Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

اكتشاف مومياوين تعودان إلى عصر كليوباترا في مصر

الشخصان يمثلان رجلاً وسيدة يُعتقد أنهما من الكهنة أو النبلاء

مقبرة كليوباترا أحد الألغاز التي حيّرت علماء الآثار على مدار التاريخ (أ ف ب)

لا تزال كليوباترا، الملكة البطلمية الشهيرة، تمثل عالماً مليئاً بالغموض والسحر والأسرار، فالملكة الأسطورية التي عُرفت بالجمال والذكاء، التي كانت نهايتها في سنة 30 قبل الميلاد، لا تزال تحيِّر علماء الآثار، ليس في مصر، إنما في العالم أجمع، خصوصاً في ما يتعلق بمكان مقبرتها الذي ما زال أحد الألغاز التي لم تفكّ على مدار التاريخ.

ويعدُّ الافتراضان الشهيران حول المكان الذي يتوقع أن توجد فيه مقبرة كليوباترا هو إمّا الإسكندرية، حيث ولدت وكانت قمة مجدها، وإمّا بمنطقة تابوسيرس ماجنا (تعرف باسم أبو صير)، وتبعد نحو 30 كيلومتراً عن الإسكندرية، التي بناها أسلافها من البطالمة.

وأخيراً، جرى الكشف عن مومياوين لشخصين يمثلان رجلاً وسيدة في منطقة تابوسيرس ماجنا، يُعتقد أنهما كانا يعيشان في الفترة نفسها الخاصة بكليوباترا، ويبدو أنهما كانا من علية القوم، أو من الشخصيات النبيلة ذات المكانة في المجتمع، بسبب وجود بقايا لفائف من الذهب حولهما، وهو ما لم يكن متاحاً سوى لهذه الفئة من المجتمع.

ورغم أن المقبرة ظلت مغلقة لما يزيد على 2000 سنة فإن حالة المومياوين كانت سيئة بسبب تسرّب الماء إلى داخلها، وقد وُثِّقت عملية فتح المقبرة وصُوِّرت في فيلم وثائقي سيقدمه جلين جودينهو، المحاضر في علم المصريات بجامعة ليفربول تحت عنوان "رحلة البحث عن مقبرة كليوباترا"، الذي وصف الكشف بأنه مذهل.

كما ترأس الحفريات في المنطقة كاثلين مارتينيز، التي عملت في المكان نحو 14 عاماً، ومن اكتشافاتها السابقة في المنطقة تمثال من دون رأس، يُعتقد أنه للملك بطليموس الرابع، ولوحة التأثيث التي يظهر بها أن هذا المعبد مخصص للإلهة إيزيس، واكتشاف 200 قطعة نقدية تحمل اسم كليوباترا وصورتها.

وقال جودينهو، في الفيلم الوثائقي، "صورة كليوباترا على العملات المكتشفة لا تُظهرها بالجمال الأسطوري، الذي ارتبطت به في الأذهان، وظهرت به في أفلام هوليوود. لكن ربما كان هذا هو الشكل الذي تحب أن يراها الناس عليه، فغالباً هذه العملات صُنِعت بتعليماتها المباشرة، وتحت إشرافها".

ورغم أن كليوباترا كانت آخر ملوك البطالمة في مصر الذين استمروا قرابة الثلاثة قرون، فإنه وحتى الآن لم تكتشف مقبرة واحدة لملوك البطالمة في مصر.

ماذا تمثل المنطقة التي وُجِد فيها الكشف الأثري؟ وما قيمتها التاريخية والأثرية؟ وما الشواهد التي يمكن الاستناد إليها كدلائل قد ترجِّح أو تنفي وجود مقبرة كليوباترا في هذا المكان؟ للإجابة عن الأسئلة السابقة يقول المتخصص الأثري في المصريات بسام الشماع، لـ"اندبندنت عربية"، "المنطقة يميزها وجود معبد لإيزيس، وهي المعبودة الأسطورية للمرأة التي استمرت عبادتها ليس فقط في مصر القديمة، إنما في فترة البطالمة والرومان، وبالفعل وجدت لوحة التكريس الخاصة بهذا المعبد للمعبودة إيزيس في تابوسيرس ماجنا، وهي منطقة دينية مهمة في عصور مختلفة".

ويضيف، "يمكن أن يعود تاريخ المنطقة والمعبد الموجود فيها إلى عصور تسبق البطالمة. كان من الشائع في ذلك الوقت أن يُبنى على أطلال المعابد المصرية القديمة، والإلهة إيزيس استمرَّت معبودة حقباً زمنية مختلفة".

الكشف الأثري الأخير

لكن، هذا الكشف الأثري الأخير للمومياوين تعودان إلى فترة حكم كليوباترا ماذا يمثل؟ وما قيمته؟ وهل يمكن أن يمثل إضافة، أو يشير إلى أي دليل قد يساعد على حل اللغز وكشف موقع المقبرة المفقودة؟ عن هذا الأمر يقول الشماع "المومياوين اللتان عُثِر عليهما هما لرجل وسيدة في حالة ليست جيدة، يُقترح أنهما كهنة أو من علية القوم، لوجود رقائق ذهبية وبقايا لرسم جعران. والجعران في مصر القديمة تشير إلى إعادة الميلاد، أو ما اصطلح على أن يقال عليه (البعث)، وهذا طبيعي من وجهة النظر الطقسية المصرية القديمة، التي تبنّاها البطالمة خلال عصرهم، لكنهم لا يشكلون دليلاً على إمكانية وجود مقبرة كليوباترا بهذه المنطقة".

 

 

ويتابع، "حتى نستطيع الجزم بوجود مقبرة كليوباترا في هذا المكان أو غيره لا بدّ من أن تكتشف إمّا غرفة ذات جداريات منحوتة أو منقوشة أو مكتوب عليها النصوص الجنائزية للحياة بعد الموت، متضمنة خرطوشاً ملكيّاً عليه ألقاب كليوباترا، وإمّا إيجاد مومياء عليها جعران مذهّب، وداخلها خراطيش من ذهب أو أحجار كريمة، عليها اسم كليوباترا السابعة، فأي منهما سيمثل دليلاً قاطعاً على مكان دفن كليوباترا".

معركة أكتيوم وهزيمة كليوباترا

شكّلت موقعة أكتيوم البحرية علامة فارقة في التاريخ، فهي كانت نقطة فاصلة لبداية عصر وأفول آخر، فبعد انتصار أوكتافيوس وهزيمة كليوباترا وأنطونيوس انتهى عصر البطالمة، وبدأ عهد الرومان في مصر، الذي استمر طويلاً، ولم ينته إلا مع الفتح الإسلامي لمصر عام 640 ميلادية، وعن هذا الأمر يقول الشماع "كليوباترا كانت تشكّل العدو الأول للرومان ولأوكتافيوس تحديداً، والنصر عليها يُنهي حقبة كاملة من حكم البطالمة لمصر، بالتالي كان لا بدّ من الخلاص من كليوباترا وابنها (قيصرون)، الذي ربما شكّل للرومان خطورة أكبر من كليوباترا نفسها، فلو عاش هذا الفتى كان سيحقّ له المطالبة بعرش روما، فهو ابن يوليوس قيصر إمبراطور روما، وأحد أعظم حكّامها على مر التاريخ".

ويواصل، "لا أعتقد أنه في هذه الحالة كان سيُجرى تحنيط الجسد بالطقوس المتعارف عليها، ووضعه في مقبرة لائقة، فالرومان رغبوا في أن يبدأوا حقبة جديدة في مصر، ويزيلوا آثار البطالمة، وهو غالباً ما حدث بالفعل، فلم تُكتشف في مصر مقبرة واحدة لأحد ملوك البطالمة حتى الآن، كما دُمّرت معظم الآثار البطلمية، ولم يبق منها إلا القليل جداً، مثل الجدارية الشهيرة التي تظهر فيها كليوباترا وابنها في معبد دندرة (جنوب مصر)".

لغز على مدار التاريخ

على مدار الزمن لم تنته التكهنات حول المكان الذي يوجد فيه جثمان كليوباترا، فهذا الأمر شكّل لغزاً، وكانت أبرز الافتراضات هو وجود المقبرة في الإسكندرية، حيث عاشت وحكمت وماتت، بينما بعض الأقاويل أشارت إلى المنطقة المعروفة باسم تابوسيرس ماجنا محل الكشف الأثري الأخير، وحتى الآن لا يوجد دليل قطعي الثبوت يثبت هذه الافتراضات أو ينفيها، ويشير المتخصص الأثري إلى أن "مقبرة كليوباترا هي أحد الألغاز التي حيّرت علماء الآثار على مدار التاريخ، وتوجد كثير من الافتراضات بالفعل حول مكانها، التي بالطبع أبرزها الإسكندرية، حيث عاشت وماتت والمناطق المحيطة بالإسكندرية، والبحث والدراسات ما زالت جارية حول هذا الأمر، إذ إنه لا يوجد حتى الآن دليل قاطع على وجود المقبرة في مكان بعينه".

 

 

ويضيف، "باعتقادي كليوباترا لن يُعثر لها على مقبرة، لأني أتصوّر أنه في الظروف التي ماتت فيها بكل ملابساتها جرى التخلص من جثمانها تماماً، ولم يُحنّط وإقامة مقبرة فاخرة لها مثل عادة الملوك، حتى لا يذكرها الناس، أو يتحوّل قبرها إلى مزار للعامة، فالرومان رغبوا في أن ينهوا هذه الحقبة تماماً بكل ما فيها، بالتالي لن يقيموا طقوساً جنائزية على مستوى عالٍ لعدوتهم المهزومة، التي أرادوا محو ذكرها".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

هل انتحرت كليوبترا بالسم؟

عرفت نهاية كليوباترا بأنها كانت بسم الأفعى، والقصة المتداولة الشهيرة أنها انتحرت بعد هزيمتها الساحقة أمام أوكتافيوس، حتى لا ينكَّل بها، فقد كان من عادة ملوك الرومان أن يرسلوا من يهزم أمامهم من الملوك والقادة الكبار إلى روما، مكبَّلاً بالأغلال في موكب كبير أمام الناس، للزهو بانتصارهم وهو ما خافت كليوبترا أن يفعله بها أوكتافيوس في نشوة انتصاره، خصوصاً مع العداوة الشديدة التي يكنّها إليها، ومع النصر الكبير الذي حققه بإنهائه حقبة البطالمة في مصر، ويقول الشماع "لا يوجد دليل قاطع عن كونها انتحرت أو قتلت، والرواية الشائعة هي أنها أدخلت إليها الأفعى عن طريق أحد الخدم الخاص بها إلى مقر محبسها داخل سلة من التين. لكن باعتقادي هذه الرواية تبدو غير منطقية، فمن ناحية كليوباترا التي تمثل العدو الأول للدولة الرومانية لا بدّ من أنها ستوضع تحت حراسة مشددة من أشخاص لديهم ولاء تام لأوكتافيوس يصعب اختراقهم بهذه البساطة".

ويتابع، "من المرجّح أن تكون كليوباترا قتلت بالأفعى فعلاً بيد أعوان أوكتافيوس أنفسهم، قبل وصوله إلى الإسكندرية بعد موقعه أكتيوم، فكما هو متفق عليه أنها كانت شديدة الذكاء والدهاء والمكر السياسي، وربما قتلوها تخوّفاً من أن تؤثر في أوكتافيوس مثلما فعلت من قبل مع أنطونيوس ويوليوس قيصر، وإن حدث ذلك وتزوّجته كانت ستصبح ملكة لروما كما هي ملكة على مصر، فكان الخيار الأفضل هو قتلها بهذه الصورة التي ستظهرها وكأنها انتحرت، وكلها في النهاية فرضيات لم تثبت أو تُنفى بشكل قاطع ونهائي".

المزيد من تقارير