Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

في قول ما يجب أن يقال رسالة إلى مواطني شرق السودان

قوى الثورة المضادة لا تزال ناشطة بدليل موجات الاقتتال الأهلي المتنقلة

شرق السودان هو مفتاح الفوضى في السودان كله (رويترز)

تقول الفيلسوفة الألمانية الكبيرة والشجاعة؛ حنة أرندت "إذا هاجمك شخص كيهودي فعليك أن تدافع عن نفسك كيهودي، لا كمواطن ألماني ولا كمواطن عالمي ولا كمؤيد لحقوق الإنسان".

بطبيعة الحال كانت صاحبة "في العنف" تتحدث عن ضرورة البحث عن مبرر دقيق لطريقة في الدفاع عن النفس تحرر الهوية الحقيقية العارية للذات الجمعية من أي سبب للتخفي وراء الاستعارات في عناوين أخرى، ولتكرس مبدأً ضرورياً تقتضيه حيثيات عارية للهوية الأصلية كهوية ناطقة بذاتها على حقيقتها فحسب!

وعليه، نذَّكر بعض إخوتنا في شرق السودان من الناطقين بالبداويت، وعلى رأسهم الناظر السيد محمد محمد الأمين ترك، ناظر الهدندوة بشرق السودان، وكل من يرى رأيه، حين يروج، عبر الدعاية والتمويه، للخلط بين استحقاق بني عامر والحباب، أصحاب الأرض الأصليين في الحدود داخل خريطة السودان السياسية (وهي حدود يمتد فيها مكونهم مع الهدندوة إلى دولة إريتريا كبقية مكونات السودان على سائر حدوده، كالنوبة مع مصر في الشمال، والزغاوة مع دولة تشاد في الغرب) وبين الذين لجأوا من إريتريا إلى السودان، في ظروف أخرى، من ذات مكون بني عامر والحباب: وذلك بهدف أجندة إقصاء غير وطنية (عنصرية في حقيقتها) يسعى إليها الناظر ترك، وهي في الحقيقة أجندة لا علاقة لها بأي رؤية تؤمن بالشراكة في الوطن.

وعليه، كذلك، يجب القول إنه لا حاجة للتأكيد على بديهية أن بني عامر والحباب، الذين يمتلكون محليتين حدوديتين داخل الجغرافية السياسية لخريطة السودان في إقليم الشرق أن يعلنوا لكل من لا يعرفهم، أنهم بصفتهم تلك، أي فقط كبني عامر وحباب لا غير؛ يحق لمن يملك منهم المؤهلات أن يكون رئيساً للسودان، ناهيك أن يكون والياً لولاية بالإقليم الشرقي، وعلى قدم المساواة التامة مع ابن محلية الخرطوم، فهذا استحقاق للمواطنة لا يجهله أحد.

الناظر ترك، ومن لف لفه، يريد بذلك التمويه في دعاويه أن يقفز به على حقائق وثوابت وطنية لا يمكن القفز عليها مطلقاً بحجة أنه، ومن يمثلهم، تاريخياً، أصحاب معظم أراضي شرق السودان (وهذه حقيقة)، لكن هل يمكن لمواطن سوداني عاقل أن يصدق بناء على تلك الحقيقة، دعاوى لإقصاء مكون آخر في الشرق له أرض أصلية في خريطة السودان من تولي أي وظيفة عامة مثل رئاسة الجمهورية؟

وإذا أصر بعض الناطقين بالبداويت (وليس كلهم بكل تأكيد) على الترويج لهذه الحجة لقطع الطريق على من يريد أن يتولى ولاية عامة من مكون بني عامر والحباب فهل يمكننا أن نسمي ذلك دفاعاً عن الأرض والوطن؟ وهل تعريف السودانيين لأنفسهم اليوم واستحقاقهم للوظائف العامة يكون بحسب كبر مساحات ما تملكه قبائلهم من أراض، أم فقط بمجرد وجود مطلق أرضٍ لهم داخل الخريطة الكلية للسودان، (ولو كانت شبراً واحداً) يؤهل أي سوداني، دستورياً، لامتلاك التعريف الحصري لسودانيته التي تخوله أن يصبح رئيساً للجمهورية ما دام مستوفياً لاستحقاقات منصب الرئاسة؟

هكذا سيتضح لنا، في غياب أي حجة حقيقية أن دعاوى رفض الأستاذ صالح عمار والياً لكسلا من طرف ناظر قبيلة الهدندوة بشرق السودان السيد محمد محمد الأمين ترك ومن لف لفه، هو بالأساس رفضٌ قائم على تصور عنصري خاص ومعزول عن أي علاقة بهوية سودانية حقيقية، أو أي فهم موضوعي لفكرة المواطنة والدستور.

وغني عن القول إن حجة عنصرية متهافتة كهذه الحجة لا تصلح لأن تكون حجةً يتم الدفع بها أمام حكومة سلطة مركزية عليا في الخرطوم جاءت بها ثورة عظيمة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لهذا حين ندقق في الدعاوى التي يرفعها الناظر ترك، ومن لف لفه، مثل مراجعة الرقم الوطني، ومراجعة ملف التجنيس، لتوظيفها في صراع سياسي مشبوه كهذا فإنه بالضرورة لن يغيب على كل عاقل نوايا الاصطياد في الماء العكر، بحيث يتصور أن تكون حيثيات الحجة الواهية كالتالي، بما أن مكون بني عامر والحباب السودانيين يملكون محليتين حدوديتين من 22 محلية في الإقليم، وبما أن هذا المكون له امتداد في دولة إريتريا المجاورة (المفارقة أنه حتى قبيلة الناظر ترك - الهدندوة - لها امتداد في دولة إريتريا) وبما أن هناك لاجئين إريتريين من مكون بني عامر والحباب، فنحن البداويت أصحاب المحليات العشرين الأولى مطلقاً لأن يكون ولاة الإقليم الشرقي كله منا؟ ووفق هذه الحجة المحجوجة والمتهافتة، كيف يمكن تصور ولاية والٍ من الإقليم الشمالي أو الغربي على ولاية بشرق السودان مثلاً؟

بطبيعة الحال، إن منطقاً كهذا، فضلاً عن عنصريته، يعكس موقفاً غير وطني وغير أخلاقي لأنه يناقض بديهية أن من حق أي مواطن سوداني تولى أي ولاية عامة عبر الاستحقاق والكفاءة بما في ذلك: رئاسة الجمهورية.

صحيح أن الناظر ترك يقول في دعواه، إنه يقبل بأي والٍ لكسلا من خارج الهدندوة والبني عامر، لكن السؤال الذي سيطرح نفسه، ما سبب الرفض أصلاً لئلا يكون صالح عمار والياً لكسىلا ما دام يملك مؤهلات من أهمها، مؤهلات نضالية (وقوفه مناضلاً شرساً ضد نظام البشير وعدم مهادنته)؟

فإذا كان مجرد انتماء صالح عمار لمكون بني عامر هو فقط ما يجعل صالحاً في نظر الناظر ترك خارج استحقاق أهلية أن يكون والياً لكسلا، فعلى الجميع أن يعلموا أن موقف الناظر ترك هذا في حقيقته يمثل موقفاً عنصرياً ولا يعكس أي رؤية وطنية، وبما أن الناظر ترك يدرك تماماً أن صالح عمار لم ترشحه قبيلته لهذا المنصب، فلماذا يزج بقبيلته أصلاً في هذه القضية؟

هكذا، وفق هذا التحليل، سنجد بقية الحجج الواهية مجرد بروباغاندا وأسطوانة مشروخة يتم عبرها استغفال البسطاء والمضللين ليساقوا إلى مكان لا نرضاه لهم (ولا لنا) من حيث كوننا مواطنين سودانيين. فالكلام الذي يتم تسويقه بين البسطاء من أبناء البداويت في عروض هذا الصراع السياسي المشبوه الذي يقوده الناظر ترك في شرق السودان، من قبيل رفع شعارات تذكر ببطولات البجا في محاربة الإنجليز والدفاع التاريخي عن بوابة السودان الشرقي وبطولات القائد التاريخي للمهدية عثمان دقنة والمدجاي، وإلخ. كل هذا الزجل الذي يتم عبره شحن نزعات عاطفية تستثير في عامة البداويت حماساً في غير محله، عبر توظيف تلك المشاعر للخوض في صراع فوضوي، كل ذلك لا يصلح للقياس ولا يفيد في مواجهة قضية ثورية سودانية كحالة صالح عمار واستحقاقه الوطني لأن يكون والياً لكسلا.

وللأسف لقد خاض، أخيراً، في مثل هذه الدعاوى التي يروج لها الناظر ترك؛ أشخاص ما كنا نحسبهم يوماً أن يروجوا مثل هذه الحجج الواهية من أمثال الفريق عثمان فقراي للدفاع عن وضع لا يمكن الدفاع عنه.

ولهذا من المهم لأبناء البداويت المستنيرين بشرق السودان أن يفكروا بمنطق في الحجج الواهية التي يروج لها الناظر ترك ومن تبعه من أجل إقصاء مكون بني عامر والحباب من استحقاقات مواطنة مستحقة لمكونهم، وأن يتأملوا في أهليتها لأن تكون صالحة كحجج أصلاً، ثم ليحكِّموا عقولهم وضمائرهم؛ لأن ما بيننا وبينهم وطن يمر اليوم بمرحلة حساسة وهي مرحلة تقتضي منهم قول الحق، وهو حق إن تقاعس أبناء البداويت المستنيرون عن الجهر به؛ فسيتبرع العشرات والمئات والآلاف من أبناء السودان المستنيرين كي يصدعوا به من غير أبناء الشرق في قول ما يجب أن يقال.

الأخطر من ذلك، أن التهديد بالانفصال عن السودان، ودعاوى إنشاء دولة البجا التي يروج لها أتباع الناظر ترك، عبر ممارسات وإن بدت كورقة ضغط مكشوفة، إلا أن تداعياتها، حتى وهي كذلك، إذا ما صدّقها بعض المغرورين، ستكون لها مفاعيل خطيرة جداً في رسم مستقبل سياسات جهنمية لشرق السودان، وستكون مأساة دارفور، على فظاعتها، بمثابة لعب أطفال في المصير الذي سيواجهه شرق السودان من سيناريوهات الفوضى والقتل والدمار عبر دخول لاعبين إقليميين ودوليين تسوقهم أطماع في منطقة جيوسترايتجية وغنية بالثروات سيكون أهلها، حال انفصالهم عن المركز، لا سمح الله، هم الخاصرة الرخوة التي تستغلها تلك الأطراف إذا ما حدثت فوضى وحروب أهلية، لا سمح الله، بين مكوني الإقليم الشرقي.

 ولسنا في حاجة للتذكير مجدداً بما نبه إليه زميلنا الكاتب والمحلل الاستراتيجي الحاج وراق، من أن شرق السودان هو مفتاح الفوضى في السودان كله، إذا ما حدثت فيه.

لهذا من الضرورة بمكان أن يولي مجلس الأمن والدفاع في السودان سياسات الحسم في أمن المواطنين والسلم الاجتماعي في شرق السودان أولويةً قصوى باعتبارها خطاً أحمر لا يجوز لأي كيان سوداني، كائناً ما كان، أن يعبث به، أو أن يستخدمه كورقة ضغط في مواجهة مخرجات أي اتفاق سياسي أو إجراء إداري تتخذه الحكومة كتعيين والٍ مثلاً.

كما أن تحرك الناظر ترك وأتباعه عبر تصريحات وممارسات تقايض مخرجات السياسة بتهديد السلم الاجتماعي وأمن المواطن يعكس واقعاً مأزوماً أسس له نظام البشير حين أدخل نظام تسييس الإدارات الأهلية منذ 30 سنة وجعل من نظار القبائل بدلاء لرؤساء الأحزاب في العمل العام. وهذا في حد ذاته تحدٍ لقيم ثورة 19 ديسمبر (كانون أول) 2018 ما يعني أن من صميم عمل لجان المقاومة والقوى الثورية في مدن الإقليم الشرقي أن تكون أكثر حرصاً على قطع الطريق على هذه الممارسات وإدانتها ومواجهتها بوضوح لا هوادة فيه، لأن نتائج النزعات القبلية ستكون حصيلتها الأكيدة إجهاض الثورة في شرق السودان ودخولها في نفق مظلم، وهذا يعني أن لجان المقاومة والقوى الثورية والمدنية من كافة أطياف المجتمع هم أصحاب مصلحة حقيقيين في الوقوف صفاً واحداً بكافة مكوناتهم مع اختيارات الثورة ودعم خيارات حكومتها المركزية.

إن قوى الثورة المضادة لا تزال ناشطة في شرق السودان، بدليل موجات الاقتتال الأهلي المتنقلة التي دارت بين مكونين أهليين محددين في كافة مدن الإقليم.

لهذا على الجميع من كافة القوى الثورية ولجان المقاومة وعامة الناس أن يدركوا جيداً، أنه في حال النأي بالنفس عن الانخراط في واجب الحفاظ على السلم الأهلي وما يقتضيه من وقوف وتظاهر دعماً لخط الثورة وحكومتها المركزية في وجه مهددي السلم الاجتماعي من عناصر النظام القديم؛ فإن الأسوأ والأخطر، لا سمح الله، هو ما ينتظر الجميع.

المزيد من آراء