Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ثلاثة رضع بدأوا حياتهم بين أحضان باميلا في لحظات الموت

الممرضة اللبنانية تروي لحظات الرعب بعد انفجار بيروت وتقول: كانت هناك خطورة على حياة الأطفال ولا بد من توفير مكان دافئ ومجهز لرعايتهم

صورة باميلا من حساب المصور الصحافي بلال جاويش على فيسبوك

نصفهم في عالمنا العربي ملائكة الرحمة، يشكلون عموداً رئيساً بين أعمدة الرعاية الطبية، وفي معظم الأحيان لا يلتفت كثيرون إلى جهودهم وتضحياتهم، لكن الأزمات على الرغم من قسوتها تُخرج من بين الجفو حلاوة ومن رائحة الموت تهبّ ريح الحياة، هذا هو ما ينطبق على تلك الصورة التي هزّت مشاعر الملايين للممرضة باميلا زينون في مستشفى القديس جاورجيوس الروم في حي الأشرفية ببيروت، عقب تفجير المرفأ الضخم الذي أودى بحياة العشرات، الثلاثاء الماضي.

فوسط الألم والنحيب أمام مشهد تقشعر له الأبدان من الدمار، جاءت صورة باميلا حاملة ثلاثة أطفال حديثي الولادة في مستشفى الروم حيث تعمل، محاولة حمايتهم وإنقاذهم، غير عابئة بسلامتها الشخصية وما حل بالمستشفى من دمار وجثث القتلى بالداخل، لتبثّ أملاً جديداً في الإنسانية. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في حديثها  لـ"اندبندنت عربية" كانت باميلا تتكلم بمشاعر صادقة من الإحساس بالمسؤولية والحب تجاه رعاياها من أطفال الحضانات التي كانت تسهر لخدمتهم، فتقول "كنتُ مسؤولة عن هؤلاء الأطفال وأحبهم وهذا هو شغلي اللي بحبه، ما بقدر روح وأتركهم، ما فيني إنزل من الطابق وأتركهم يموتوا، ياما أنتظر معهم حتى يأتي أحد ليساعدني أو أن أحملهم وأنزل وبالفعل استطعتُ أن أفعل ذلك".

يُشار إلى أن المستشفى الذي يبعد بضعة كيلومترات قليلة عن موقع الانفجار، قُتل فيه أكثر من 12 مريضاً وأربع ممرضات، فضلاً عن عشرات الجرحى، بينهم مَن هو في حالة حرجة، جراء الدمار الذي لحق به، إذ تضرّر نحو 80 في المئة من المبنى، ونحو 50 في المئة من المعدّات بالداخل. 

لحظات الدمار والرعب

وحول اللحظات الأولى لوقوع الانفجار، تروي باميلا أن الطابق العلوي هبط على الطابق حيث كانت هي موجودة، الذي تقع في نطاقه غرفة الحضانة الخاصة بالأطفال المبتسرين، مضيفة أن أحداً لم يفهم ماذا يجري، سوى أنه وقع صوت انفجار ضخم تبعه زلزال أسفر عن دمار مبنى المستشفى. وفي الرواية ، تذكر أنها حاولت النهوض بعد ما سقطت وأزالت ما فوقها من حطام تدريجاً، موضحةً أنها اتجهت إلى الباب الرئيس للطابق، لكن كل شيء كان محطماً فالأبواب والحوائط مهدمة، وفي خضم تلك الأحداث تشرح أنها ذهبت إلى مدخل آخر وحاولت البحث عن زملائها للاطمئنان عليهم إذ كانت برفقتها في دورية العمل ممرضتان أخريان، وحين شاهدتهما فوجئت بالدماء تغطي وجهيهما وترتجفان بشدة وسط حالة من الهلع مما يجري والدماء التي تلطّخ الأرض. 

وفي جزء آخر من المشهد، وصل زملاؤهم من الأطباء العاملين في المستشفى لمساعدتهم، حينها ذهبت باميلا لانتشال الأطفال العالقين داخل غرفة الحضانات، حيث كان هناك خمسة أطفال حديثي الولادة أعمارهم لا تتجاوز الثلاثة أسابيع. فانتشلت باميلا ثلاثة من الأطفال نوة وسدرة وعلي، وأخذ زميلها الطفلين الآخرين. تقول "حملتُ ثلاثة منهم وحاولنا النزول لأسفل للفرار، لكن لم نستطع، لأن كل نقاط خروج الطوارئ كانت مغلقة حتى جاء آخرون لمساعدتنا لإزالة الحديد". 

وعن انطباعها عند وصولها إلى الطابق الأرضي للمستشفى، تستذكر "وجدتُ مشهداً أكثر رعباً ودماراً، إذ وجدتُ كثيرين مطروحين على الأرض بين قتلى ومصابين يصرخون من الألم، وكانت الممرضات في حالة هلع بصحبة المرضى، وممرضات أخريات حاملات لأطفال، وسيدات وضعن حديثاً وما زلن تحت الرعاية الطبية حاولن الفرار بأطفالهن". تضيف أن حالة الفزع التي خيّمت على الجميع جعلتهم مشتتين ما بين البقاء وسط الحطام داخل المبنى خشية أن يقع انفجار آخر أو الخروج بحثاً عن مكان آمن.

البحث عن حضانة للأطفال

أما عن المشهد في الخارج، فتروي باميلا أنها حملت الأطفال الثلاثة، وفي ذلك الوقت التقت طبيب النساء في المستشفى نديم الحجل، الذي اصطحبها للبحث عن مستشفى آخر لوضع الأطفال فيه. وتقول "مشينا نحو 45 دقيقة على الطريق حتى نجد سيارة تنقلنا إلى مستشفى آخر، لكن الأشخاص في الخارج كانوا خائفين جداً وكان هناك كثيرون جرحى داخل السيارات". تضيف "اضطررتُ أنا والطبيب في البداية للمشي سيراً على الأقدام حاضنة الأطفال الثلاثة، حتى الوصول إلى أقرب مستشفى، ولكنه لم يكن أفضل حالاً، إذ كان مدمراً بالكامل، ولم نتمكن من ترك الأطفال فيها". 

وفي المشهد ذاته، تذكر "واصلتُ والطبيب السير حتى وصلنا إلى طريق الأوتوستراد (طريق سريع)، وهناك توقفت سيارة ونقلتهما إلى مستشفى يبعد نحو 7 كيلومترات عن مستشفى الروم". وتضيف "وصلنا ووضعنا الأطفال ولم أتركهم حتى اطمأننت عليهم ثم جاءت عائلاتهم".

حياة الأطفال مهددة

من زاوية أخرى، فإن الصورة التي التقطها المصور الصحافي بلال جاويش، تظهر باميلا تحتضن الأطفال الثلاثة بينما تجري اتصالاً هاتفياً بعد ما وصلت إلى الطابق الأسفل لطلب المساعدة في نقل الأطفال إلى مكان آمن. كتب جاويش على حسابه في موقع فيسبوك معلّقاً على الصورة "16 سنة من التصوير الصحافي والكثير من الحروب. أستطيع أن أقول لم أر كالذي رأيته اليوم في منطقة الأشرفية، خصوصاً أمام مستشفى الروم ولفتتني هذه البطلة داخل المستشفى، وكانت تسارع للاتصال على الرغم من توقف الاتصالات وهي ممسكة بثلاثة أطفال حديثي الولادة ومن حولها عشرات الجثث والجرحى".

وعن سبب احتضانها الأطفال، توضح الممرضة اللبنانية "كانت هناك خطورة على حياتهم ولا بد من توفير مكان دافئ ومجهز لرعايتهم، وهذا ما توفره الحضانة لهم، إذا بردوا ربما يموتون لذا كنتُ أحتضنهم محاولة تدفئتهم. وبعد خروجي بهم من المستشفى حاولتُ الحصول على غطاء من المارة في الشارع لكن الجميع كان في حالة ذعر".  

وعند سؤالها إذا كانت خائفة وقتها أم لا؟ توضح أن شعور الخوف لديها كان حاضراً فعلاً، لكن ما كان يخيفها أكثر هو أن يحدث انفجار ثان خلال تنقلها بالأطفال خارج المستشفى، وتقول "كنتُ أرتجف وأخشى أن يسقط أحدهم من يدي. كان همي أن أصل إلى مكان بعيد من الانفجار ودافئ للأطفال". 

أهالي الأطفال لم يصدقوني ثم شكروني

أما عن حال أهالي الأطفال، فتقول باميلا إن "أهالي الأطفال الثلاثة، نوة والتوأم سدرة وعلي، كانوا في حالة انهيار وقلق بشأن مصير أبنائهم وعندما تواصلوا معي لم يصدقوا ولم يشعروا بارتياح حتى وصلوا إلى المستشفى وحملوا أطفالهم". وتضيف "كان أمراً مؤثراً للغاية... شكروني كثيراً". وتشير إلى أن الأطفال الخمسة جميعهم بصحة جيدة ويتلقون الرعاية في مستشفيات أخرى حيث نقل زملاؤها الطفلين الآخرين إلى مستشفى ثانٍ. 

على صعيد آخر، لا يزال من غير الواضح ما الذي أدى إلى الانفجار الذي قضى على شوارع بأكملها في العاصمة الساحلية وراح ضحيته أكثر من 150 شخصاً حتى الآن وأصيب نحو 5000، لكن بحسب رئيس الوزراء اللبناني حسان دياب، فإن الانفجار وقع نتيجة كمية كبيرة من مادة نيترات الأمونيوم، المصادرة التي من المحتمل أن تكون خُزّنت بطريقة غير آمنة في مستودع في ميناء المدينة، بالقرب من المناطق المأهولة.