Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أربعة كتب تثير رفضاً مسيحياً بسبب "ترجمات خاطئة لجوهر الدين"

الكنائس المصرية والكلية اللاهوتية في الأردن تعتبرها تحمل فكراً مغالطاً لما جاء في الإنجيل وعبارات تتناقض مع المفاهيم المسيحية

تتفق الكنائس المصرية والعربية على الترجمة العربية البيروتية (فاندايك) للكتاب المقدس (رويترز)

أكثر من اثني عشر بياناً صدرت عن مؤسسات وهيئات مسيحية داخل مصر وخارجها، خلال الأيام القليلة الماضية، تعرب عن رفضها وتحذر من مجموعة مكونة من أربعة كتب قدمها مؤلفوها باعتبارها نسخاً مترجمة للكتاب المقدس بشكل مبسط تهدف للتواصل مع الثقافات المختلفة من غير المسيحيين، بينما حذرت منها الكنائس المصرية المختلفة، فضلاً عن الكلية اللاهوتية في الأردن باعتبارها تحمل فكراً مغالطاً لما جاء في الإنجيل وعبارات تتناقض مع المفاهيم المسيحية.

مجموعة الكتب محل الجدل، التي شارك في إعدادها أساتذة ومترجمون من دول عربية عدة بينهم الهادي جطلاوي عميد كلية الآداب في تونس وهاشم العلوي القاسمي رئيس شعبة التاريخ بجامعة فاس في المغرب والكاتب السوري مظهر الملوحي، يعود بعضها لعام 2008، غير أن الجدل أثير حولها فقط أخيراً، عندما دعا القس أشرف نادي حبيب، عضو مجمع القاهرة الإنجيلي المشيخي، رئيس وأعضاء اللجنة التنفيذية السنودسية للكنيسة الإنجيلية المشيخية بمصر إلى التحقيق في ما وصفه مشروع الترجمات القرآنية للكتاب المقدس، مشيراً تحديداً إلى أحد كتب المجموعة الذي يأتي بعنوان "المعنى الصحيح لإنجيل المسيح"، بسبب مشاركة أحد أعضاء السنودس وهو القس إكرام لمعي، أستاذ مقارنة الأديان بكلية اللاهوت الإنجيلية، في تأليف الكتاب.

 تعبيرات خاطئة تمس جوهر العقيدة

وصدرت بيانات عن كل من الكنيسة الأرثوذكسية القبطية والكنيسة الكاثوليكية والكنيسة الإنجيلية وغيرها من الكنائس التابعة، والتي اتفقت جميعها على رفض محتوى هذه الكتب، وتؤكد أن لا علاقة لها بهذه الترجمات المزعومة والتي صدرت من مؤسسة خارج مصر في مجلدين تحت اسم "المعنى الصحيح لإنجيل المسيح" و"البيان الصريح لحواري المسيح"، بحسب ما ورد في بيان الكنيسة الإنجيلية المشيخية في مصر وسنودس النيل الإنجيلي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي حديث لـ"اندبندنت عربية" قال الأنبا هاني باخوم، النائب البطريركي والمتحدث باسم الكنيسة الكاثوليكية المصرية، إنه بعد اطلاع الكنيسة الكاثوليكية على الكتب فإنها وجدت أنها تقدم ترجمات وتفسيرات معينة بطريقة خاطئة تماماً عن جوهر المسيحية وتتضمن تعبيرات خاطئة. وأشار إلى أن التواصل مع الآخر وتقريب الثقافات لا يعني التقليل من محتوى "إيماننا"، مشيراً إلى أن المحتوى نفسه فيه أخطاء كبيرة. وهو ما يتفق مع آراء الكنائس وكليات اللاهوت المختلفة، إذ أكد الدكتور أندريه ذكي، رئيس الطائفة الإنجيلية في مصر، في تعليقات تعود لفبراير (شباط) الماضي على إحدى القنوات الدينية، أن الكتب تتضمن العديد من الأخطاء اللاهوتية الواضحة.

وأصدرت دار الكتاب المقدس، المسؤول عن طبع وتوزيع الكتاب المقدس في مصر وترجمته للغات أخرى لجميع الطوائف والمذاهب المسيحية، بياناً أكدت فيه أن الدار أو أي شخص يعمل بها لم يشتركوا في هذا العمل على الإطلاق سواء من ناحية الفكر أو الإعداد أو التنفيذ، أو حتى توزيعه بأي سبيل. وأوضح بيان الدار، التي تأسست عام 1883، أنه بموجب تقرير لجنة داخلية متخصصة للإصدار موضع الجدل فإن الدار ترفض مضمونه ومنهجية إعداده، حيث لم يتوافر له الالتزام بمعايير وضوابط الترجمة التي أقرها اتحاد دور الكتاب المقدس، ويتفق عليها علماء الترجمة والمتخصصون فيها.

أضافت أن اللجنة أبدت انزعاجها الشديد من بعض المفردات والمصطلحات المستخدمة في هذا الإصدار، التي تقود إلى زعزعة الكثيرين عن الإيمان والحقائق الأساسية التي يجب أن يتعامل معها الجميع بكل يقظة وحذر. وتابع البيان أنه من غير المقبول أن تؤدي محاولات التبسيط للتواصل مع مختلف الثقافات إلى مثل هذا الخلل الجوهري في التعبير عن أساسيات وثوابت كلمة الله.

ليست متاحة وليست شيقة

وبتواصل " اندبندنت عربية " مع رامز عطاالله، مدير دار الكتاب المقدس، رفض مناقشة ما جاء بالكتب الأربعة او توضيح بعض نقاط البيان المتعلقة بتقرير لجنة المراجعة وأكد الاكتفاء بما جاء في البيان الصادر عن مجلس الدار. وقال إنه عادة لا تعلق الدار على أي كتب تصدر من أي جهات أخرى، غير أن البيان جاء رداً على إشاعات أثيرت بشأن مشاركة دار الكتاب المقدس في نشر إحدى الكتب موضوع الجدل.

وقال عطاالله إن دار الكتاب المقدس تخدم كافة الكنائس من مختلف الطوائف ولا يمكنها الحديث باسم الكنائس وجميع المسيحيين. وأوضح أنه على نقيض ما أشيع بأن الكتب توزع مجاناً، فإن الكتب ليست متاحة في السوق، مضيفاً "الكتب لا تستحق هذه الضجة ولا تباع في مصر، فلقد صدرت قبل أكثر من 10 سنوات وليست شيقة ولا سوق لها، بينما ما يحدث حولها سيصب في صالح الترويج لها".

ترجمة فاندايك

وتتفق الكنائس المصرية والعربية على الترجمة العربية البيروتية (فاندايك) للكتاب المقدس، وهي التي تقوم دار الكتاب المقدس في مصر بنشرها وتحتفظ بحقوق الطبع والنشر في مصر، لهذه الترجمة المستخدمة والمعتمدة منذ عام 1865 في معظم الكنائس في مصر والعالم العربي. وإضافة إلى ترجمة فاندايك، فإن الكنيسة الكاثوليكية تعتمد ترجمات أخرى مثل الترجمة السبعينية والترجمة المشتركة، وأوضح الأب باخوم إنه في ما يخص الترجمات والكتب الرسمية فلا بد أن يكون عليها تصديق واعتماد من الكنيسة، وفي حال عدم توافر ذلك الأمر يتم اعتبار العمل مجرد آراء شخصية ومن حق الكنيسة أن تحذر منه.

نفي بالمشاركة

ووسط هذا الجدل، أصدر القس إكرام لمعي بياناً ينفي صلته بالكتب المذكورة، وكتب على حسابه على "فيسبوك" قائلاً: "بشأن الترجمة المزعومة لكتب العهد الجديد بالكتاب المقدس والصادرة عن دار نشر خارج مصر في جزءين: الأول بعنوان "المعنى الصحيح لإنجيل المسيح"، والثاني بعنوان "البيان الصريح لحواري المسيح، أعلن بأنني لم أقم على الإطلاق بعمل ترجمة لأي جزء في الكتابين؛ حيث أنني لست متخصصاً في هذا الشأن، بالتالي أؤكد عدم مشاركتي في هذه الترجمة".

أضاف "تم وضع اسمي على غلاف الجزء الثاني من هذه الترجمة من قبل دار النشر التي طبعتها من دون علمي؛ وسواء وضع اسمي أو اسم غيري، فمن الواضح أنه بهدف الترويج لهذه الترجمة".

وحاولت "اندبندنت عربية" التواصل مع القس لمعي، لكنه لم يرد على طلبها بالتعليق، بخاصة أنه يتولى أيضاً منصب رئيس مجلس الإعلام والنشر بالكنيسة الإنجيلية المشيخية بمصر، لكنه أوضح في منشور آخر على صفحته الرسمية في "فيسبوك"، "أن خلال اجتماع اللجنة التنفيذية العليا للكنيسة الإنجيلية المشيخية في مصر، الأسبوع الماضي، لدراسة أمر الكتب، طلبوا منه توضيح موقفه من الكتب المترجمة بخطاب تعضيدي من دار النشر، وبالفعل أرسل خطاب للدار التي ردت كتابة أنه ليس له دور في الترجمة، لكنه واحد ضمن عدد كبير من المستشارين لكل إنتاج الدار".

 

دراسة نقدية

لم ينحصر التحذير من الكتب المذكورة داخل مصر فقط، إذ أصدرت الكلية اللاهوتية الكتابية في الأردن بياناً بتوقيع الرئيس المؤسس القس البروفيسور غسان حداد، يقول إن إدارة الكلية قررت بعد الاطلاع على دراسة القس أشرف حبيب وبعد الاطلاع ودراسة أجزاء من هذه الترجمة ومعرفة خلفيات أغلب الذين قاموا بها وبعد الاستعانة ببعض المختصين، نرفض هذه الترجمة بشدة لما فيها من عدم دقة والتزام بالمعايير المتبعة في ترجمة الكتاب المقدس، ولأنها ترجمة تمس بجوهر العقيدة المسيحية الكتابية. كما أعربت الكلية عن تأييدها للبيان الصادر من دار الكتاب المقدس في مصر، مشيرة إلى أنه الجهة الوحيدة المخولة القيام بهذا أو رفضه.

وكان القس حبيب من الكنيسة الإنجيلية المشيخية في مصر، قد أصدر في فبراير (شباط) الماضي، كتاباً مكوناً من 500 صفحة بعنوان "إنجيل آخر ومسيح آخر، نظرة نقدية لمشروع الترجمات الصوفية للكتاب المقدس"، يشرح الأخطاء الواردة في سلسلة الكتب محل الجدل وبخاصة كتاب "المعني الصحيح لإنجيل المسيح" الذي يقدمه مؤلفوه باعتباره ترجمة لبعض أسفار الكتاب المقدس. وحمل الكتاب دراسة نقدية ومناظرة لآيات الكتاب المقدس مع ما ورد من نصوص في الكتب باعتبارها ترجمة أخرى للآيات.

وحاولت "اندبندنت عربية" التواصل مع حبيب غير أنه أعرب عن رغبته في تأجيل الحديث تفصيلاً عن القضية.

قراءة وليست ترجمة

وعلى الجانب الآخر، رأى آخرون أن خطأ صناع الكتب يتمثل في تقديم عملهم كترجمة للإنجيل وليس كرؤية أو قراءة خاصة. وفي تصريحات خاصة قال المفكر القبطي كمال زاخر، إن الكتب ليست ترجمة ولكنها تمثل طرح رؤية، وأشار "إذا قال صناع العمل إن كتابهم هو تحليل إسلامي للمسيحية، كان سيكون ذلك مقبولاً به باعتباره عملاً ثقافياً فكرياً يمكن الرد عليه، لكن تقديمه كترجمة فهذا يوضع أمامه الكثير من علامات الاستفهام".

أضاف "هناك خلط كبير من قبل صناع المحتوى، ففي كتاب "المعنى الصحيح لإنجيل المسيح" خلط مؤلفو الكتاب ما بين ترجمة النص والتعليق على النص وهذا يجعلنا أمام كتابين داخل الكتاب نفسه، فجزء ترجمة للنص وجزء تعليق على النص".

محاولة للتقارب مع الآخر

يقول المدافعون عن الكتب إنه نوع من التقريب أو محاولة تقديم المسيحية لغيرهم وبخاصة المسلمين بلغة ومصطلحات أكثر استساغاً لديهم. وفي منشور على حسابه على "فيسبوك"، كتب القس سامي عياد، من الكنيسة الإنجيلية العربية في تينيسي بالولايات المتحدة والأستاذ السابق بكلية اللاهوت الإنجيلية في مصر، يقول إن الكتبُ الأربعة "لم تمثل لي ولو ذرةَ قلقٍ واحدةٍ. ليس هذا لأنني أقبل أو أرفض هذه الكتب، لكن ببساطة، لأنني أعرف ما هي ولمَن كُتبتْ. هذه الكتبُ الأربعة ليستْ الكتاب المقدس، أي أنها ليست نسخةَ ترجمةٍ عربيةٍ أخرى بل هي تفسيرٌ للكتاب المقدس".

أضاف عياد "كُتبَ هذا التفسير ووُجِّه، ليس لنا، بل لإخوةِ لنا من خلفياتٍ أخرى. ونحن ليس لنا أي حق لا في إدانة ولا في منع أي تفسير للكتاب، واجبنا أن نقرأ كل شيء ونفحص كل شيء بنور روح الله، ثم نأخذ ما يناسب إيماننا ونترك ما يستريحُ له ضميرنا المسيحيُ. على مدار الزمن ظهرتْ آلاف التفاسير للكتاب المقدس، بكل اللغات. بعضُها جيد، وبعضُها رديء. في ضوء نسخة الكتاب العربية التي بين أيدينا (فاندايك) واللغات الأصلية أو حتى اللغة الإنجليزية للكتاب، أنت وحدك وروح الله من تستطيع أن تحدد ما تقبله أو ترفضه من هذه التفاسير". وأكد القس الإنجيلي أن أكثر النسخ العربية دِقةً وصدقيةً للكتاب المقدس هي نسخة فاندايك التي تصدر عن دار الكتاب المقدس.

غير أن زاخر يرى أن هذا الأمر يحمل خطورة لأنه باستخدام هذا النهج من التقريب مع الآخر يتم التنازل عن محاور رئيسية للإيمان المسيحي. وعلى سبيل المثال، يقول المفكر القبطي العلماني، فإن صناع الكتاب استبدلوا تعبير المسيح ابن الله في الآية الواردة في إنجيل متى إصحاح 3 وعدد 17 "هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت" بتعبير "حبيب الله"، وهي محاولة للالتفاف حول النص. وتابع زاخر بالقول إن دعوات التنوير والعلمانية تشوبها حالات من المزايدة لدرجة الاتجاه نحو توصيل المسيحية لغير المسيحيين من خلال تنازلات غير مقبولة وغير موضوعية.

تحذير وليس مصادرة

وقال الأب باخوم إن الكنائس لم تطالب أبداً بمنع أو مصادرة أي كتب، إذ يقتصر دورها فقط أن تحذر إلى أنها لا تتناسب مع الفكر المسيحي.

وأكد زاخر أيضاً أن نهج المنع والمصادرة لا يتناسب ويفتح الباب لتقويض حرية الرأي والإبداع، مثنياً على ما صدر من بيانات للكنائس والمؤسسات المسيحية تكتفي بالتحذير والتأكيد أن ما جاء في هذه الكتب مخالف لجوهر المسيحية ويحمل أخطاء جذرية. وهو ما أكده عياد قائلاً "نحن لسنا في عصور الظلام حتى تفرض الكنيسة على أحد ماذا يقرأ"، مشيراً إلى أن التعليم اللاهوتي في مصر يحتاج إلى إصلاح وتطوير أدواته وآلياته وتنقية التراث، بالتواصل المعرفي والعودة إلى جذور اللاهوت الحقيقي والتراث القبطي المجرد من الأصولية والجمود في القرن الخامس أو السادس. ويضيف أن الأصولية تسربت إلى التراث القبطي بعد القرن العاشر عندما حدث انقطاع معرفي وانغلقت الكنيسة على ذاتها بعد أن فُرض على الأقباط عدم التحدث بالقبطية، وحُرقت الكتب القبطية وخرجت أجيال جديدة لا علاقة لها بالتراث، مما أضعف مصادر التعليم.

المزيد من كتب