Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تكليف "مكافحة الإرهاب" بقضايا الفساد مناورة أم بداية الحسم في العراق؟

تساؤلات حول مدى إمكانية أن تمثل تلك اللجنة نقطة تحول وقدرتها على إطاحة شخصيات سياسية بارزة

أعضاء جهاز مكافحة الإرهاب في أحد شوارع البصرة العراقية (أ ف ب)

 

 

في إطار سلسلة من التحركات أقدم عليها رئيس الحكومة مصطفى الكاظمي في الفترة الأخيرة، انشغلت أوساط السياسيين والمراقبين بإعلان تشكيل "اللجنة العليا للتحقيق بقضايا الفساد الكبرى والجرائم الاستثنائية"، ومدى إمكانية أن تمثل بادرة تحركات جادة في حسم تلك الملفات، وخط شروع في تفكيك نفوذ الأحزاب السياسية على مؤسسات الدولة.

وبعد الإعلان عن تشكيل اللجنة وتكليف جهاز مكافحة الإرهاب تنفيذ قراراتها، تراوحت آراء المراقبين بين أن تكون تلك اللجنة استكمالاً لـ"حراك محموم" يقوده رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي في مواجهة الأذرع الموالية لإيران، وحسم ملفات فساد كبرى تتهم فيها أحزاب وشخصيات سياسية بارزة، أو أنها لن تكون سوى تكرار لعمل العديد من اللجان التي لم تُفضِ إلى أي نتائج تذكر، كان آخرها تشكيل "المجلس الأعلى لمكافحة الفساد" في فترة رئيس الوزراء المستقيل عادل عبد المهدي.

تشكيلات سابقة وسياقات مغايرة

لا يعد تأسيس لجنة أو مؤسسة معنية بالتحقيق في ملفات الفساد الكبرى أمراً مستحدثاً، إذ تم تشكيل "المجلس الأعلى لمكافحة الفساد"، عام 2007 إبان حكم رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، وبعد موجة الاحتجاجات الشعبية الرافضة للفساد عام 2015، قام رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي بإعادة تشكيله، أما عام 2018 قاد رئيس الوزراء المستقيل عادل عبد المهدي محاولة لإحياء المجلس مرة أخرى، إلا أن كل تلك المحطات لم تُفضِ إلى أي نتائج ملموسة في مجال مكافحة الفساد، واقتصرت على تنسيق الأدوار بين المؤسسات الرقابية المعنية بهذا الشأن.

ويبدو أن هذا الأمر هو المحفز الرئيس لإثارة تساؤلات عن مدى إمكانية أن تمثل تلك اللجنة نقطة تحول في سياق مكافحة الفساد وإطاحة شخصيات سياسية بارزة متورطة به.

لكن ما يعزز الفرضية التي تقول بجدوى تلك اللجنة، هو اختلاف سياقات عملها عن المجالس السابقة، حيث إنها أول لجنة تتضمن تشكيلات عسكرية لمواجهة الفساد، بينما يرى مراقبون أنها تمثل إقراراً واضحاً من رئيس الوزراء بفشل جميع الأجهزة الرقابية التقليدية في مكافحة الفساد.

وتتألف اللجنة وفقاً للأمر الديواني، من الفريق الحقوقي أحمد طه هاشم رئيساً، ومن ممثل عن جهاز الاستخبارات الوطني العراقي على ألا تقل درجته عن مدير عام كعضو في اللجنة، وأيضاً من ممثل عن جهاز الأمن الوطني على ألا تقل درجته عن مدير عام، وممثل عن هيئة النزاهة بدرجة مدير عام كحد أدنى.

كذلك نص الأمر الديواني على تكليف جهاز مكافحة الإرهاب تنفيذ القرارات القضائية الصادرة عنها، وهو الأمر الذي يراه مراقبون تصعيداً لافتاً، خصوصاً أن الجهاز يعد أحد أكثر التشكيلات العسكرية التي تثير قلق الأجنحة الموالية لإيران، مرجحين أن يكون هذا الأمر مؤشراً على قرب مواجهة بين الكاظمي وتلك الجماعات.

وعلى الرغم من كل تلك الفروقات فإن العديد من المتابعين شككوا في إمكانية أن تكون مغايرة للنسق المعتاد في مواجهة تلك القضايا.

أولويات إضافية

لعل اللافت هذه المرة أن اللجنة ليست محددة بالتحقيق في قضايا الفساد فحسب، بل تشمل متابعة التحقيقات بـ"الجرائم الاستثنائية"، والتي يرجح مراقبون أن تكون ملفات قتل المحتجين في انتفاضة أكتوبر (تشرين الأول) العراقية والاغتيالات التي طالت ناشطين ومساندين للحراك الاحتجاجي على رأس أولوياتها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبالتزامن مع إعلان انبثاق تلك اللجنة، أشارت تسريبات بقرب إعلان المتورطين بقضية اغتيال الباحث في الشأن السياسي هشام الهاشمي مطلع يوليو (تموز) الماضي، والتي قد تمثل "باكورة" عمل تنطلق منها اللجنة في التحقيقات بملابسات القضايا الأخرى.

وقد تكون التحركات الأمنية الواسعة التي شهدتها العاصمة بغداد ومحافظة البصرة في سياق "فرض القانون"، محاولة من الكاظمي لاستعراض القوة والوجود كمقدمة لحسم بقية الملفات.

تنسيق مع "البيت الشيعي"

في المقابل، يستبعد البعض أن تشكل هذه اللجنة "حدثاً فارقاً" فيما يتعلق بالمسارات المعنية بها، مرجحين أن يكون تشكيلها قد تم بتنسيق مسبق بين الكاظمي وقادة "البيت الشيعي" في اللقاء الأخير الذي جمعهم في منزل زعيم ائتلاف "الفتح" هادي العامري، وهو الأمر الذي يذهب له الصحافي العراقي أحمد حسين، بالإشارة إلى أن تزامن إعلان اللجنة مع ما وصف بـ"التسوية" بين الكاظمي وقادة "البيت الشيعي"، يعطي انطباعاً بأنها "لن تكون مجدية في حسم الملفات الحساسة التي يطالب بها الرأي العام العراقي".

ويضيف حسين لـ"اندبندنت عربية"، أن "تلك اللجنة لا تشبه المجلس الأعلى لمكافحة الفساد، حيث تبدو نسخة أكثر تطوراً عنه، وتمثل محاولة لتجاوز الإجراءات البيروقراطية". ويشير إلى عائقين رئيسين يمثلان المعرقل الأكبر لعملها، يتمثل الأول بـ"الدولة العميقة" في حال فتحت ملفات فساد تطال قادة النظام السياسي، مبيناً أن "العائق الآخر يتمثل بالميليشيات في حال فتحت اللجنة ملفات الانتهاكات والجرائم الاستثنائية".

ويتابع "اللجنة قد تكتفي بتقديم أكباش فداء بالاتفاق بين الكاظمي وبقية أركان البيت الشيعي في إطار يحفظ للكاظمي بعض وعوده التي أطلقها، وفي المقابل يحافظ على نفوذ تلك الكتل"، معبراً عن اعتقاده أنها "لن تتطرق للملفات الكبرى، سواء في ما يتعلق بقضايا الفساد، أو محاسبة المسؤولين عن عمليات اغتيال ممنهجة وقتل للمحتجين العراقيين".

استكمال هيكلة الجهاز الأمني

في حين يرى آخرون أن تشكيل اللجنة يمثل استكمالاً لمحاولات رئيس الحكومة في تعزيز "أدواته" لمواجهة الأذرع المسلحة الموالية لإيران، فضلاً عن الشخصيات المتورطة بملفات فساد، خصوصاً بعد تكليف جهاز مكافحة الإرهاب تنفيذ قرارات اللجنة، حيث يشير رئيس المجموعة المستقلة للأبحاث، منقذ داغر، إلى أن اللجنة انبثقت في محاولة من الكاظمي تعزيز مؤشرات "التوعد" المستمر للجهات التي تطلق عليها صفة العمل "فوق القانون".

ويضيف في حديث لـ"اندبندنت عربية"، قائلاً إن "تشكيل تلك اللجنة يمثل استكمالاً لخطواته في إعادة هيكلة الجهاز الأمني وتفكيك نفوذ القوى الموالية لإيران عليه، خصوصاً أنه أتى بعد خطوات عدة من بينها إصراره على اختيار الوزراء الأمنيين بنفسه، وإزاحة فالح الفياض عن الأجهزة الأمنية التي كان يديرها".

ويشير إلى أن "تكليف جهاز مكافحة الإرهاب تنفيذ مهام تلك اللجنة، يمثل رسالة واضحة بأن الكاظمي عازم على تفكيك نفوذ الميليشيات، كونه يعتقد أن الأجهزة الأخرى مخترقة تحديداً بما يتعلق بموضوع الميليشيات".

تقويض لمصداقية اللجنة

في مقابل موجة التحمس لتلك اللجنة في أنها ستمثل "نقطة انطلاق" للكاظمي في تنفيذ وعوده بما يتعلق بمكافحة الفساد وتفكيك نفوذ الجماعات المسلحة، واجه تشكيلها أيضاً موجة سخرية وتهكم واستذكار لفشل كل اللجان المعنية بملف مكافحة الفساد منذ 17 عاماً.

وفي السياق ذاته، يقول الكاتب والصحافي فاضل النشمي، إن "ملف مكافحة الفساد في العراق بات يثير سخرية قطاعات واسعة من العراقيين، حيث لم تشهد البلاد حراكاً جاداً في هذا الاتجاه منذ 17 عاماً، على الرغم من تشكيل الحكومات المتعاقبة عشرات اللجان المماثلة".

واعتبر أن الأمر الآخر "المثير للسخرية"، يتعلق بكون الفريق أبو رغيف "لم ينجُ هو الآخر من سيل الاتهامات بالفساد التي تطال غالبية المسؤولين العراقيين"، مبيناً أنه "بغض النظر عن صحة أو عدم صحة ما يشاع حوله، إلا أن ذلك بحد ذاته كفيل بتقويض مصداقية اللجنة".

ويعتقد النشمي أن "اللجنة تفتقر إلى الإطار القانوني، لأن محللين في القانون يذهبون إلى أن التحقيق في ملفات الفساد مقتصر على المحققين في هيئة النزاهة وليس غيرهم"، متسائلاً "لا أدري كيف ستتلافى اللجنة هذه الثغرة؟".

ويختم أن "ملامح عملها لا تبدو واضحة، خصوصاً في الإجابة عن التساؤل المتعلق بإمكانية أن تكتفي بملاحقة صغار المتهمين، كما جرى في مرات سابقة".

مخاوف سياسية

يبدو أن تشكيل اللجنة أثار مخاوف جهات سياسية من إمكانية أن تكون مقدمة لـ"التسقيط السياسي"، ولعل ما يدفع تلك الجهات إلى التخوف من تحركات الكاظمي الأخيرة هو إمكانية أن تحسم تلك اللجنة ملفات عدة قبيل الانتخابات المقبلة.

وفي هذا الشأن، قال القيادي في "ائتلاف دولة القانون" الذي يتزعمه نوري المالكي سعد المطلبي، إن "فائدة اللجنة وتحقيقها نتائج حقيقية، مرهون بجديتها وشموليتها لجميع العراقيين من زاخو إلى الفاو"، مبيناً أن "ما دون ذلك هو استهداف لجهة محددة في مسار التسقيط السياسي، وتوظيف القضاء والسلطة من أجله".

ويضيف في تصريحات صحافية "عمل اللجنة يجب أن يشمل ملفات لجميع الشخصيات في الحكومة الاتحادية والإقليم، ومن جميع الطوائف، لتكون عادلة، وإلا فإنها بحاجة لموقف من مجلس النواب"، لافتاً إلى أن "عدالة النتائج ستجعل جميع مكونات الدولة معها وتساندها".

المزيد من متابعات