Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عندما لحّن سكريابين "بروميثيوس" في قصيدة النار وأطرب الروس

ابتكارات صاخبة وأضواء تحركها الموسيقى لأفكار غيبية متصوفة

لوحة تمثل سكريابين وهو يقود الفرقة الموسيقية (غيتي)

طوال الحقبة التي ساد فيها التيار الرومانطيقي في الفنون والآداب بل حتى في الفلسفة أيضاً، سار كثر من المبدعين على خطى بيتهوفن في الموسيقى واللورد بايرون في الشعر مفتتنين بشخصية بروميثيوس التي وجدت دائماً من ينبهر بها منذ اللحظة التي سرق فيها النار وحلّق بعيداً في التمرد الإنساني على آلهة الأولمب. وسوف تطول اللائحة كثيراً إن نحن حاولنا هنا أن نذكر أسماء المبدعين الذين خصّوا بطل الإنسانية الأول في التاريخ، بعمل من نتاج عبقريتهم. ومع هذا يبقى الموسيقي الروسي سكريابين حالة استثنائية في قطعته الرائعة التي جعل عنوانها "بروميثيوس أو قصيدة النار"، وذلك بالتحديد لأنه فيما انهمك العدد الأكبر من مبدعي الأعمال البروميثيوسية في التركيز على إنسانية هذا البطل، أصر سكريابين على أن يطبع موسيقاه المتحدثة عن سارق النار بطابع صوفي غيبي. لن نقول هنا أنه أفرغ الشخصية من مضمونها، لكنه بالتأكيد سار بها في اتجاه آخر تماماً جاعلاً من النار رمزاً ليس لتمرد البطل على الآلهة، بل لمحاولته الوصول إلى صفوفهم. ويقيناً أن الفارق كبير بين الحالين.

لقد جعل سكريابين من "بروميثيوس" بطلاً لقصيدة سيمفونية يستغرق عزفها أكثر من عشرين دقيقة لحنها بين عام 1908 و1910 محاولاً أن يجعلها في موقع وسط بين القصيدة السيمفونية على النمط الذي أبدع فيه فرانز ليست (في مفيستو-فالس، مثلاً)، والكونشرتو للبيانو والأوركسترا على خطى تشايكوفسكي. غير أن سكريابين نظر في حقيقة الأمر إلى أبعد مما تطلع إليه زميلاه، حيث نجده يكتب عمله بشكل لا يمكن أن يؤدي إلا من طريق أوركسترا تليق بأي عمل سيمفونيّ متعدد الحركات. بل إننا لن نبالغ إن ذكرنا أن سكريابين أصر على أن يتفرد تقديم هذا العمل بتقنية لم يكن قد سبقه إليها أحد، وفي مجالات أخرى، كهاندل في الموسيقى التي وضعها للألعاب النارية. ومن هنا كان تقديم "قصيدة النار" أول استعراض لما صار يعرف لاحقاً بالصوت والضوء، أي بالعزف الأوركسترالي الذي تصاحبه "إيقاعات" إضاءة على النمط الذي سيشتغل عليه لاحقاً يانيس خيناكيس وتلميذه جان - ماري جار الذي قدم عرضاً في بيروت أوائل تسعينيات القرن العشرين أثار سجالات كبرى.

عشرون دقيقة من الابتكارات الصاخبة

المهم، خلال الدقائق العشرين التي قدم فيها سكريابين تبجيله الموسيقي لبروميثيوس واصلاً به إلى قمة الأولمب بواسطة أوركسترا تضم في أعضائها العازفين أكبر تنويعة ممكنة من الآلات، إضافة إلى بيانو منفردة وآلة أرغن ضخمة تتولى هي، بتقنية كانت مبتكرة في ذلك الحين بعلاقتها مع الكهرباء، تشغيل الأضواء في سماء القاعة، من دون أن ننسى الكورال الضخم الذي كان يبث أصواتاً بشرية بين الحين والآخر مهمتها السموّ بالبطل إلى أعلى الذرى. لكن سكريابين لم يكتف في الحقيقة بتلك التجديدات أو التنويعات على ما كان موجوداً من قبله فأحدث فيه تعديلات اعتبرت من قبيل الحنون، بل إنه تجاوز ذلك للاشتغال على تقنية الستة أصوات مقسمة على أرباع مطبوعة فوق بعضها البعض ما مهّد بعد سنوات قليلة لظهور نوع بالغ التطور من ذلك الابتكار سيكون في أساس الموسيقى الإثني عشرية. أما الجناس الذي ولّف به ذلك كله فكان من الطبيعي أن يسميه "جناساً توليفيّاً" أو حتى "جناساً صوفيّاً" وهذا الأخير بالتطابق مع تلك النزعة الصوفية التي كانت قد بدأت تهيمن على أفكاره في ذلك الحين والتي يبدو واضحاً أنها كانت في خلفية استيحائه هذا العمل.

حداثة تقرب من الجنون!

مهما يكن حتى من دون تلك "التجديدات" التي اعتبرت جنونية في ذلك الحين، يُنظر إلى ألكسندر سكريابين عادة، كواحد من أوائل الذين أسهموا في تحديث الموسيقى الروسية، أي في فتح هذه الموسيقى على رياح العصر، كما كان يعبر عنها شوبان في بولندا وريتشارد شتراوس في برلين والمدرسة الانطباعية (ديبوسي وسان سانس) في فرنسا. ومن هنا يعتبر المكمل الطبيعي لما بدأه تشايكوفسكي وآرنسكي من قبله، وإن كان يعتبر متجاوزاً لهما في مجال تطبيق هذه الحداثة التي أدخلت الموسيقى الروسية إلى العالم.

فإذا أضفنا إلى هذا أن سكريابين قد عرف كيف يمزج شتى أنواع الرومانطيقيات التي تأثر بها بالفولكلور الروسي، أمكننا أن ندرك الدور الكبير الذي لعبه في مسار الموسيقى الروسية، وكيف أنه كان الممهد الأساسي لولادة الأساليب الأكثر حداثة على يد شوستاكوفيتش ورخمانينوف وبروكوفييف.

ولد ألكسندر سكريابين في موسكو في 1871، وهو سيموت في تلك المدينة نفسها في أبريل (نيسان) 1915. ومنذ طفولته أبدى اهتماماً بالموسيقى، لا سيما بالعزف على البيانو، ومن هنا حتى حين التحق، بناء على مشيئة أهله ذوي التوجهات العسكرية، بكلية الضباط ليصبح جندياً، التحق في الوقت نفسه بالكونسرفاتوار، حيث أضحى تلميذاً لسافونوف وآرنسكي. وفي 1892، حين تخرج سكريابين من الكونسرفاتوار، كان قد بدأ التأليف الموسيقي فعلاً وكتب للبيانو تلك المقطوعات التي ستشتهر بسرعة وتحمل، في سلسلة أعماله، الأرقام 1، 2، 3، 5 و7.

أما الحفل الأول الذي أقامه في سانت بطرسبرغ وعزف خلاله أول أعماله فقد حقق له على الفور شهرة لا بأس بها وضعته على اتصال مع الناشر الموسيقي بلياييف، الذي راح منذ ذلك الحين ينشر له أعماله، وينظم له حفلات عزف في شتى مدن أوروبا الغربية. وهكذا كان سكريابين لا يزال في مستهل شبابه حين بدأ يغزو عالم الموسيقى، وشرع الهواة يتعرفون عليه كمؤلف للبيانو خاصة، وكعازف من طراز رفيع.

وبين 1898 و1903، وإضافة إلى اشتغاله الدائب على كتابة المقطوعات، درّس سكريابين في الكونسرفاتوار الموسكوفي نفسه الذي كان قد تخرج منه. لكنه سرعان ما سئم التدريس في 1903 وقرر أن يفرغ نفسه للتأليف. وهو لتحقيق تلك الغاية آثر أن يبتعد عن موسكو، فأقام في سويسرا يستلهم طبيعتها أبعاداً ميتافيزيقية هو الذي كان منذ 1900 قد بدأ يهتم بالفلسفة الغيبية الميتافيزيقية، لدرجة أن سيمفونيته الأولى التي كتبها في ذلك العام، حملت أغنية كورالية في نهايتها، أتت نشيداً لمجد الفن بوصفه ديناً أو جزءاً من الدين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تطور الروح ووحدة الوجود

في سويسرا أكمل سكريابين سيمفونيته الثالثة "السيمفونية الإلهية" التي قُدمت في باريس للمرة الأولى في 1905. ومنذ ذلك الحين بدأ الدارسون ينظرون إلى انتظام سكريابين في تأليفه لموسيقاه على أنها موسيقى تعكس في تدرجها "تطور الروح الإنساني من التعددية الإلهية إلى وحدة الوجود والغيب".

ومنذ تلك اللحظة، على أي حال، لم يكفّ سكريابين عن رفد موسيقاه بطابع ديني صوفي لا لبس فيه، تشهد على هذا خاصة مقطوعتاه الشهيرتان "قصيدة النشوة" التي قدمت للمرة الأولى في نيويورك (1908) و"بروميثيوس" (1910).

بين 1906 و1907 جال سكريابين في مدن أميركية عدة. لكنه عاد من العالم الجديد أكثر إيماناً بالتصوف الديني، وهكذا راح وهو يعيش في بروكسل في 1908 يرتاد حلقات صوفية كانت منتشرة هناك في ذلك الحين. لكنه في 1909 وجد تشجيعاً من لدن قائد الأوركسترا وصديقه كوسفتزكي للعودة إلى موسكو. إلا أنه في تلك اللحظة لم يكن مستعداً للتخلي عما وصل إليه من تفكير صوفي إيماني، بل كان لديه مشروع أساسي للمزاوجة بين الشعر والموسيقى والألوان والرقص في سبيل خلق فن شمولي يضع نفسه في خدمة الإيمان الصوفي وطقوس الأسرار الغيبية. ووصل به الأمر إلى الإعلان عن أنه هو نفسه "المسيح" العائد، واضعاً موسيقاه وإنجازاته الفكرية في خدمة ذلك الهدف، فيما صار له أتباع خارج إطار الحلقة المعنية بموسيقاه. لكن هذه "العودة" لم تدم طويلاً، إذ سرعان ما رحل عن عالمنا في العام التالي لإعلان نفسه "مسيحاً عائداً". وبسرعة نسي الناس أجواءه الصوفية وأفكاره الغيبية ليتمسكوا فقط به كموسيقي حديث ومعاصر كتب لروسيا أجمل ما أنتجته من موسيقى في ذلك الزمن، ومهد لثورة موسيقية حقيقية ربطت القديم بالحديث، والغيب بالواقعي، والرمزي بالرومانسي، وفن الموسيقى نفسه بفن الألوان والشعر والرقص.

المزيد من ثقافة