Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الشعوب تطلب السلام بالفطرة

اليوم العالمي لهذه المناسبة يأتي بظل بعض التفاؤل

هناك نظريات متعددة عند المفكرين للوصول الى السلام الحقيقي (غيتي)

21 سبتمبر (أيلول) هو اليوم العالمي للسلام الذي حددته الجمعية العامة للأمم المتحدة، قد يدعو الأمر للضحك أو السخرية لدى البعض، ولكنه سيعني الكثير لمن يطمحون إلى تحقيق السلام في العالم، كثيرون يعتبرون أنه لا حاجة للتذكير بالسلام العالمي أو الاحتفاء به سنوياً طالما أن السلام لم يحلّ يوماً منذ استقرار البشر في أرض ووطن، وطالما أن الحروب والنزاعات والأطماع وحبّ السيطرة واستهداف الثروات واستعمار الدول القوية الدول الضعيفة واحتلال الأرض وانقسام العالم بين دول متقدمة ومتطورة وغنية، ودول نامية أو متخلفة أو عالمثالثية، ثم التعصّب القومي والشعبوي والعنصرية على أساس العرق والدين واللون، كلها ما زالت سارية المفاعيل حتى اليوم في العقد الثاني من القرن الـ 21.

كل الطرق تؤدي إلى السلام

أصحاب هذا الرأي ليسوا متشائمين أو مغالين باعتراضهم على الاحتفال بالسلام غير الموجود أو المفقود أو الذي لا يكون عادة إلا فترة استراحة بين حربين، فهم ربما بتشاؤمهم واعتراضهم إنما يعبّرون عن رغبتهم في تحقيق السلام في العالم، ويزعجهم ويقلقهم أنه لا يتحقق، وهؤلاء هم جماعات من اليساريين المنتشرين في العالم ومن الجمعيات البيئية ومن مؤسسات المجتمع المدني الرافضة للحكومات الراهنة وللأنظمة السياسية التي تحكم العالم وفق مفاهيم المصلحة الخاصة والضيقة، وعبر استغلال الطرف الأضعف، ووسائل اعتراض هؤلاء كثيرة، تبدأ من التظاهرات مثل حركة "أوقفوا وول ستريت" في الولايات المتحدة الأميركية، مروراً بالقرصنة على شبكة الإنترنت لبثّ ما يروّجون له، أو لتعطيل أعمال الحكومة وسياساتها التي يرونها سبباً في تراكم الحروب ودوامها، وصولاً إلى كشف أسرار عمل الدول وشراكتها في ما بينها كما فعل مؤسس ويكيليكس جوليان أسانج وزميله إدوار سنودن وغيرهما كثيرون ممن لم يشتهروا كثيراً عبر وسائل الإعلام، وقاموا بمثل هذه الأعمال، أي سرقة أسرار الحكومات الدبلوماسية ونشرها لجعل المعلومات ملكاً للعامة وشعوب العالم أجمع.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

رأي مختلف

الداعمون لليوم العالمي للسلام يملكون رأياً مختلفاً، وهم مجموعات أصحاب آراء مختلفة، الرأي الأول يقول إنه لا بد من التذكير بأهمية السلام العالمي في كل وقت وأينما أمكن، لأن السلام ليس مفهوماً مطلقاً ومسلّماً به بين البشر، بل هو مفهوم يحتاج إلى الدعم الدائم للتذكير به وللمساهمة بتحقيقه، وهؤلاء يمثلون مؤسسات الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية كالصليب الأحمر وغرينبيس البيئية والمؤسسات الحكومية التابعة للاتحاد الأوروبي التي تعمل من أجل نشر مفاهيم السلام ومحاولة تحقيقه على أرض الواقع، إما بالمساعدة في وقف الحروب، وإما بتضميد الجراح التي تسببت بها الحروب عبر المساعدات المادية والعينية والتواجد على أرض المعركة.

والقسم الثاني من الداعمين لليوم العالمي للسلام، هم الذين يعتبرون أن السلام هو من فطرة البشر وغريزتهم، وأن سكان المعمورة يطمحون داعمين للوصول إلى السلام والعيش بأمان وطمأنينة وتحقيق السعادة والرفاه والفرح، وهؤلاء يعملون على تحقير الحروب والتنظير لزوالها، واعتبار أن المستقبل لا بد سيكون للسلام فقط بعد أن يصل البشر إلى ذروة تطورهم ومعرفتهم بأنفسهم وبعلاقتهم بالطبيعة والأرض التي يعيشون عليها، وهؤلاء هم من بقايا جماعات "الهيبيز" وعدد كبير من الفنانين والأدباء ينتشرون في مختلف دول العالم.

السلام بواسطة الحرب

وبين هذين النوعين من الداعين إلى السلام، هناك نوع ثالث وهو الأكثر قدماً وانتشاراً على مستوى العالم في التاريخ وفي الجغرافيا، هؤلاء هم أصحاب النظرية التي تقول إن السلام لا يأتي إلا بالحرب، أي أن تحقيق الخير يستدعي محاربة الشر، وطالما أن الخير والشر هما جزء من الطبع البشري وغريزته، فإن الحرب ستكون حاضرة دائماً لإحلال السلام، حتى اللحظة التي يصبح الخير أقوى من الشر أي مسلحاً بأقوى الأسلحة ويمكنه تهديد الأطراف الشريرة بكل ما أوتي من قوة لردعها. وهذه سياسة تتبعها دول كثيرة، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية الدولة التي تصف نفسها قوة الخير الأقوى في العالم التي تواجه قوى الشر، التي تكون الشيوعية أحياناً أو الإرهاب أحياناً أخرى أو الأنظمة الديكتاتورية، وغيرها.

وقد جاء في التاريخ الفرعوني ما يدلل إلى اتّباع هذا النوع من السياسة لتحقيق السلام، في قول الإله المصري "بتاح" لرمسيس الثاني (1279-1213 ق.م.)، "لقد حدّدت لك القوة والنصر بقوة سيفك في كل أرض. عيونهم على سيفك القوي. رعبك أبثّه في كل قلب. لقد جعلت الخوف منك في كل بلد. الخوف منك يطوق الجبال، والملوك ترتعش من ذكرك. يأتون إليك، يصرخون معاً، نتوق إلى السلام معك".

ريتشارد فون السياسي الأميركي المساهم في إعادة بناء أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، كان رأيه أكثر وضوحاً بعد انتهاء الحرب حول كيفية تحقيق السلام، بقوله "لم يعد من الممكن تصوير ملاك السلام الجديد كسيدة ساحرة لكنها عاجزة وبيدها غصن الزيتون، ولكن مثل رئيس الملائكة ميخائيل، مع سيف ناري وأجنحة من الفولاذ، ومحاربة الشيطان لاستعادة سلام السماء وحمايته. هكذا يجب تحقيق السلام على الأرض أيضاً".

بوادر السلام في الشرق الأوسط

في خضم كل هذه الآراء حول السلام لا بدّ من القبول بالدور الضئيل الذي يمكن للأمم المتحدة أن تمارسه من أجل السلام العالمي، أي بالاحتفاء باليوم الدولي للسلام سنوياً في جميع أنحاء العالم في 21 سبتمبر والدعوة إلى هدنة ووقف لإطلاق النار بين المتحاربين خلال 24 ساعة.

فمنظمة الأمم المتحدة تمثّل المجتمع الدولي في النهاية، وما يمكنها القيام به هو ما يسمح لها به هذا المجتمع الممثل في الجمعية العامة، على الرغم من أن قرارات الحروب والسلام تتخذ في مجلس الأمن الذي يضم 15 عضواً، خمسة منهم أعضاء دائمون ويملكون حق النقض "الفيتو" الذي يمكّن كل دولة منهم من تعطيل اقتراحات الدولة الثانية، في كل الشؤون وخصوصاً المتعلقة بالسلام والحرب. وقد دعا سياسيون كثيرون إلى إلغاء حق "الفيتو" الذي يعرقل عمل الأمم المتحدة، بل ودعا الرئيس الحالي للولايات المتحدة دونالد ترمب، إلى إغلاق "هذه المؤسسة الفاشلة" بأكملها، وهناك بعض الدول كألمانيا والهند والبرازيل تطالب بالحصول على حق "الفيتو" بدورها لخلق توازن داخل المنظمة العالمية.

لكن لا بدّ من القول إن اليوم العالمي للسلام هذا العام يصل في ظل بعض التفاؤل، ومنها اتفاقات السلام التي تعقد بين دول عربية وإسرائيل، وهذا ما سيساهم في تخفيف الاحتقان في منطقة الشرق الأوسط وربما الدفع نحو سلام شامل فيها. أما المناسبة الأهم فهي وصول هذا اليوم مترافقاً مع استمرار كورونا في تفشيه العالمي الشامل والكامل والذي لا يتوقف موجة تلو موجة، أما أهمية هذا الأمر فهو أنه يعلمنا، كما قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في رسالته السنوية، "عدونا المشترك هو فيروس لا يكلّ في تهديده صحتنا وأمننا ومعيشتنا. لقد وضعَنا هذا الفيروس في حالة من الاضطراب والاتحاد، وذكّرنا بأن ما يحدث في جزء واحد من الأرض يمكن أن يؤثر في كل الناس وفي كل مكان".