Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"أكاذيب استراتيجية"... أسلوب سياسي ناجح لإثارة الانتباه

صمم هذا النوع من الكذب بغرض واحد هو التأثير، وهذا لا يتحقق فقط من خلال الإدلاء به، ولكن أيضاً، للمفارقة، من خلال دحضه

زملاء بوريس جونسون في حزب المحافظين متهمون بالكذب الاستراتيجي لترجيح كفة بريكست (أ ف ب)

عندما يتم الكشف عن كذب أحد السياسيين، فإن الأمر لا يرتبط تحديداً بـ"حجز عامود على الصفحة الأولى" في الصحف. لكن ماذا عندما يكذب حزب سياسي بأكمله، وليس على طريقة ترمب الارتجالية، بل كجزء من إستراتيجية تواصل مخطط لها؟

بالنظر إلى تجربتي كصحافي وكرجل علاقات عامة والآن كأكاديمي، خطرت لي الفكرة في بادئ الأمر عندما شاهدت الفيديو المزيف الذي نشره المحافظون عند انطلاق الحملة الانتخابية الأخيرة، الذي أظهر كير ستارمر (رئيس حزب العمال حاليا، والمتحدث وقتها باسم الحزب بشأن بريكست) وهو لا يستطيع على ما يبدو الإجابة عن سؤال عن سياسة حزبه تجاه الاتحاد الأوروبي.

لم يكن مستغرباً أن يأتي الرد فورياً تقريبا من خلال نشر المقابلة الأصلية، التي لم يواجه فيها ستارمر أي مشكلة في الإجابة عن السؤال. لذا، ماذا كان الهدف من نشر الفيديو المزيف الأصلي؟

بمناقشة الأمر مع الدكتورة كارولين فيشر (وهي زميلة أسترالية لديها تجربة مهنية مماثلة لتجربتي)، توصلنا إلى فكرة "الكذبة الإستراتيجية". وهذه كذبة يمكن دحضها بسهولة، في حال كان ذلك جزءاً من الخطة. ولقد صُممت الكذبة الإستراتيجية أساساً لإحداث تأثير، وهذا يتحقق ليس فقط من خلال الكذبة نفسها ولكن أيضاً، للمفارقة، من خلال دحضها.

وباتباع مقولة أوسكار وايلد (الكاتب البريطاني) الشهيرة التي تفيد بأن "هناك شيئاً واحداً فقط أسوأ من حديث الآخرين عنك، وهو ألا يتحدث عنك أحد"، فإن الهدف من الكذبة الإستراتيجية هو جعل موضوعها مادة إخبارية رئيسة، أي في هذه الحالة، (إظهار) التخبط المفترض لحزب العمال بشأن البريكست. وتلعب وسائل التواصل الاجتماعي الآن دوراً في عملية التواصل السياسي يجعل من هذه العملية خدعة فعالة للغاية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبمزيد من التفكير في بريكست، يمكننا رؤية مدى نجاح هذه الإستراتيجية مع الشعار القائل بأننا "نرسل 350 مليون جنيه إسترليني إلى الاتحاد الأوروبي " (أسبوعياً). ودحض هذا الشعار بسهولة وبشكل متكرر، وهذا، أي دحضه، كان متوقعاً. وتجدر الإشارة إلى أن (مستشار جونسون) دومينيك كامينغز، الذي قاد حملة بريكست، كتب في مدونته أن الشعار قد صُمم "لإثارة الجدل بين الناس... وهذا الأمر نجح بشكل أفضل بكثير مما توقعته". وقد وصف بشكل متواضع ذلك الادعاء بأنه "خدعة تواصل رائعة". وفي دراسة لأساليب كامينغز، لاحظ فيليب بول (وهو محرر سابق لمجلة "نيتشر" العلمية المرموقة)، أن نهج كامينغز في الحملات الانتخابية يتمثل على ما يبدو في "... مجرد نشر الأكاذيب أو التلاعب بالفيديوهات، على سبيل المثال، من دون الاكتراث بالتداعيات".

يمكن للمرء أن يرى هذا عملياً في بداية حملة بريكست، عندما استهل توم برادبي من قناة "أي تي في نيوز" نشرة الساعة العاشرة في مقابلة مطولة مع بوريس جونسون أظهر فيها برادبي بصورة شاملة الطبيعة الخاطئة للادعاء. لكن بالنسبة إلى كامينغز، يمكن اعتبار ذلك بمثابة انتصار، حيث تم تخصيص الدقائق الخمس الأولى من نشرة إخبارية وطنية أساسية لمناقشة الادعاء بشأن الـ 350 مليون جنيه إسترليني أسبوعياً (يدعي مناصرو بريكست أن بريطانيا كانت تدفعها للاتحاد الأوروبي).

إن ما يُعزز فعالية الكذبة الإستراتيجية بشكل كبير هو أن جميع أبحاث علم النفس السياسي تشير إلى أنه بمجرد ما تُغرس فكرة ما في ذهن الجمهور بطريقة مؤثرة، فإنه يصعب تغييرها. كما أن الاضطرار لقبول الحقائق التي تتعارض مع أحكامنا المسبقة يؤدي إلى التنافر المعرفي، وهو أمر نسعى جميعاً إلى تجنبه. وفي الواقع، كلما واجه مؤيدو الأحزاب السياسية المزيد من الردود، فإنها تتعزز لديهم الادعاءات الأصلية، وهذا ما يسمى بــ"تأثير النتائج العكسية".

يمكن أيضاً استخدام الكذبة الإستراتيجية لإخراج موضوع غير محبذ من أجندة الأخبار، وهذا ما يسمى "إستراتيجية القط الميت" dead cat strategy (المنسوبة إلى الإستراتيجي السياسي الأسترالي لينتون كروسبي)، أي أنه لا أحد سيتذكر موضوع الحديث إذا سقطت فجأة قطة ميتة على الطاولة، من مكان مجهول على ما يبدو.

ومن الأمثلة على ذلك ما حدث خلال الانتخابات العامة لعام 2015 عندما أشارت استطلاعات الرأي إلى أن حزب العمال قد يأتي في المقدمة، ثم فجأة اتهم أحد المحافظين البارزين زعيم حزب العمال بالتخطيط للتخلص من الردع النووي البريطاني. وعلى الرغم من غياب أي خطة بهذا الشأن، فقد حوَّل ذلك الادعاء محور أجندة أخبار الحملة إلى شؤون الدفاع الوطني، الذي كان أحد الموضوعات الرئيسة في الحملات الانتخابية للمحافظين، بعيداً عن أخبار تقدم حزب العمال في استطلاعات الرأي.

لذا، فإنه في المرة القادمة التي تسمع فيها سياسياً يقول شيئاً منافياً للصواب بصورة واضحة، لا تقل فقط إن ذلك مجرد كذب، بل انظر وراء الكذبة واسأل نفسك، كما فعل تاليران (السياسي ووزير الخارجية الفرنسي في عهد نابوليون) عندما أخبر عن وفاة [الديبلوماسي النمساوي البارز ] ميترنيخ Metternich، "أتساءل ما الذي يقصده بذلك".

(إيفور غايبر هو أستاذ الصحافة السياسية بجامعة ساسكس. في السابق، عندما لم يكن يعمل كصحافي في BBC و ITV و Channel Four و Sky News، عمل مستشاراً سياسياً غير مدفوع الأجر)

© The Independent

المزيد من آراء