Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أردوغان يرحل مسلمي الإيغور من بلاده فلماذا انقلب عليهم؟

الاقتصاد التركي المتعثر والعلاقات السيئة مع أوروبا قرّبا تركيا من الصين

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ونظيره الصيني شي جين بينغ (أ ب)

كشفت صحيفة صنداي تلغراف البريطانية، عن تعاون الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مع الصين في عمليات ترحيل مسلمي الإيغور الموجودين على الأراضي التركية، وذلك عبر دولة ثالثة. وأورد التقرير شهادات حيّة لعائلات بعض الضحايا ممن جرى احتجازهم في سجون تركيا، قبل نقلهم إلى طاجيكستان، استعداداً لترحيلهم إلى الصين، ومن بينهم نساء تجاوزت أعمارهن الخمسين عاماً.

ويُستهل تقرير الصحيفة بشهادة نجل إيموزي كوانهان، سيدة مسلمة تبلغ 59 عاماً، التي كانت تتحدّث إلى ابنها عبر الهاتف عندما انقطع الاتصال فجأة، لكنها عادت وهاتفت أسرتها في كاشغار بإقليم شينغيانغ، من مركز احتجاز في إزمير بعد أسبوعين من اختفائها. ويقول التقرير إن كوانهان، التي رُحِّلت مرة أخرى إلى بلادها الصيف الماضي، كانت قد تمكّنت من الفرار من الصين، معتقدة أنها وجدت ملاذاً آمناً في بلد رجب طيب أردوغان.

كما وثقت "تلغراف" عدة حالات أرسلت فيها تركيا لاجئين من الإيغور إلى دول مثل طاجيكستان، حيث يسهل على الصين تأمين تسليمهم. وأشارت إلى امرأة أخرى تدعى زينتيغول تورسون، رُحِّلت أيضاً من تركيا إلى طاجيكستان ثم الصين العام الماضي. وذكرت أن الرئيس التركي يصوِّر نفسه حامياً للمسلمين في جميع أنحاء العالم، إذ يسعى نحو 50 ألفاً من مسلمي الإيغور للجوء إلى تركيا، لكن أصبح عدد متزايد من أولئك الموجودين في تركيا يخشون نفوذ الصين.

وهذه ليست التقارير الأولى عن امتثال الحكومة التركية للطلبات الصينية ضد اللاجئين الإيغور، إذ أفادت الإذاعة العامة الوطنية الأميركية، في مارس (آذار) الماضي، أن لاجئاً من الإيغور يدعى عبد الرحيم إمين باراش، المعروف بانتقاده الصين، تعرّض للاعتقال في إسطنبول على أيدي رجال الشرطة الأتراك الذين "حثوه على عدم التحدّث علناً ضد الصين".

وأوضح إبراهيم إرجين، محامٍ متخصص في قضايا الترحيل، أن أنقرة لا تسلّم الإيغور مباشرة إلى بكين. ويضيف "إنهم (الصين) يحاولون جعل حياة أولئك اللاجئين بائسة قدر الإمكان، وإرسالهم إلى بلدان أخرى حيثما أمكن". مؤكداً أنه "مع تحسّن العلاقات بين الصين وتركيا، كانت الخسارة للإيغور".

المصالح الاقتصادية

ويقول بعض النشطاء إن اعتماد أنقرة الاقتصادي المتزايد على بكين يضر بقدرتها على تحمُّل الضغوط الصينية وحماية الإيغور. لقد أدّى الاقتصاد التركي المتعثر والعلاقات السيئة مع أوروبا إلى تقريب تركيا من الصين. واستثمرت الشركات الصينية المليارات في تطوير البنية التحتية التركية كجزء أساسي من مشروع بكين العملاق "الحزام والطريق".

بينما بدت تصريحات الرئيس التركي المتناقضة تبرز على السطح بشأن قضية مسلمي الإيغور، منذ زيارته الصين، في مطلع يوليو (تموز) 2019. ففي حين شنّ أردوغان، في تعليقات سابقة، هجوماً على بكين بشأن هذه القضية، ووصفت وزارة الخارجية التركية ما يحدث من اضطهاد لأقلية الإيغور التي تتحدّث التركية، بأنه "عار كبير على الإنسانية"، تراجع أردوغان خلال لقائه نظيره الصيني شي جين بينغ، في قصر الشعب ببكين، العام الماضي، عن موقفه ليقول "إن الأقليات الإثنية في إقليم شينغيانغ تعيش بسعادة".

ونقلت وكالة أنباء الصين الجديدة (شينخوا) عن الرئيس التركي، وقتها، قوله إن "تركيا ما زالت ملتزمة سياسة الصين الواحدة"، بل شدد أردوغان على أن المقيمين من مختلف الإثنيات "يعيشون بسعادة في منطقة شينغيانغ للإيغور التي تتمتع بحكم ذاتي بسبب ازدهار الصين،  وتركيا لن تسمح لأحد بدق إسفين في علاقاتها مع الصين"، معرباً "عن استعداده لتعزيز الثقة السياسية المتبادلة والتعاون الأمني مع الصين للتصدي للتطرف".

وخلال مؤتمر صحافي عقده في سفارة بلاده بالعاصمة الصينية خلال الزيارة، قال أيضاً "توجد جهات (لم يسمها)، تحاول استثمار مسألة تركستان الشرقية (شينغيانغ) والإيغور لزعزعة العلاقات التركية الصينية". ولفت وقتها إلى أن الجانبين التركي والصيني "اتفقا على هدف مشترك، لرفع حجم التجارة بينهما إلى 50 مليار دولار، وإمكانية التوقيع على مشروعات مهمة، مثل (قناة إسطنبول)، ونفق ثلاثة طوابق تحت مضيق البوسفور، ومشروعات أخرى في ولاية قونية (وسط)".

وذهب أردوغان إلى بكين في 2019، بهدف جذب الاستثمارات الصينية، لا سيما وسط التوترات المتزايدة بين أنقرة وحلفائها فى أوروبا والولايات المتحدة. ولقاؤه نظيره الصيني هو الاجتماع الثاني بينهما خلال أقل من ثلاثة أسابيع بعد مؤتمر دولي في طاجيكستان عقد منتصف يونيو (حزيران) 2019.

وسافر الرئيس التركي في يوليو من العام نفسه، أميالاً إضافية لزيارة شي في بكين بدلاً من مجرد الجلوس معه في قمة مجموعة العشرين التي عقدت في اليابان قبلها بأسبوع واحد. وقبل وصوله، عبّر أردوغان في تصريحات إلى وسائل الإعلام الصينية عن رغبته في إصلاح العلاقات مع بكين، وحثّ على مزيد من التعاون في مجالات تشمل النقل والسياحة والتجارة والاستثمار.

التسويق السياسي

ويعتقد مراقبون أن قضية الإيغور بالنسبة إلى أردوغان ورقة للتسويق السياسي لنظامه، إذ سعى لتقديم نفسه في المنطقة خليفة للمسلمين، مدافعاً عنهم أينما كانوا. ففي 2009 وصف أردوغان، الذي كان رئيساً للوزراء آنذاك، وضع الإيغور بأنه "نوع من الإبادة الجماعية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي 2015، عرضت تركيا أيضاً تقديم مأوى للاجئين الإيغور الفارين من الصين، ليتغير الموقف سريعاً في ظل ما تواجهه بلاده من أزمة اقتصادية، لا سيما بعدما نشرت صحيفة "غلوبال تايمز" الصينية المملوكة للدولة، افتتاحية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2018، تعرض الدعم الاقتصادي الصيني، لكنها حذّرت بشكل صارم الإدلاء بأي ملاحظات غير مسؤولة بشأن سياستها في شينغيانغ.

وتقول مجلة آسيا ريفيو إن بكين تستخدم مع أردوغان سياسة العصا والجزرة، ففي مارس 2019، هاجم دينغ لي، السفير الصيني بأنقرة، في تصريحات لوكالة رويترز، انتقادات تركيا العلنية للصين بشأن الإيغور، وقال "إذا اخترتم سبيلاً غير بنّاء، فسوف يؤثر سلباً في الثقة والتفاهم المتبادل، وسينعكس ذلك على العلاقات التجارية والاقتصادية".

وبنهاية الشهر نفسه، قال دينغ للإعلام التركي، إن الصين "ترغب في مضاعفة استثماراتها بتركيا إلى ستة مليارات دولار، وكذلك عدد السياح الصينيين إلى 800 ألف بحلول عام 2021".

وقال إسماعيل جنكيز، وهو ناشط بارز من الإيغور يعيش بتركيا، في حديثه إلى "تلغراف"، "استثمارات بكين في تركيا جاءت على حساب الإيغور. يوجد كثير من الأموال على المحك، وقضيتنا تأتي في المرتبة الثانية بعد ذلك".

وعلى الرغم من أنها تدعم علانية محنة الإيغور، فإن أنقرة ملزمة بموجب اتفاقيات ثنائية مع وزارة العدل الصينية للتحقيق في الشكاوى الصينية ضد الأشخاص. وقالت "تلغراف" إن ذلك أدّى إلى قضاء عشرات من الإيغور أشهراً داخل مراكز الاحتجاز والترحيل في تركيا من دون اتهام، بناء على المذكرات القضائية الصينية. وقال جنكيز: "توجد تهديدات منظَّمة. (الصين) تريدنا أن نعتقد أن بإمكانها الوصول إلينا في أي مكان".

وترفض بكين اتهامات توجهها إليها واشنطن ودول أوروبية، بشأن احتجاز أكثر من مليون شخص من أقلية الإيغور العرقية وغيرهم من المسلمين في معسكرات بالمنطقة الشمالية الغربية من البلاد وحرمانهم حقوقهم. وتقول الحكومة الصينية إن هذه الجهود تأتي في إطار مكافحة الإرهاب، وتؤكد أنها تحاول محاربة "قوى الشر الثلاث"، المتمثلة في "الإرهاب، والتطرف، والانفصالية" بالمنطقة. 

والأسبوع الماضي، وقّعت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب عقوبات ضد 11 شركة صينية، تقضي بمنعها من شراء التكنولوجيا والمنتجات الأميركية من دون ترخيص خاص، ذلك بدعوى تواطؤ الشركات في انتهاكات تتعلق بحقوق الإنسان في حملة الصين التي تستهدف الأقليات المسلمة بإقليم شينغيانغ. 

المزيد من تقارير