Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لا حكومة في لبنان قبل الانتخابات الأميركية

"أمل"- "حزب الله": استياء من اتهامات ماكرون وكلمة لنصرالله تحدد الموقف

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال مؤتمره الصحافي عن الموقف السياسي في لبنان في 27 سبتمبر (غيتي)

مع وضع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حداً لمبادرته لحل الأزمة الحكومية في لبنان، بعد كشفه بالتفاصيل أسباب تعثرها، ومعطليها بالاسم، وهي المرة الأولى التي يذهب فيها إلى اتهام مباشر لـ "حزب الله"، دخلت البلاد مرحلة جديدة من الغموض المقلق، وسط توقعات متشائمة جداً حيال المرحلة المقبلة، وما تحمله من مخاطر من شأنها أن تزعزع الاستقرار السياسي والأمني الهش أساساً، وتقضي على ما تبقى من بصيص أمل بالنسبة إلى حظوظ تعافي لبنان اقتصادياً ومالياً واجتماعياً.

صحيح أن ماكرون لم يقفل الباب أمام مبادرته، رافضاً تحميله مسؤولية فشلها، وملقياً تبعة الفشل على القيادات اللبنانية التي اعتبر أنها "قامت بفعل خيانة" تجاه ما التزمت به قبل شهر في قصر الصنوبر، لكنه في الواقع وضع سقفاً عالياً وشروطاً يدرك تماماً أن ما عجزت عنه المبادرة في ذروة زخمها غداة الانفجار المدمر لمرفأ بيروت، في 4 أغسطس (آب) 2020، لن تكون قادرة عليه في مرحلة شراء الوقت التي يلعبها الأفرقاء اللبنانيون بامتياز.

ففي خلاصة المواقف العالية النبرة للرئيس الفرنسي بعد مضي شهر على إطلاقه مبادرته، وجه رسائل متعددة الأطراف للقوى الأساسية التي في يدها الحل والربط في لبنان.

أولى تلك الرسائل إلى الثنائي الشيعي، وتحديداً طرفه الأقوى "حزب الله"، مفادها أن سقوط المبادرة المرنة لباريس ستضع الحزب في وجه الأسوأ لسياسة العصا الغليظة التي تعتمدها واشنطن، وأن الرهان على تغيير السياسة الأميركية بعد الانتخابات الرئاسية رهان خاطئ، لأن الآتي على لبنان سيكون أعظم، في إشارة إلى ضغط العقوبات الاقتصادية التي لا تجد الدبلوماسية الفرنسية فيها جدوى، من دون أن يعني ذلك أن باريس ستظل على تمايزها من تلك السياسة المعتمدة على المدى القريب.

وما إعطاء ماكرون مهلة ستة أسابيع إلا دليل ساطع على ربطه مبادرته بتلك الانتخابات، إذ تكون هوية ساكن البيت الأبيض للسنوات الأربع المقبلة قد تحددت.

أما الرسالة الثانية لهذا الثنائي، كما للقوى المعطلة الأخرى في تحالف المحور الممانع، فكانت اقتصادية مالية بامتياز، إذ أعلن سيد الإليزيه أن المؤتمر الدولي المزمع عقده في باريس منتصف أكتوبر (تشرين الأول) المقبل سينحصر في المساعدات الإنسانية والصحية للبنانيين، ولن يعتمد القنوات الرسمية لإيصال التمويل، نظراً إلى انعدام الثقة بالدولة ومؤسساتها، وهذا يعني عملياً أن حجم الدعم سيكون ضئيلاً وضعيفاً ولن يكون كافياً لإخراج البلد من أزمته.

أما الدعم الدولي المستند إلى برنامج مع صندوق النقد الدولي، فكان ماكرون واضحاً بأن شرطه الأساس هو تنفيذ خريطة الطريق الفرنسية التي وضعها خلال زيارته الثانية إلى بيروت، والتي التزمها كل الأفرقاء المحليين.

وهذا الموقف استكمل بموقف مماثل من الاتحاد الأوروبي الذي أعرب عن شعوره بالخيبة والقلق لاعتذار مصطفى أديب، معلناً في بيان أن تشكيل حكومة جديدة شرط لأي دعم خارجي أو برنامج مع صندوق النقد.

هذا التصعيد الفرنسي- الأوروبي الملتحق بالخيار الأميركي، يطرح علامات استفهام كبيرة حول رد الفعل اللبناني، والمقاربة التي ستعتمدها السلطة التي أعاد ماكرون الكرة إلى ملعبها، ساحباً يده من أية مساعدة محتملة ما لم تكن ضمن خريطة الطريق التي رسمها، علماً أنه لوّح في أكثر من محطة من محطات مؤتمره الصحافي، بأنه بعد انقضاء مهلة الأسابيع الستة سيكون لفرنسا موقف من العقد السياسي الجديد المطلوب للبلد.

تريث وترقب داخليان

وسط هذا المشهد، لم يتلقف الأفرقاء المحليون "بهدلة" ماكرون، فكانت ردود الفعل الصادرة عن أوساط الثنائي الشيعي محمّلة بالانزعاج والاستياء، فيما حرص رئيس الجمهورية ميشال عون على تأكيد تمسكه بالمبادرة خلال لقائه السفير الفرنسي برونو فوشيه، بالرغم من إدراكه أن المبادرة سقطت عملياً ودخلت البلاد في الجحيم الذي حذر منه قبل أيام. أما على ضفة الرئيس الأسبق للحكومة سعد الحريري ونادي رؤساء الحكومات السابقين، فالأجواء ليست أفضل حالاً، لاسيما أن الحريري نال قسطه من الاستياء الفرنسي بعدما حمّله ماكرون جزءاً من مسؤولية تعطيل مبادرته (بإدخاله شرط المداورة الطائفية في الوزارات، وتسمية المرشحين الشيعة، وهو شرط لم يرد في المبادرة).

بحسب المعلومات المتوفرة لـ "اندبندنت عربية"، فلا نية لدى رئيس الجمهورية لدعوة الكتل النيابية إلى إجراء الاستشارات الملزمة من أجل تكليف شخصية جديدة بتأليف الحكومة، ويعود هذا التريث إلى رغبة عون، كما نقل عنه زواره، في إجراء جملة من المشاورات والاتصالات لتبيّن المواقف الداخلية، انطلاقاً من رغبته في العودة إلى معادلة التأليف قبل التكليف، منعاً لتكرار تجربة مصطفى أديب. علماً أن هذه المعادلة تلقى رفضاً قاطعاً في الوسط السني باعتبارها تشكّل مساساً بصلاحيات رئيس الحكومة الذي يعود له دستورياً قرار التأليف بالتشاور مع رئيس الجمهورية.

وتريث عون يقود إلى خلاصة بينتها الحركة السياسية، الاثنين، ألا اتصالات ولا مشاورات حصلت أو ستحصل قريباً، فكل فريق متشبث بموقفه وعلى تصلبه، ولديه مراهنات على معطيات خارجية. 

الثنائي ينتظر أمر اليوم الإيراني، فيما رؤساء الحكومات والحريري تحديداً يحاولون اغتنام فرصة تبدل المزاج الغربي تجاه لبنان للقفز على الحزب وانتزاع نفوذه.

الثنائي: رفض لتحميله مسؤولية التعطيل

في أوساط الثنائي "أمل"- "حزب الله"، استياء عارم من كلام ماكرون الذي رمى كرة التعطيل كاملة في ملعبه، فيما يعتبر أن الحريري والرؤساء السابقين هم من وضع العصي في دواليب التأليف، مستفيدين من دخول العامل الأميركي على خط خرق المبادرة وإسقاطها عبر فرض العقوبات على الوزير السابق علي حسن خليل (المعاون السياسي لرئيس الحركة نبيه بري). ترفض أوساط رئيس المجلس التعليق على كلام ماكرون، واعتصمت بالصمت، فيما ترد أوساط الحزب بالدعوة إلى ترقب كلمة أمينه العام حسن نصر الله، الثلاثاء، والتي سيتضمنها موقف الحزب من المبادرة، علماً أن المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان كان مهّد هذا الموقف بوصفه كلام ماكرون بأنه "ظلم سياسي فادح"، مشيراً إلى أن المبادرة يجب "أن تعكس الثقل التمثيلي للمكونات السياسية، وعلى فرنسا ألا تكون منحازة".

الحريري: لست مرشحاً

أما على مقلب الرئيس الحريري، فلا تخفي أوساطه انزعاجها من الاتهام الذي وجهه إليه ماكرون محملاً إياه مسؤولية وضع شروط لم تكن مدرجة ضمن المبادرة الفرنسية، وقد أحرجت الرئيس الفرنسي ودفعته إلى الطلب من الحريري التراجع عنها. وبحسب هذه الأوساط، فإن موقف الحريري جاء انسجاماً مع طلب رئيس الجمهورية و"التيار الوطني الحر" وبكركي اعتماد المداورة الطائفية في توزيع الوزارات، كاشفة أن الثنائي كان موافقاً على هذا المبدأ، إلا أن العقوبات الأميركية على مسؤول في حركة "أمل" دفعته إلى التشدد.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتتحفظ الأوساط عن الإجابة عن السؤال في خصوص مدى ارتباط موقف ماكرون باتصاله بولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وما يمكن أن يكون سمعه منه، مشيرة إلى أن ما تناهى إليها أن الاتصال كان جيداً وهدفه البحث عن حل للأزمة في لبنان، لكن مصادر في قوى "الثامن من آذار" أشارت إلى أن الحريري سارع إلى إعلان عدم ترشحه لترؤس أي حكومة مقبلة على خلفية هذا الاتصال.

وفيما تضع أوساط نادي الرؤساء السابقين فشل المبادرة في خانة تحميل طهران مسؤولية تدخلها والحؤول دون تقليص نفوذها، ترد أوساط قريبة من الثنائي الشيعي بالقول إننا وقعنا في الخطأ الذي نصبه لنا الحريري، وأبناء الطائفة يستشعرون الاستهداف الخارجي المباشر لهم، وقد انضمت فرنسا أخيراً إلى الولايات المتحدة الأميركية في هذا الاستهداف.

لا حكومة قريباً

عليه، تستبعد هذه الأوساط أي حظوظ لتشكيل حكومة قريباً، جراء تعذر التفاهم على شكل الحكومة ورئيسها في ضوء عودة الكلام عن حكومة سياسية، مشيرة إلى أن عامل الوقت سيلعب لعبته، ويكون سيد الموقف في انتظار جلاء الانتخابات الرئاسية الأميركية التي على أساسها سيتبلور مصير المفاوضات مع إيران، وتتبلور ملامح التسوية في المنطقة. 

وفي الانتظار، سيكون أمام لبنان مرحلة قاسية وصعبة جداً في ظل تعثر حصوله على الدعم الدولي لإخراجه من أزمته الاقتصادية والمالية، ومده بالأوكسيجين الذي يضعه على سكة التعافي. وفيما تستمر عملية تقاذف المسؤوليات بين الفريقين المتنازعين على السلطة في لبنان، لا تستبعد الأوساط عينها أن تشهد البلاد مرحلة تصريف أعمال طويل يعيد تعويم حكومة حسان دياب، من دون أية قدرة على اتخاذ القرارات!

المزيد من تقارير