Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

طفرة في الإذاعات المجتمعية باليمن رغم الحرب

أنهت الاحتكار الحكومي وأصبح للمستمع الخيار في الفوز بذائقته السمعية

الإذاعات الشبابية أضافت نكهة عصرية وتجديداً في العمل الإذاعي اليمني (اندبندنت عربية)

طفرة إعلامية تشهدها المحافظات اليمنية تتمثل في انتشار العشرات من الإذاعات المجتمعية التي تطغى عليها الروح الشبابية، في ظل تراجع ملحوظ للإذاعات الحكومية المركزية والإقليمية، بخاصة منذ اندلاع الحرب قبل خمس سنوات. وبحسب مختصين، تبدو المنافسة شديدة بين هذه الإذاعات، وتبقى لكل إذاعة نكهتها ورسالتها مع مواكبة الإعلام الجديد، والعهد الجديد للإذاعات التي لم تعد المطلب الوحيد للجمهور، في ظل فيضان وسائل الإعلام الجديد الرقمي والمتعدد.

 من هنا كانت البداية

 من سطوح إحدى العمارات الشاهقة في مدينة المكلا، وتحت أشعة الشمس، وبدعوات السلام والمحبة والتسامح، أطلق شباب حضارم في يونيو (حزيران) من عام 2016 راديو نما الشبابي .

وفقاً لمالك ومدير عام إذاعة نما الشاب مجدي بأزياد، ""بدأت تجربة نما برصيد صفر من الإمكانيات، وعدم وجود ميزانية مالية لتسيير العمل، لكن العشق والحب للعمل الإذاعي كان واضحاً في وجوه شباب راديو نما الذين كانوا حريصين على إنجاز هذه المبادرة الشبابية التي تركت بصمة في المجتمع الحضرمي، كونها أول صوت إذاعي شبابي نافس الإذاعة الحكومية- إذاعة المكلا- وغير المفهوم التقليدي للإذاعة، الأمر الذي أكسب شباب هذه الإذاعة حضوراً ومتابعة من الجمهور، الذي كان تواقاً لإعلام جديد" .

 يتطرق بأزياد في حديثه إلى "تعدد اهتمامات الإذاعات المجتمعية في حضرموت، فهناك إذاعات اهتمت بالقطاع الصحي مثل إذاعة سلامتك، وهناك إذاعات اهتمت بقضايا المواطن، وأخرى اهتمت بقضايا الشباب والمرأة، بينما جندت بعض الإذاعات أثيرها لدعم الأمن والاستقرار الذي تنعم به حضرموت دون غيرها من المحافظات، أما نحن في إذاعة نما فقد أطلقنا شعار (إذاعة نما صوت الناس)، وعملنا على ثقافة القرب من المواطن والمستمع، لكل الظروف والمعاناة التي يعيشها، في ظل الوضع الصعب الذي تشهده البلاد، والذي أفرز مشاكل كثيرة جداً، حاولنا تناولها في برامجنا المختلفة، ومن أبرزها برنامج (صوت المواطن) وبرنامج (صوتك أولاً) وبرنامج (صباحات حضرمية)، كما منحنا المرأة ونجاحاتها وطموحاتها مساحة في برامجنا، مثل (برنامج أنفاس حواء) الذي حظي بإشادات كبيرة، وبرنامج (رائدات حضرميات) وبرنامج (بنت ونت)، ومنحنا الشباب مساحة في برامجنا، فقدمنا برامج (درب الشباب) ومحطات شبابية ورياضية، وغيرها من البرامج التي تستهدف تحفيز الشباب في مواجهة البطالة، والحث على العمل والإنجاز، وكانت للأطفال مساحة في برنامج (نادي الأطفال)، ولذوي الاحتياجات الخاصة مساحة في برنامج (صناع الإرادة)، كما أنتجنا العديد من البرامج التوعوية والتوجيهية في مواجهة انتشار ظاهرة القات والمخدرات".

 

 تعدد الصوت الحضرمي

 يتابع "لتعدد الصوت الإذاعي في حضرموت فائدة كبيرة، حيث أصبح للمستمع الخيار في الفوز بذائقته السمعية واختيار الإذاعة التي تلبي رغباته، لكن حتى نتحدث بصراحة، منذ انطلاق الإذاعات المجتمعية في حضرموت، وفي المكلا تحديداً، أعتقد أن هناك ملاحظات مهمة يجب أن نتحدث عنها في الإيجابيات والسلبيات التي رافقت انطلاق الإذاعات المجتمعية، أولى هذه الملاحظات أن بعض القائمين على الإذاعات لا يفهم معنى إذاعة مجتمعية، وحين تتابع هذه الإذاعة أو تلك ترى عدم التنسيق وعدم احترام المستمع وكثرة التكرار، حتى تعرضت بعض تلك الإذاعات لانتقادات لاذعة على وسائل التواصل الاجتماعي، وأعتقد أن بعض من افتتح إذاعة في حضرموت، افتتحها وهو لا يمتلك الخبرة والقدرة على الاستمرار، فظهرت بعد سنة أو سنتين عيوب كبيرة في العمل الإذاعي الذي تنتهجه تلك الإذاعات، ودون شك هناك إذاعات تميزت وأفرزت جواً تنافسياً رائعاً أكسبها استحسان المستمعين".

وعن مدى الإقبال الجماهيري للاستماع للإذاعات، قال "فيما يخص جذب الإذاعات للمستمعين، فقد فرح الجمهور في حضرموت بتعدد الصوت، بعد خمسين سنة من تفرد الصوت الإذاعي للإذاعة الرسمية في المكلا، لذلك وجود أصوات إذاعية شبابية بنسق وأسلوب عصري جديد، كان أمراً جميلاً لجمهور المستمعين، وكسبت الإذاعات (ومنها إذاعة نما) التي اهتمت بوصول برامجها عبر وسائل التواصل الاجتماعي إلى جمهور أكبر، كون الجمهور متواجداً في هذه الوسائل ولن يتابعك ويستمع إليك ما لم تقترب منه وتحفزه على متابعتك، سواء أكان عبر البث المباشر عبر فيسبوك، أو عبر الإعلان عن برامجك بمحتوى مميز، حتى تحظى بجمهور أكبر، وعليه فإن إذاعة نما تهتم بحضورها على جميع مواقع التواصل الاجتماعي".

 نكهة عصرية

 يخلص مدير إذاعة نما إلى القول بأن "الإذاعات الشبابية أضافت نكهة عصرية وتجديداً في العمل الإذاعي، أحرجت به الإذاعات الرسمية، كون تلك الإذاعات جددت في نوعية ورسالة برامجها وبثها عبر وسائل الإعلام الجديد المختلفة، وكثير من المستمعين أصبحوا منشغلين بالأجهزة الذكية، فالوصول لهم أمر مهم، تفوقت ونجحت الإذاعات الشبابية والمجتمعية في ظل التقليدية التي لا تزال غارقة فيها بعض الإذاعات الرسمية، ومن الأشياء الجميلة في هذه المقارنة أن الإذاعات الشبابية تعمل بكادر قليل جداً، لكنه يمتلك التميز والإبداع، في الوقت الذي تمتلك فيه الإذاعات الرسمية جيشاً من الموظفين، لكن دون شك بقي لبعض الإذاعات الرسمية التي واكبت التجديد جمهورها، وخسرت إذاعات رسمية أخرى كثيراً من جماهيرها، بعد إسقاط ثقافة الصوت الواحد، وعدم قدرة بعض تلك الإذاعات الرسمية على منافسة قطار التجديد السريع للإذاعات الشبابية".

 

رسالة الإذاعة

يرى نائب رئيس تحرير صحيفة المسيلة الأسبوعية أحمد سعد التميمي، أن محافظة حضرموت تتصدر طفرة انتشار الإذاعات المجتمعية والشبابية، بافتتاح نحو عشرين إذاعة محلية فيها خلال السنوات القليلة الماضية، مضيفاً أن المزاج الحضرمي يعطي أهمية كبيرة لدور الإذاعة كوسيلة إعلامية تحافظ على جمهورها، وتلعب دوراً مجتمعياً كبيراً في أداء الرسالة الملقاة على عاتقها من خلال البث اليومي المستمر.

ويعزو التميمي  انتشار الإذاعات المجتمعية في حضرموت إلى غياب الصحف الورقية من المكتبات، وفوضى ما ينشر عبر التواصل الاجتماعي، ثم إن عدداً من هذه الإذاعات اهتمت بإنتاج برامج محلية تهتم بالمواطن وتناقش قضاياه وهمومه ومتطلباته الحياتية المحلية، بعيداً عن الخطاب السياسي والوطني، حتى أدمن الناس الاستماع لكثير من هذه الإذاعات، لأنها تطلعه على ما يدور في الساحة الحضرمية، بتقديمها حزمة من البرامج الاجتماعية المباشرة التي تتيح للمواطن التفاعل والمشاركة فيها، وهذا الإقبال ساعد على انتشار وتعدد هذه الإذاعات.

وبينما يشيد التميمي إجمالاً بهذا الكم من الإذاعات المجتمعية في حضرموت، وما تقدمه من برامج جيدة، إلا أنه يستدرك بأن هناك سلبيات ترافق عمل بعض هذه الإذاعات، داعياً إلى تقييم وتهذيب توجه هذه الإذاعات ورسالتها المجتمعية، والابتعاد عن العشوائية والارتجال وعدم وضوح الأهداف، مع وضع آلية رقابية على خطابها الإعلامي، فبعض الإذاعات المحلية الخاصة المخصصة لقضايا التعليم مثلاً، تغرد خارج السرب ببرامج بعيدة عن توجهها ورسالتها التعليمية والتربوية.

 تأثير محدود

يضيف أن تأثير الحرب اليمنية على العمل الإذاعي في حضرموت محدود، يتمثل في تداعيات الحرب على الجانب الاقتصادي والمعيشي للناس، ومن ضمنهم منتسبو الإذاعات، إضافة إلى جوانب تمويل الإذاعة، لكن بشكل عام لم تتأثر حضرموت بهذه الحرب بشكل مباشر، نظراً لموقع المحافظة البعيد نسبياً عن ميادين المعارك، وبالتالي توجه الإذاعات المجتمعية الحضرمية بعيد تماماً عما يدور من أخبار الحرب، ومع ذلك هي تدعو في خطابها إجمالاً للسلام المجتمعي.

 

 للإذاعة جمهورها

وفي العاصمة اليمنية المؤقتة– عدن- تشهد هي الأخرى تكاثر انتشار الإذاعات المجتمعية والشبابية وإن كانت بنسبة أقل مقارنة مع محافظة حضرموت .

هناء عبدالله شابة إعلامية تعمل معدة ومحررة أخبار في إذاعة هنا عدن، تتحدث عن تجربتها في إذاعة هنا عدن قائلة "أعمل في قسم الأخبار ومعدة برامج في الإذاعة، وكنت من أوائل مؤسسيها منذ نشأتها وانطلاقتها، تعمقت تجربتي العملية فيها، فالأفكار البرامجية دوماً خاضعة للمتغيرات التي يمر بها المجتمع، ونحن جزء من هذا المجتمع الذي يحتم علينا أن نؤدي رسالتنا الإعلامية الهادفة حول إطاره وليس بعيداً عنه، ودوماً أحرص على ترك بصمة وأثر طويل في الفئة المحددة والمختارة، ففي الجانب البرامجي قمت بإعداد برنامج موجه للأطفال يحمل عنوان قصص للأطفال، وبرنامج آخر يذاع حالياً بعنوان "صنع في الجنوب"، وهو برنامج يقدم فئة الشباب المبتكرين والموهوبين في الجنوب لإبرازهم ولفت الانتباه إليهم، ولدي برنامج جديد سيذاع في الأيام المقبلة يخص قضايا حساسة عن المرأة في مجتمعنا".

 وقالت "اقتربت إذاعة هنا عدن من المجتمع العدني حتى صارت الرائدة من بين الإذاعات الأخرى، كانت منفتحة وشاملة وحاضرة في قضايا تمس المجتمع من خلال برامج إذاعية تعالج مختلف المشكلات التي يواجهها المجتمع بعدة قوالب، وأظن أن هذا عنصر التميز الذي تميزت به عن غيرها، سعينا إلى الاقتراب من المواطن من كافة الشرائح المجتمعية، وحققنا نجاحاً بذلك في فترة وجيزة تطلبت جهداً جباراً، فعلى سبيل المثال في فترة ظهور فيروس كورونا، تحولت الإذاعة إلى منبر توجيهي وإرشادي للمستمعين، حتى إن الموظفين آنذاك خضعوا للحجر الصحي في مقر الإذاعة، وكنا حريصين جداً على أن نكون واقعيين في الطرح والتوجيه، والأهم أننا قريبون جداً من مجتمعنا وأحواله".

تختم "على الرغم من انتشار وسائل الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي بشكل كبير، فإن للإذاعات أيضاً جمهورها الذي يشارك في التواصل والتفاعل مع الإذاعة سواء عبر الاتصال الهاتفي المباشر، أو مواقع التواصل الخاصة بالإذاعات، وكون الإذاعات حالياً تطورت ولم تبق نفسها في المذياع فقط، بل صارت تعرض برامجها من خلال البث المباشر المرئي، فكل وسائل التكنولوجيا حالياً متاحة لجعل الإذاعات أكثر مواكبة للعصر، ولم تحصر نفسها بالشكل التقليدي القديم للإذاعات".