Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مصير منازل المشاهير في مصر بكاء على الأطلال

إنقاذ منزل نجاة الصغيرة وفيلا أم كلثوم تحولت إلى فندق وشقة سعاد حسني معروضة للإيجار

منزل الفنانة نجاة بات حديث الكثيرين بعد تعرضه للتصدع في حي الزمالك  (جامع الأرشيف مكرم سلامة)

من الزمالك إلى حدائق القبة مروراً بشارع النيل تزين منازل المشاهير شوارع وضواحي القاهرة، بعضها ظل مثل أعمالهم واقفاً يحكي قصتهم للعابرين، وبعضها بات أطلالاً، ولم يبق منه غير السيرة. بالطبع هم ليسوا بحاجة للجدران ولا قواعد الأسمنت كي تظل ذاكرتهم حاضرة، لكن المؤكد أن الجمهور هو الذي يحتاج إلى هذا الأثر. حيث إن بعض منازل مشاهير الفن والأدب في مصر مصيرها لم يكن سعيداً بالمرة.

حي الزمالك... منازل مشاهير الفن تحيط بك من كل جانب

17 شارع البرازيل بالزمالك، عنوان بات حديث الجمهور منذ نهاية يوليو (تموز) الماضي، وقبل أيام قليلة عاد للأضواء مرة أخرى بعد عودة سكان المبنى إلى شققهم من جديد حيث انتهت أعمال الترميم. القصة بدأت بعد تصدع عمارة الشربتلي وسط فزع سكانها والمحيطين بها، تأثراً بأعمال الحفر المجاورة حيث يجري العمل على خط مترو الأنفاق الجديد في منطقة الزمالك، والأمر أصبح أكثر درامية بعدما تم تداول صور، قال القاطنون في المكان إنها للفنانة نجاة الصغيرة، البالغة من العمر 82 عاماً، التي تعيش بالبناية منذ عشرات السنوات حيث ظهرت في الصور وهي تخفي وجهها وتجلس على كرسي أمام العمارة الضخمة بعد خروج جميع السكان خوفاً من تهدمها، كما ظهرت أيضاً الفنانة كوثر شفيق، أرملة المخرج عز الدين ذو الفقار، حيث مر على عمارة الشربتلي بالزمالك عدد كبير من كبار المشاهير بينهم كذلك محمود المليجي وعلوية جميل، بحسب ما توثقه لوحات مشروع "عاش هنا"، الذي يؤرخ لكبار المشاهير الراحلين بحسب أماكن سكنهم. قصة منزل الفنانة الكبيرة نجاة التي انتقلت منذ أزمة المبنى السكني للعيش في منزل ابنها الوحيد وليد، فتح من جديد ملف مصير بيوت المشاهير في مصر.

 

 

وعلى بعد عدة شوارع في الجانب المقابل من هذا العنوان كانت تعيش أيضاً سعاد حسني الأخت غير الشقيقة لنجاة، وسعاد بدورها سكنت في أكثر من منزل بالقاهرة الكبرى، أحدها كان فيلا بمنطقة الهرم بالجيزة، حينما كانت متزوجة من المخرج علي بدرخان، ولكن منزلها الأشهر هو شقة بشارع يحيى إبراهيم بحي الزمالك، حيث قضت فيها أغلب سنوات عمرها، مع عائلتها في بعض الأوقات وكذلك مع آخر أزواجها السيناريست ماهر عواد. سعاد حسني، التي كانت تتمتع بعلاقات طيبة وودودة مع السكان ومع أصحاب المحال بالشوارع المحيطة، ظلت محتفظة بالمنزل، وبعد رحيلها قبل 19 عاماً حاول ورثتها كذلك الحفاظ عليه، ولكن في النهاية تمكن صاحب العقار من الحصول عليه، خصوصاً أن السندريلا كانت تعيش في شقة بالإيجار، فالبيت لم يكن ملكها، وكان إيجاره زهيداً جداً، وفقاً لقانون الإيجار القديم في مصر، والآن شقة سعاد حسني بعد إفراغها من محتوياتها، تؤجر بالمدة القصيرة بمبالغ طائلة.

على بعد مسافة قصيرة من منزل سعاد حسني، وتحديداً بشارع أبو الفدا الشهير بالزمالك، قصة أخرى حزينة تثير الأسى لفيلا كوكب الشرق السيدة أم كلثوم، التي كانت من طراز رفيع مكونة من ثلاثة طوابق، صممها المعماري المصري علي لبيب جبر، ولكن كل ذكريات أم كلثوم بين جنبات منزلها الذي قضت فيه أكثر سنوات تألقها الفني، تخلى عنها ذووها، حيث بيع العقار لأحد المستثمرين، والنتيجة أن فيلا أم كلثوم تحولت إلى أطلال، وتم هدمها وإنشاء فندق مكانها، حيث في النهاية انتصر القرار الأكثر إزعاجاً لمحبي سيدة الأغنية العربية، ولم يبق منها في الشارع المطل على النيل سوى تمثالها واسم الفندق، كما أن منزلها بمسقط رأسها بطماي الزهايرة بمحافظة الدقهلية، بات شبه أطلال أيضاً.

 

 

وعلى ذكر أم كلثوم فحبيبها الصامت الشاعر أحمد رامي، لم يسلم منزله من مصير مشابه، فرغم أن العقار الذي كان يعيش فيه لا يزال قائماً بمنطقة حدائق القبة، ولكن حينما يأتي ذكر فيلا أحمد رامي، على الفور يتبادر إلى الذهن صورة قاتمة لعقار آيل للسقوط ونصفه متهدم، ولا ينتبه أحد لقيمته، حيث يشهد العقار الذي يقع بمنطقة حدائق القبة بالقاهرة، نزاعاً كبيراً من قبل الورثة والنتيجة، أن الفيلا المهجورة تتضاءل فرصها يوماً بعد آخر في الصمود وعلى الأغلب سوف يكون مصيرها مثل مصير فيلا أم كلثوم. 

 في المقابل تتزين شقة العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ بحي الزمالك لاستقبال محبيه دوماً، حيث حافظ ورثته على العقار، ويفتتح محل إقامة الفنان الراحل لمحبيه للزيارات في ذكرى الميلاد والرحيل، حيث يتركون رسائلهم له، وعبارات التقدير ودعوات الرحمة، وقد حرص عدد كبير من نجوم الفن مثل عمرو دياب وتامر حسني وسميرة سعيد، وغيرهم على زيارة منزل عبد الحليم ليعبروا عن سعادتهم بأن يسترجعوا ذكرياتهم مع أغنياته من خلال مقتنياته الخاصة. فجميع تفاصيل المنزل على حالها كما تركها حليم، كما لا يزال منزل الموسيقار محمد عبد الوهاب بالزمالك أيضاً كما هو حيث يحافظ عليه أبناؤه بهياً كما كان.

 

 

متحف الشاعر أحمد شوقي... هكذا تم إنقاذ القصر

ويعتبر المنزل الأخير الذي عاش به أمير الشعراء أحمد شوقي أيضاً، من منازل المشاهير التي نجت من لعنة الهدم والتخلي، حيث تحول إلى متحف يضم كتبه ومقتنياته ومخطوطات بخط يده بالإضافة إلى أوسمته وجوائزه، وكذلك أسطوانات نادرة بصوت موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب الذي قدمه شوقي للساحة، وتم تأسيس المتحف منذ عام 1977، أي بعد 45 عاماً من وفاة أحمد شوقي، ولا يزال مفتوحاً للجمهور وهو يقع على نيل القاهرة بمنطقة الجيزة. ويحاط بحديقة باهرة، فيما المبنى باللون الأبيض ويشبه في طرازه القصور الملكية الفخمة.

وفي محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من إرث عقارات نجوم الزمن الماضي في شتى المجالات في مصر، انطلقت مبادرة قبل ثلاثة أعوام ونصف العام من قبل الجهاز القومي للتنسيق الحضاري، وهي "عاش هنا"، وتهتم المبادرة بتوثيق بيوت المشاهير عن طريق لوحات معدنية ومعلومات دقيقة، وهي إن كانت مبادرة تبدو قيمتها الأولى في التوثيق ولكنه هدفها الأول هو نشر الوعي بقيمة تلك العقارات، فالوعي الجمعي هو حائط الدفاع الأول عن تلك المنازل، فحينما يعرف سكان المنطقة قيمة عقار قديم يحمل اسم واحد ممن صنعوا وشكلوا وجدانهم فالأمر سيختلف كثيراً، وهو الرأي الذي تؤكده هايدي شلبي، مدير إدارة الحفاظ على المباني والمناطق التراثية في الجهاز القومي للتنسيق الحضاري، إذ تقول، "الهدف الأساس بالطبع هو التوعية، وكلما زاد الوعي بقيمة تلك العقارات زادت قاعدة الراغبين في الحفاظ عليها، لأننا في رحلة توثيقنا المستمرة نفاجئ أن حتى حراس تلك المنازل لا يكون لديهم أي فكرة عن قيمة من عاش بها سابقاً من مبدعين، نظراً لأن الحراس من الأجيال الجديدة وأغلب من عاصروا المشاهير رحلوا، والآن أصبح اسم المبدع دعاية كبيرة للشارع وأصبحت تعرف المنطقة باسمه من جديد".

 

 

منزل جديد لأ كلثوم في مبادرة "عاش هنا"

وكشفت هايدي شلبي لـ"اندبندنت عربية" أنه جارٍ توثيق منزل لأم كلثوم بدلاً من الذي تهدم، وذلك بعد التحقق منه، حيث إنه منزل عاشت به كوكب الشرق قبيل الانتقال لفيلتها الشهيرة، وسيتم وضع اسمها قريباً على أحد العقارات ضمن مشروع "عاش هنا"، ولفتت كذلك إلى أنه يتم اختيار المنزل الذي شهد السنوات الأكثر إبداعاً للشخصية العامة، أي الذي عاش به فترة أطول من حياته حينما بدأ مسيرته المهنية.

تقول مدير إدارة الحفاظ على المباني والمناطق التراثية في الجهاز القومي للتنسيق الحضاري، "نتوسع في المبادرة شيئاً فشيئاً، ونحن حالياً نعمل في عدة محافظات بينها القاهرة والجيزة والقليوبية والغربية والإسكندرية، وقد وضعنا أكثر من 300 لوحة، والمبادرة تحمل شراكة وبرتوكول تعاون مع مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الورزاء، وكانت البداية بالأماكن التي عاش فيها المبدعون منذ نهاية القرن الـ19 وحتى بداية القرن العشرين، والأمر الآن شمل مشاهير في حقب زمنية أحدث، حيث نهتم بالشخصيات التي أثرت الحياة في مصر بمساهماتها سواء كانوا فنانين أو أدباء، أو شيوخاً أو أطباء أو مذيعين وسياسين، أو رياضيين، أو فلاسفة، أو مهندسين وغيرهم، والحقيقة أننا نستغرق وقتاً وجهداً كبيرين من أجل توثيق كل معلومة، فمثلاً نحن نحضر لوحة خاصة جداً في الوقت الحالي لعمارة الإيموبيليا الشهيرة بوسط القاهرة التي عاش فيها أكثر من عشرين شخصية فنية وأدبية، حيث كانت هناك لوحة على مدخلها غير موثقة أزيلت، وجارٍ الآن العمل على لوحة جديدة تحمل تواريخ وأسماء محددة ودقيقة لمن عاشوا بها".

المزيد من منوعات