Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حملة سودانية لإنقاذ ما تبقى من آثار عاصمة مملكة علوة المسيحية

يرجع تاريخها إلى العصور الوسطى وتميزت العاصمة سوبا بالمساكن الواسعة والكنائس المزدانة بالخضرة والحدائق وكمركز تجاري مزدهر

تقود الهيئة القومية للآثار والمتاحف السودانية حملة لإنقاذ ما تبقى من موقع مدينة سوبا، العاصمة الأثرية لمملكة علوة المسيحية، التي تقع على الضفة اليمنى للنيل الأزرق إلى الجنوب من ملتقى النيلين في العاصمة الخرطوم، الذي يمثل الأثر الوحيد المتبقي من تلك المملكة، بعد تعرضه للدمار بسبب التعديات والتغول والتمدد العمراني، ما تسبب بضياع 70 في المئة من أراضيه. وتهدف الحملة إلى الحفاظ على بقية آثار المدينة التاريخية الأثرية، التي زارها العديد من الرحالة الأجانب مثل الفرنسي كايو، وعمل بها عالم الآثار المعروف بيتر شيني في الفترة الممتدة بين 1950 و1952، آخر مدير بريطاني للآثار في السودان الذي قام بالعديد من الحفريات وتوثيقها، وبنى سوراً من الأعمدة، حدد به المنطقة.

ويضم الموقع الأخير المتبقي من العاصمة الأثرية، بقايا كنائس وكاتدرائيات قائمة ومخططة وديراً للرهبان، بينما لا يزال الموقع تحت الاستكشاف والتنقيب، إلا أنه تعرض للتغول والتخريب بواسطة مستثمرين ومواطنين عن طريق حيازة الأراضي، بطرق مشروعة وغير مشروعة.

آخر الممالك النوبية المسيحية

وبحسب اختصاصي في هئية الآثار السودانية، يرجع تاريخ مملكة علوة المسيحية، إلى العصور الوسطى (500– 1504)، بعد سقوط مملكة كوش، كآخر الممالك النوبية الثلاث، التي اعتنقت المسيحية بعد مملكتي نوباتيا ومقرة. ويرجح أنها وصلت إلى ذروة مجدها في القرنين التاسع والـ12، ببسط سيطرتها على معظم أراضي وسط السودان وجنوبه، حيث تمددت شمالاً على طول مجرى نهر النيل (منطقة البجراوية)، وعلى النيل الأزرق منطقة جبل موية، وعلى النيل الأبيض حتى مدينة الكوة، وجنوب السودان.

كما عرفت المملكة المسيحية، بكونها دولة قوية متعددة الثقافات، استمرت لما يقارب الألف سنة، أدارها من العاصمة سوبا، ملوك أقوياء وحكام محليون يعينهم الملك. وتميزت العاصمة سوبا بالمساكن الواسعة والكنائس المزدانة بالخضرة والحدائق، وكمركز تجاري مزدهر، تصل إليه البضائع من مناطق الشرق الأوسط، والغرب الأفريقي، والهند والصين، وعرفت القراءة والكتابة باللغتين النوبية واليونانية.

تعديات بعلم الحكومة

وفي إطار حملة إنقاذ الموقع، ناشدت غالية جار النبي المديرة العامة للهيئة القومية للآثار والمتاحف السودانية بالإنابة، الحكومة في أعلى مستوياتها بإصدار التوجيهات التي تحمي وتحفظ هذا الموقع، إلى جانب المؤسسات الأكاديمية ومنظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام وعموم المواطنين، مساندة الهيئة في حملتها وجهودها للتصدى لوقف التعديات على الموقع وحمايته، بوصفه الوحيد المتبقي من آثار مملكة علوة المسيحية، التي امتد حكمها حتى عام 1504، لينتهي بقيام السلطنة الزرقاء عبر تحالف الفونج والعبدلاب.

وتشمل الحملة تفعيل قانون حماية الآثار لسنة 1999 غيرالمفعل، والتعريف به حتى وسط القانونيين، وتقوية موقف الإدارة القانونية داخل الهيئة وردفها بمستشارية قانونية تعينها في حملتها، إلى جانب التوعية الجماهيرية بأهمية الآثار وحمايتها، ليكون المواطن مساهماً في حماية تلك المناطق.

وكشفت جار النبي في حديث لـ"اندبندنت عربية"، أن معظم التعديات التي تمت في العهد السابق كانت من نافذين في الحكومة، وأن الأراضي التي خصصت قسماً من مساحة المنطقة الآثرية، تمت بقرارات فوقية من دون الرجوع إلى الهيئة أو استشارتها، وبلغ الأمر أن طردت وهددت حراسات الموقع، واعتدي عليها بالآليات الثقيلة والجرافات ليلاً على أراضي العاصمة سوبا، مشيرة إلى أن التمدد العمراني ومشاريع البني التحتية والاستثمار الزراعي والتعدين الأهلي، تعتبر من المهددات الكبيرة لمخاطر الفقدان والتدمير الذي تواجهه الآثار في البلاد.

وأشارت، إلى أن الهيئة تواجه كل هذه التعديات، بإمكانيات وموارد محدودة وفي ظل وضع إداري يحتاج إلى المراجعة، خاصة العلاقة مع الولايات، مما يتطلب من جهات الاختصاص والمسؤولين كافة، دعمها ومساندتها، لتتمكن من الحفاظ على الآثار وتأمينها بمختلف مواقعها داخل البلاد.

الآثار ثروة قومية

وشددت المديرة العامة بالإنابة، على ضرورة تصحيح الوضع الشاذ في العلاقة بين الهيئة والولايات، ما قلص دورها وأضر بالآثار، نتيجة ضعف إمكانيات الولايات وعجزها عن توفير العناية والحماية اللازمتين للآثار، وتعاملها معها كمجرد مورد للدخل، مشددة على أهمية اعتبار الآثار شأناً قومياً، وإلغاء القوانين الولائية، وعودة تبعية الهيئات الولائية إلى الهيئة القومية الأم، لأن الآثار والمتاحف ليست ثروة مادية يتم تقسيمها، كما حدث في اتفاقية سلام نيفاشا عام 2005، التي قسمتها بين الولايات، ووصفت ما تم في هذا المنحى، بأنه كان أشبه باستيلاء حكومات الولايات على الآثار، التي هي في حقيقتها قومية تنتمي إلى كل الوطن، ولو وجدت على أراض ولائية.

ضياع 70 في المئة من الموقع

وكشف مفتش الآثار والمشرف على موقع سوبا الأثري، عبدالله النزير لـ "اندبندنت عربية"، أن التعديات طالت نحو 70 في المئة من مساحة الموقع، ولم يبق حالياً سوى 30 في المئة منه، وهو ما تستهدف الحملة الحفاظ عليه، بالتنسيق بينها والشؤون الهندسية والبعثة البولندية التي تعمل الآن في التنقيب والحفريات بالموقع، منوها إلى أنه "على الرغم من أن التعديات على الموقع بدأت منذ فترة بعيدة، منذ عهد خورشيد باشا إبان العهد التركي سنة 1831، واستمرت في الفترة المهدية، باستجلاب بعض أنقاض مملكة علوة واستخدامها لأغراض البناء، فإن فترة التسعينيات شهدت توسعاً مخيفاً ومؤذياً في التغول، إذ أصبح يتم بعلم وموافقة الحكومة، من دون أن تحرك الهيئة ساكناً".

ووقعت أبرز التعديات الحديثة وفق مفتش الآثار، عندما تم شق ورصف طريق العيلفون الذي شطر الموقع إلى نصفين، ودمر تماماً النصف الشرقي منه، عدا عن منطقة صغيرة تضم إحدى الكنائس الأثرية، ما جعلها معزولة وسط منطقة سكنية. كما خصصت 98 من الأفدنة بواسطة السلطات لمستثمر زراعي، تمدد بأكثر من اللازم وقام بعمل حفريات وآبار للري داخل الموقع.

ويضيف "استمرت السلطات تصدر تصاديق المخططات السكنية، وتخصص أراضي زراعية داخل أرض العاصمة الأثرية سوبا، وكان آخر ما تعرض له الموقع قيام كبرى سوبا، بعدها تدخلت هيئة الآثار لدى الشؤون الهندسية وحول مساره بعيداً عن أرض الموقع".

إجراءات لوقف التعدي والاسترداد

وحول الإجراءات التي اتخذتها الهيئة، في إطار حملة إنقاذ ما تبقى من الموقع، أو استرداد ما اقتطع منه، أوضح مفتش الآثار أن "الهيئة خاطبت ولاية الخرطوم لوقف أي تمدد سكني أو زراعي بالموقع، مطالبة بنزع الأراضي التي خصصت داخله واستردادها"، مبيناً أنه "تم بالفعل وقف تشييد عدد من المباني"، معرباً عن أسفه لوجود آثار أصبحت مدفونة تحت أحياء سكنية كاملة في المنطقة، ما يعني لضياع آثار عمرها آلاف السنين بهذه الطريقة المؤلمة، ما يرقى إلى مستوى كونها جريمة تستدعي المساءلة والمحاسبة ويعاقب عليها، مطالباً بضرورة تشديد العقوبات بقانون الآثار بتضمينه عقوبات رادعة، بعيداً عن التواطؤ والمساومات أو المجاملات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويشرح النزير أن مملكة علوة المسيحية خلفت أثراً ثقافياً واضحاً على الحياة السودانية، خصوصاً في جوانب الطراز العمراني الريفي، الذي لا يزال سائداً في مناطق عدة، كالمحس وحلفا ودنقلا شمال السودان، فضلاً عن روح التسامح الديني التي يتمتع بها السودانيون، نتيجة اندياح الثقافة المسيحية المكتسبة في بعض عاداتهم وحياتهم اليومية، مثل وضع حدوة الحصان على أبواب المنازل لطرد الشياطين، ووضع الصحون على شكل أقرب للصليب على الأبواب، وأداء الصلاة المارية، (صلاة مريم العذراء)، عند مخاض الوضوع لدى نساء بعض مناطق الشمال"، مشيراً إلى أن دخول الإسلام إلى السودان، أزال الأنظمة المسيحية التي كانت قائمة، لكنه لم يقض على الثقافة المسيحية، ما أسهم في تعزيز ثقافة التعايش بين الأديان التي تعتبر إحدى أهم سمات المجتمع السوداني حتى اليوم.

وبدأت مسيرة المملكة في التراجع خلال القرنين الـ12 والـ13، وبدأ نجمها في الأفول تدريجياً، بسبب الغزوات من جهة الجنوب، إضافة إلى عوامل وظروف الجفاف، التي أدت إلى تحول الممرات والطرق التجارية، بينما بدأت القبائل العربية في الهجرة إلى أعالي وادي النيل. وبحسب مفتش الآثار، فإنه وبحلول عام 1504 كانت سوبا عاصمة المملكة، قد سقطت في أيدي التحالف المتكافئ بين جيوش العبدلاب والفونج التي قادها عبدالله جماع، مسطراً بذلك نهاية مملكة علوة المسيحية، لتحل مكانها، مملكة إسلامية، هي "الدولة السنارية"، والتي تعرف أيضاً بـ"مملكة الفونج" و"السلطنة الزرقاء"، بتحالف قبائل العبدلاب بقيادة عبد الله جماع، وقبائل الفونج في شرق النيل الأزرق بقيادة عمارة دنقس، التي دمرها محمد علي باشا في عام 1821.