Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أياد خفية في نزاع أرمينيا وأذربيجان

تعي موسكو أن فقدان يريفان يؤثر في نفوذها وقدرتها على المناورة وفرض رأيها كقوة دولية

تلعب روسيا دور وسيط مقبول في تسوية النزاع الأرمني الأذربيجاني (رويترز)

من خلال نظرة جغرافية إلى موقع مدينة توفوز الأذرية، التي شهدت الاشتباكات الأخيرة بين أذربيجان وأرمينيا، نلاحظ أنه لا علاقة لها بمنطقة ناغورني كاراباخ المتنازع عليها، كما أنها بعيدة عن الأراضي الأذرية التي تحتلها أرمينيا.

وتقع مدينة توفوز بالقرب من خط أنابيب النفط باكو - تبليسي - جيهان، وخط أنابيب الغاز الطبيعي باكو - تبليسي – أرضروم، وخطوط الأنابيب هذه هي بوابات أذربيجان لنقل النفط والغاز الطبيعي الأذربيجاني، و(ثروات بحر قزوين) إلى تركيا وأوروبا والأسواق العالمية الأخرى.

ضربة ضد مصالح روسيا

صحيحٌ، أن مكان الهجوم أو الاشتباكات تشير إلى أنها ضد المصالح التركية - الغربية، والتركية - الأذربيجانية، إلا أنها أيضاً ضربة ضد مصالح ودور روسيا في منطقة غاية في الأهمية الجيوسياسية لموسكو، ولأكثر من لاعب دولي وإقليمي، لا سيما من تزعجه حالة التوافق التي ظهرت أخيراً بين أنقرة وموسكو في سوريا، وجارٍ محاولات تكرارها في ليبيا، وتداول وسائل الإعلام الأجنبية عناوين مثل مواجهة "جبهة" جديدة بين موسكو وأنقرة، يصبّ في هذا السياق.

تعتقد باريس أن الهجوم الصاروخي (في الأشهر الأولى عام 2018) الذي شنّته الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وفرنسا في سوريا، أحدث شرخاً بين روسيا وتركيا اللتين لديهما وجهات نظر مختلفة حول بعض القضايا، لا سيما في سوريا. قال ذلك الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في حديث تلفزيوني.

وليس خافياً أن هجمات الغرب في سوريا آنذاك سعت، من بين ما سعت إليه، إلى إحداث شرخٍ في العلاقات بين روسيا وتركيا. وليس سرّاً أنّ أي خلاف بين موسكو وأنقرة هو لمصلحة الغرب، ولذلك سيستمر الغرب بممارسة الضغوط على مواقع الاختلاف بينهما.

ولم تكد تمضي ساعات على إعلان موسكو وأنقرة بداية تفاهم روسي - تركي حول ليبيا قبل أسابيع، حتى قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، للصحافيين في الـ23 من يوليو (تموز)، "في هذا الجزء من البحر المتوسط، الذي يعتبر حيويّاً لبلداننا، تعد قضايا الطاقة والأمن جوهرية. الأمر يتعلق بصراع على النفوذ، لا سيما من جانب تركيا وروسيا اللتين تؤكدان وجودهما أكثر فأكثر، وفي مواجهة ذلك لا يفعل الاتحاد الأوروبي حتى الآن شيئاً يذكر". وتابع، "سيكون من الخطأ الجسيم أن نترك أمننا في منطقة البحر المتوسط في يد أطراف أخرى، هذا ليس خياراً لأوروبا، وهذا أمرٌ لن تدعه فرنسا يحدث".

التقارب الروسي التركي

ومن وجهة نظر روسية، كان التقارب مع تركيا أمراً جيداً، لا سيما في ظل العقوبات التي فرضها الغرب على روسيا بعد أزمة شبه جزيرة القرم، والحرب في شرق أوكرانيا، الأمر الذي وضع روسيا في عزلة على المسرح الدولي، ومن هنا ينظر إلى التدخل الروسي في سوريا والتعاون مع تركيا "في شق منه" في إطار تخفيف العزلة الدولية، وكانت عملية أستانا نوعاً من الحل الوسط، والنجاح لكل من موسكو وأنقرة، وتحوّلت سوريا إلى مسرح لتقارب مثير بين أنقرة وموسكو، تزامن ذلك مع فتور علاقة كل منهما مع الغرب.

كما أنّ التعاون الاقتصادي المتزايد ونمو حجم التجارة هما مكسب لكل من أنقرة وموسكو، وكلاهما في حاجة إليه، والصفقات التي وقّعت، من بينها محطة أك كويو النووية، وخط أنابيب السيل التركي لنقل الغاز الذي سيتيح لموسكو الاستغناء عن أوكرانيا وتصدير غازها إلى أوروبا عبر البحر الأسود وتركيا، هي خطوات جيدة نحو تعزيز التعاون.

وكذلك تسليم منظومة أس 400 الروسية إلى تركيا هي مسألة فخر وسيادة بالنسبة إلى تركيا، التي تشعر بخيانة الغرب لها في عدد من القضايا، مثل عضوية الاتحاد الأوروبي، ودعم واشنطن الامتداد السوري لحزب العمال الكردستاني (مصنّف على قوائم الإرهاب في الناتو)، وتسليم غولن.

لكن، كل ما سبق لا يعني قطيعة مع الغرب، فالشراكة الاستراتيجية مستمرة، رغم التقارب الحالي مع روسيا الذي فرضته الجغرافيا السياسية والاقتصادية.

محاولة جس النبض

ووسط تبادل الاتهامات بين باكو ويريفان بشأن إشعال فتيل الاشتباك الأخير، أيّاً كان من بدأ الاشتباكات، فهو يستهدف موسكو أولاً، وثانياً نسف التقارب المرشّح للتزايد بين روسيا وتركيا، في أكثر من ملف دولي وإقليمي، وقد يكون في إطار محاولة لجس النبض، لمعرفة إذا كان هناك موقف جديد لموسكو حيال هذا النزاع الممتد منذ أواخر القرن الماضي، لا سيما بعد التحوّلات السياسية الأخيرة، مع وصول حكومة جديدة في أرمينيا، يُنظر إلى أنها غربية الهوى.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تعي موسكو أن يريفان بحاجة إلى روسيا، أكثر من حاجة روسيا إلى أرمينيا، لكن فقدانها يعني فقدان حديقة من حدائقها الخلفية في الفناء السوفياتي السابق، وهو ما قد يؤثر على المدى البعيد في نفوذها وقدرتها على المناورة، وفرض رأيها كقوة دولية في الساحة العالمية عموماً، والسوفياتية السابقة خصوصاً.

إن خسارة أرمينيا كحليف، لن يجعل أذربيجان ممثلاً ثابتاً ودائماً لمصالح روسيا، لكن في الوقت نفسه، إبعاد باكو الشديد عن موسكو، والسير فقط على توجه يريفان سيضيّق مجال المناورة، وسيعزز مواقف الأطراف المنافسة لروسيا في القوقاز.

روسيا بحاجة إلى أرمينيا حليفاً تقليديّاً، إضافة إلى أنها تدخل مع موسكو في منظمة الأمن الجماعي، وتحالفات اقتصادية إقليمية أخرى، وفي ظل النزاع الجورجي - الروسي، موسكو تحتاج أيضاً إلى أذربيجان بلداً يحتل موقعاً جغرافيّاً سياسيّاً مهمّاً.

ترتبط موسكو وباكو في عديد من مجالات التعاون المشتركة، من الأمن والطاقة عبر الحدود إلى استغلال موارد بحر قزوين ومشروعات النقل، ولا يرغب الكرملين في تحويل أذربيجان إلى جورجيا أو أوكرانيا ثانية، بالتالي لن تقوم موسكو بدفع باكو إلى المواجهة بأيديها، وبذلك تعطي الفرصة للقوى الخارجية من أجل إخراج روسيا من المنطقة.

وفي الواقع نجد، روسيا تتحالف مع أرمينيا، وتوجد حالة شراكة مع أذربيجان، وتلعب دور وسيط (مقبول من الجانبين) في تسوية النزاع الأرمني الأذربيجاني.

المزيد من تحلیل