعة الآخرين، أجابه عون بأن هذا سيؤدي بالأفرقاء الآخرين إلى المطالبة بالتسمية، فكان جواب الرئيس أديب، صحيح الحق معك.  ويطرح المصدر أسئلة حول تقصّد نصرالله الحديث عن أخطار "داعش" بعد اكتشاف خلية تحركت في منطقة الشمال والقبض عليها، وخصوصاً في مناطق مسيحية.

مما تقدم، الأرجح أن المهلة التي أعلن ماكرون قبل الدعوة إلى مؤتمر دولي للبحث في مساعدة لبنان لعل الأفرقاء اللبنانيين يتوصلون إلى اتفاق على الحكومة، ستكون مهلة استنزاف للمبادرة الفرنسية.

المزيد من تحلیل