Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

اللغة الفرنسية في تونس اختيار أم تركة أم حتمية تاريخية؟

وجدت نفسها مجدداً بعد الثورة في قلب الصراع بين الإسلاميين والعلمانيين

عيّنة من الكتب المدرسية باللغة الفرنسية المعتمدة في تونس (اندبندنت عربية)

اختيرت تونس، خلال قمّة "المنظمة الدّولية للفرنكوفونية" التي عقدت في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2018 في العاصمة الأرمينية، يريفان، لاحتضان القمّة المقبلة التي تتزامن مع الذكرى الـ 50 لاحتضان القمّة الفرنكوفونية، والتي كانت مقرّرة في ديسمبر (كانون الأول) 2020.

قمة الفرنكوفونية بلا موعد

ولم يتمّ إلى الآن، تحديد موعد نهائي لهذه القمّة، بسبب "كورونا"، وكان رئيس الجمهورية التونسية قيس سعيّد، أجرى في 19 مايو (أيار) 2020 محادثة، مع الأمينة العامة للمنظمة الدولية للفرنكوفونية، لويز موشيكيوابو، تناولت تأجيل موعد انعقاد القمّة التي كان من المفترض، أن تحتضنها تونس في ديسمبر المقبل، واقترح رئيس الدّولة تنظيم القمة في جزيرة جربة (جنوب تونس)، وقد رحّبت الأمينة العامة للمنظمة بالفكرة، وتعهّدت بالعمل على تحقيق ذلك، ولم تكشف رئاسة الجمهورية عن التاريخ الجديد المقترح لهذه القمة.

تاريخ الفرنكوفونية

وأنشئت مؤسسة الفرنكوفونية، عام 1970، في نيامي، بمبادرة من آبائها المؤسّسين، من أمثال ليوبول سيدار سنغور، والحبيب بورقيبة، ونورودوم سيانوك، وذلك بموازاة إنشاء وكالة التعاون الثقافي والتقني، التي أصبحت في ما بعد الوكالة الحكومية الدّولية للفرنكوفونية، عام 1998 ثم المنظمة الدولية للفرنكوفونية عام 2005، ويتمثل هدف المنظمة، في ترويج اللغة الفرنسية، وتعزيز التعاون، بين الدول، والحكومات الأعضاء، البالغ عددها 84 دولة وحكومة.

ترويج اللغة الفرنسية

ترويج اللغة الفرنسية، وتعزيز التعاون، بين الدّول الناطقة بالفرنسية، هي أهداف كبرى نبيلة، إلا أن ارتباط اللغة الفرنسية بالدولة التي كانت تستعمر دول شمال أفريقيا، وبينها تونس، أثار ولا يزال، جدلاً واسعاً حول مكانة هذه اللغة، وارتباطاتها بالموروث الاستعماري، وما رافقه من تصادم بين التونسيين والمستعمر.

كما تطرح هذه اللغة المستعملة في تونس، منذ ما قبل الحماية الفرنسية، مسألة التبعية لفرنسا، وهو نقاش قديم جديد، ويراها البعض تذكيراً بالاستعمار وممارساته، بينما يعتبرها آخرون علامة انفتاح وانخراط في المنظومة العالمية.

أول مدرسة فرنسية في تونس

فما هي مكانة اللغة الفرنسية في تونس قديماً وحديثاً؟ وهل هي فعلاً هي علامة تبعية لفرنسا؟

فقد أنشئت أول مدرسة فرنسية في تونس، سنة 1840، قبل أن يتم بعث 10 مدارس أخرى قبل بداية الاستعمار الفرنسي، وتدير هذه المدارس مؤسسات دينية كاثوليكية، لا تتبع رسمياً الدّولة الفرنسية، إلا أنها تحظى بدعمها، بسبب سياسة فرنسا وقتها التوسعية، بعد احتلال الجزائر في 1830.

إضافة إلى ذلك، كانت المدن التونسية الكبرى، تعجّ بالأوروبيين، خصوصاً منهم المتحدّثين بالفرنسية كالمالطيين والإيطاليين، إضافة إلى وجود لغات أخرى كالإيطالية، والتركية، وحتى العبرية.

اللغة الفرنسية وخير الدين باشا

في أواسط القرن الـ 19، ومع ظهور حركة إصلاحية تونسية، يقودها خير الدين باشا والتي ضمّت عدداً من المثقفين، اعتبروا أن أساس تخلّف المسلمين، هو عدم اطلاعهم على العلوم الحديثة، وجمود منظومتهم التعليمية التقليدية التلقينية، واقترحوا تأسيس مدارس عصرية، تدرّس اللغات الأجنبية والعلوم الصّحيحة، وتطبيقاً لهذه الأفكار، تأسّست المدرسة الحربيّة بمنطقة "باردو" سنة 1840، ثم المدرسة الصّادقية سنة 1875، وفي كلتا المؤسستين كان هناك حضور قوي للغة الفرنسية والمدرّسين الفرنسيين.

حقبة الاستعمار

ويمكن القول إن ظهور اللغة الفرنسية، في تونس، كان نتيجة رغبة داخلية، من قبل الحركة الإصلاحية للنهوض والانفتاح، ورغبة خارجية من فرنسا، التي ترغب في مزيد التوسع والنفوذ في المنطقة، وخلال حقبة الاستعمار الفرنسي، كانت اللغة الفرنسية، مهيمنة، ووضعت فرنسا نظاماً تعليمياً، يسمى "الفرانكو أراب "Franco-Arab، وهو خاصّ بالتونسيين، إذ تدرّس العلوم واللغة الفرنسية، مع تخصيص حيّز صغير للغة العربية، وتقول أستاذة التاريخ المعاصر، في جامعة تونس، قمر بن دانة لـ "اندبندنت عربية"، إن التعليم لم يكن وقتها في متناول الجميع، بل هو حكر على العائلات المقربة من المستعمِر، وبعض الأعيان، الذين آمنوا بالتعليم، مع الإشارة إلى أن الوجهاء والمقرّبين من العائلة الحاكمة، في تلك الحقبة، لا يولون اهتماماً كبيراً للتعليم.

وكانت الغاية من النظام التعليمي، الذي وضعته فرنسا، تكوين كفاءات تونسية قادرة، على العمل في إدارات الاستعمار، ولدى الفرنسيين، وحتى يكونوا همزة الوصل بين فرنسا، والتونسيين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)


اللغة الفرنسية الثانية بعد العربية

وإثر نيل تونس استقلالها "الكامل" عام 1956، حافظت اللغة الفرنسية على مكانة متميّزة في البرامج التعليمية التونسية، كما شيّدت فرنسا شبكة من المؤسسات التربوية، التي تتبعها مباشرة، والتي يبلغ عددها اليوم أكثر من 10 مدارس ومعاهد، بالإضافة إلى 12 مركزاً لتدريس اللغة الفرنسيّة، موزّعة على معظم المدن التونسية الكبرى.

وبقيت اللغة الفرنسية، هي اللغة الثانية، بعد العربية، في المناهج التربوية، وفي الجامعات التونسية، وتوجد اللغة الفرنسية في مختلف الوثائق الرسميّة الإدارية التونسية وتستخدم بكثافة أكثر في القطاع الخاص مقارنة بالقطاع العام.

وتؤكد أستاذة التاريخ المعاصر قمر بن دانة أن المنظومة التشريعية التونسية، كلها تقريباً مستوحاة من فرنسا، لذلك بقيت غالبية الوثائق إلى اليوم بالفرنسية.

الفرنسية لغة النخب والأعيان

واستعمال اللغة الفرنسية لدى التونسيين متفاوت، بين عامّة النّاس، وذوي المستويات التعليمية الضعيفة، ومن لديهم مستوى جامعي أو أكثر، لذلك اعتُبرت علامة وجاهة، وتعكس الطبقة الاجتماعية للمتحدثين بها، وارتبطت أكثر فأكثر بالأحياء الراقية والمناطق السّاحلية لقربها من المدارس الفرنسية وأيضاً المنشآت السياحية.

مفهوم الفرنكوفونية

وبالعودة إلى مفهوم الفرنكوفونية، من زاوية التاريخ، أكدت أستاذة التاريخ المعاصر، بجامعة منوبة، قمر بن دانة أن مفهوم "الفرنكوفونية" ظهر في سياق التنافس، بين اللغات ولم يكن المفهوم مطروحاً، حين كانت اللغة الفرنسية، ضاربة وهي لغة الأدب والثقافة وأيضاً لغة الهيمنة والنفوذ.

وظهر المفهوم بقوة، في القرن الـ 19 من خلال التعليم والدبلوماسية، لأنهما القنوات الأهمّ لتعزيز حضور اللغة الفرنسية، من أجل أن تبقى فاعلة من خلال الفلسفة والأفكار وأيضاً من خلال الممارسة السياسية، وتضيف قمر بن دانة أن اللغة الفرنسية، كانت طاغية، لان فرنسا، كانت وقتها قوة، ذات نفوذ، وتستمد اللغة الفرنسية، قوتها وقدرتها على التسرّب في المجتمعات الأخرى، من قوة الدولة الفرنسيّة.

وشددت من جهة أخرى على أنه لم يتم التخلي، عن تدريس اللغة العربية، في تونس في أي فترة في تاريخ البلاد، وحتى عندما تم إغلاق التعليم الزيتوني كانت الغاية هي توحيد التعليم حتى لا يبقى في مسارين متوازيين.

أفول اللغة لا يعني موتها

وفي إجابة عن سؤال، يتعلق بمدى قدرة اللغة، على الدوام، والازدهار، أكّدت أستاذة التاريخ المعاصر أن الفرنسية، لم تعد مهيمنة اليوم، لأن الهيمنة كمفهوم تغيّر، والدول التي تسيطر على المفاتيح الاقتصادية في العالم، هي التي تملك لغة العالم لان تقنيات السيطرة على العالم تغيرت بدورها، واليوم الهيمنة تكون عبر رأس المال، ومن خلال البنوك، والدبلوماسية والتعليم.

وحول "موت اللغة" أكدت قمر بن دانة أن عدم توهج لغة ما وأفولها، لا يعني بتاتاً موتها، واللغة الفرنسية، راكمت فكراً وفلسفة وأدباً يشفع لها، وبالتالي إن أفل نجمها لا يعني موتها.


الفرنسية في قلب الصراع مجدداً

وبعد الثورة، عام 2011، وجدت اللغة الفرنسية نفسها مجدداً في قلب الصراع بين الإسلاميين من جهة والحداثيين العلمانيين من جهة أخرى، وطفت على السطح، شتائم ونعوت، من قبيل "الحثالة الفرنكوفونية" و"أيتام فرنسا"، كما أنشِئت صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي، لشتم كل من يتحدّث عن فرنسا أو يمجّدها، أو يتكلم بالفرنسية، كما تعرّض عدد من التونسيين الحاصلين على الجنسية الفرنسية والذين دخلوا عالم السياسة في تونس، إلى نعوت مختلفة وشتائم بسبب الجنسية الفرنسية.

في المقابل، اعتبر عدد من الحداثيّين، أن نقمة فئة من التونسيين على المتحدّثين بالفرنسية، يعود إلى أسباب ثقافية تاريخية، في علاقة بإغلاق التعليم الزيتوني، وما تم ترويجه من قبل الإسلاميين من توجّه الحبيب بورقيبة إلى اللائكية، وضرب الإسلام، كما تم ربط اللغة الفرنسية بالدولة الاستعمارية ولم يتخلصوا من هذه الفكرة.

فالفرنكوفونية في تونس هي اختيار تبنّته النخب الفكرية والسياسية، وتدافع عنه من خلال مختلف المنابر، لأنها تعتبرها مفتاح النجاح في مختلف القطاعات.


الفرنكوفونية في المجتمع المدني

وتسللت الفرنكوفونية، كرؤية، إلى المجتمع المدني في تونس، الذي يتبنّى تلك الرؤية، ويعمل على تعزيز اللغة الفرنسية، في التعليم ويدافع عن هذا الخيار من دون الحط من أهمية وقيمة بقية اللغات.

مؤسس جمعية "فرنكوفونيات سوسة" عمار عزّوزي، أستاذ اللسانيات، في جامعة سوسة قال لـ "اندبندنت عربية" إنه "أسّس الجمعية، عام 2016، من أجل بعث ديناميكية حول الفرنكوفونية، وتوضيح بعض المفاهيم، خصوصاً بعد ما شهدته البلاد، من تجاذبات بعد سنة 2011 .

وأشار إلى أنّ الهدف من تأسيس الجمعية، ليس سياسياً، إنما ثقافي، وهو خلق رِباط ثقافي حول اللغة الفرنسية، من خلال ملتقيات بين الدول الفرنكوفونية، مشدّداً على أهمية اللغة الفرنسية في تونس، سواء في التعليم أو في الإدارة، ودعا أستاذ اللسانيات التونسيين إلى العمل على إتقان أكثر من لغة، من أجل مزيد من الانفتاح على الثقافات الأخرى، لأن مفتاح الولوج إلى العالم الآخر هي اللغات، من دون أن يرى مانعاً، في أن يتمّ تعزيز تدريس اللّغات في تونس، مشيراً إلى أنّ المشكلة، هي في كيفية تدريس هذه اللغات، من خلال تحديث المناهج، والأساليب البيداغوجية للتدريس، من أجل ترغيب التلاميذ والطلاب في اللغة، لا تنفيرهم منها.

وشدّد على أنّ العالم اليوم، يعتمد أكثر فأكثر على اللغة الإنجليزية، ومفتاح الدخول إلى عالم الشغل يكون عبر بوابة اللغات، داعياً إلى التفكير في الأجيال المقبلة عبر إثراء وتدعيم تدريس اللغات، من دون أن يبدي تحيّزاً للغة بعينها، ويعتبر كلّ اللغات مهمّة مشيراً إلى أنّ التلميذ يمكنه أن يتعلم ويتقن ست لغات قبل الـ 12 سنة.

تجدر الإشارة، إلى أنّ جمعية "فرنكوفونيات سوسة" تجمع مجموعة من الأساتذة والطلاب ونظمت أول دورة لمهرجان "فرنكوفونيات سوسة" عام 2018.
 

دعوة إلى تعريب الإدارة 

في المقابل، يرى عدد من المدافعين عن اللغة العربية، ضرورة تعزيز هذه اللغة لأنها اللغة الأصل في تقديرهم، من خلال التزام وسائل الإعلام بها واحترام قواعدها، داعين إلى ضرورة تعريب مختلف الوثائق الإدارية، والمجلّات القانونية، وتأصيل اللغة العربيّة، في المحيط التربوي، والجامعي، وأيضاً في المجال الثقافي، من أجل وضع حدّ لحالة التدهور التي تعيشها اللغة العربية اليوم.

ويقول رئيس جمعية "حماة اللغة العربية"، جاسر عيد، لـ "اندبندنت عربية" "ما يزعجنا، هو عدم استعمال اللّغة العربية، في معاملاتنا الإدارية التي تمثل الدولة التونسية، مشيراً إلى انه لا يرى مانعاً في وجود لغات أخرى في تونس".

واستشهد بالفصل الأول من الدستور، الذي ينصّ على أن اللغة العربيّة، هي اللغة الرسمية للتونسيين، داعياً إلى منع استعمال مفردات فرنسيّة، تكتب بلغة عربية، في اللافتات الإشهارية، والومضات التجاريّة في وسائل الإعلام، وهو ما اعتبره إساءة للغتين في الوقت نفسه.

وأضاف أن جمعية "حماة اللغة العربية" وبالتعاون مع جمعيات أخرى ناشطة في المجال نفسه تقدمت بمبادرة تشريعيّة تفرض استعمال اللغة العربية في الإدارة التونسية.

محطّات تاريخية كبرى مرّت بها اللغة الفرنسية في تونس، انطلاقاً من بدايات القرن الـ 19 والجدل حولها متواصل إلى اليوم، ولئن ارتبطت هذه اللغة بإرث الاستعمار في العقلية العامّة، إلا أنها بقيت متفرّدة برصيدها الفلسفي والأدبي، ووجودها بالشكل نفسه ضمن البرامج الرسمية لوزارة التربية ووزارة التعليم العالي يدعو إلى ضرورة مراجعة أساليب تدريسها بهدوء بعيداً من التشنّجات الإيديولوجية والسياسية.