Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل يسرع تحويل "آيا صوفيا" إلى مسجد من سياسات تهويد الأقصى؟

القرار أثار موجة من "الإسلاموفوبيا" وتزامن مع تحركات إسرائيلية بضم أجزاء من الضفة الغربية

أثار قرار تحويل آيا صوفيا إلى مسجد كثيراً من الجدل والانتقادات (أ ف ب)

في متن إعلانه خبر تحويل "آيا صوفيا" ذلك المبنى التاريخي الواقع في إسطنبول ذي الرمزية الدينية للإسلام والمسيحية، إلى مسجد، في قرار أثار سيلاً من الانتقادات الدولية امتدت من واشنطن إلى باريس وروما وبرلين والاتحاد الأوروبي مروراً باليونسكو والدول الأرثوذكسية مثل روسيا واليونان، كتب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، على صفحته بـ"تويتر"، قائلاً "إحياء آيا صوفيا من جديد بشارة نحو عودة الحرية إلى المسجد الأقصى"، في محاولة لكسب تعاطف شعبي محلي وبالعالم الإسلامي.

لكن، وسط السجال الممتد والمتصاعد "الديني الطابع" على المستويين الرسمي وغير الرسمي، الذي أثاره قرار مجلس الدولة التركي الجمعة الماضية بإبطال قرار حكومي يعود إلى عام 1934 ينصّ على جعل "آيا صوفيا" مُتحفاً، يرى مراقبون أن "تداعيات الخطوة التركية قد تمتد بآثارها السلبية على العالم الإسلامي ما هو ظاهر في العلن، فاتحاً المجال أمام تسريع سياسات التهويد التي تنتهجها إسرائيل منذ سنوات بحق المسجد الأقصى الواقع في القدس المحتلة، الذي يعد أحد أبرز المواقع الإسلامية لأكثر من 1.8 مليار مسلم حول العالم".

وقضت محكمة تركية بتحويل آيا صوفيا المبنى الذي يرجع للقرن السادس إلى مُتحف "غير قانوني"، بعد أن كان آيا صوفيا كنيسة بيزنطية لتسعة قرون، قبل أن يحوِّلها العثمانيون إبان سيطرتهم على القسطنطينية (إسطنبول حاليّاً) في 1453 إلى مسجد. وبعد صدور القرار أعلن أردوغان أن الكاتدرائية البيزنطية السابقة في القسطنطينية ستفتح أمام المسلمين للصلاة فيها في الـ24 من يوليو (تموز)، رافضاً الإدانات الدولية، ومعتبراً أن ذلك من "حقوق بلاده السيادية".

كيف ينعكس القرار سلباً على الأقصى؟

في الوقت الذي لم يفوِّت فيه مسؤول في الحكومة التركية، وعلى رأسهم الرئيس أردوغان، مناسبة علنية أو نقاشاً حول قضية محلية كبرى أو إقليمية إلا وأعلنوا مناصراتهم القضية الفلسطينية، وعلى رأسها تحرير المسجد الأقصى من سطوة الاحتلال الإسرائيلي، فإن ذلك لا يتماشى مع ما يدور في الغرف المغلقة، وتلك "التصريحات الرنانة".

وحسب دبلوماسي إسرائيلي رفيع المستوى فإن "علاقات أنقرة وتل أبيب تشهد تطوراً ملحوظاً على جميع الأصعدة، منذ وصول حزب العدالة والتنمية المنتمي إليه أردوغان إلى السلطة في عام 2002، ومن بعدها تصدّر أردوغان لها في 2003 كرئيس للوزراء".

الدبلوماسي الإسرائيلي الذي خدم في إحدى كبرى العواصم العربية، وتحدّث لـ"اندبندنت عربية" في وقت سابق من إحدى العواصم الأوروبية، حيث انتقل للعمل في سفارة بلاده بها، قال "لا نعوِّل كثيراً على انتقادات الرئيس أردوغان الكلامية ضد إسرائيل، فعلاقات البلدين التجارية والاقتصادية وحتى الأمنية والعسكرية والدبلوماسية وأيضاً الثقافية والسياحية دائماً ما تقول غير ذلك"، وتابع: "لدينا قناعة أن أغلب مثل تلك التصريحات المرتبطة بالقدس وتحريرها والشعب الفلسطيني هي لخدمة أهداف داخلية ودينية بحتة للرئيس وحكومته في تركيا والعالم الإسلامي".

وجاء حديث الدبلوماسي الإسرائيلي في معرض مقارنة بين تطوّر علاقات أنقرة مع تل أبيب والثانية والقاهرة، حيث تحكم الأخيرتين اتفاقية سلام موقّعة منذ أواخر العقد الثامن في القرن الماضي، بينما لا يزال التطبيع على المستوى الشعبي محدوداً للغاية، على حد وصفه.

ويقدِّم الرئيس التركي نفسه منذ قدومه على رأس السلطة مناصراً القضايا العربية والإسلامية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، إلا أنه وفق مراقبين يسعى لتنفيذ "أجندة خاصة"، تهدُف إلى استعادة نفوذ وهيمنة الدولة العثمانية في الإقليم.

ومجَّد أردوغان في متن كلمته إلى الشعب التركي بمناسبة تحويل آيا صوفيا إلى مسجد، في أكثر من موضع تاريخ الدولة العثمانية، إذ قال إنه "بهذا الحكم القضائي، وبالإجراءات التي اتخذناها بما يتفق مع القرار، عاد آيا صوفيا مسجداً مرة أخرى، بعد 86 عاماً، على النحو الذي أراده له فاتح إسطنبول". مضيفاً، "تركيا يمكنها الآن تجاوز لعنة الله والأنبياء والملائكة"، التي قال السلطان العثماني محمد الثاني الملقب بمحمد الفاتح إنها ستحل على من يحوِّله من مسجد.

ويقول جواد غوك، المحلل والكاتب السياسي التركي، "بالتأكيد قد تمتد الانعكاسات السلبية والسجال الديني حول تحويل آيا صوفيا إلى مسجد على حساب المسجد الأقصى وتسريع وتيرة تهويده من قِبل الاحتلال الإسرائيلي". فضلاً عن عزم إسرائيل ضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية في الوقت الراهن.

ويشير مصطلح تهويد القدس والأقصى إلى مساعٍ لم تخفها سلطات الاحتلال الإسرائيلي منذ عقود لتوطين أكبر عدد من اليهود في المدينة القديمة مقابل الضغط على الفلسطينيين لتحويلهم إلى أقلية، فضلاً عن تغيير المعالم العربية للمدينة وطمسها، لفرض سياسة "الأمر الواقع"، حسب توصيف منتقديها.

غوك، وفي حديثه إلى "اندبندنت عربية"، أوضح: "بشكل عام لا نعترف كثيراً بالشعارات التي تطلقها الحكومة التركية، وعلى رأسها الرئيس التركي بشأن القضية الفلسطينية، وعلى من يشكك مراجعة أرقام حجم التجارة والاتفاقات الاقتصادية بين أنقرة وتل أبيب، التي تشهد نمواً كبيراً كل عام، فضلاً عن العلاقات الدبلوماسية وحتى الأمنية".

 

 

وحسب دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية فقد زاد حجم التجارة بين أنقرة وتل أبيب في العام الماضي ما هو نسبته 14 في المئة، ووفق ما نقلته صحيفة "معاريف" الإسرائيلية، بلغت الصادرات التركية إلى إسرائيل، في عام 2019، 4.1 مليار دولار، بينما سجّلت الواردات التركية من إسرائيل في السنة نفسها 1.7 مليار دولار، مشيرة إلى أنه من ضمن صادرات تركيا تجهيزات مباشرة وغير مباشرة للجيش الإسرائيلي.

ويتابع غوك: "تناور الحكومة التركية بشكل مستمر باستخدام القضايا الدينية في خدمة أهدافها السياسية، وعلى الرغم من إعلان الرئيس أردوغان ومؤسسات تركية قبل عام ضرورة التأني وحساب التداعيات في ما يتعلق بتحويل (آيا صوفيا) من مُتحف إلى مسجد، خوفاً من احتمال استغلال الخطوة من قبل اليمين المتطرف في أوروبا للهجوم على المساجد التركية في القارة العجوز، وكذلك الإضرار بالقضايا الإسلامية بشكل عام ومنها القضية الفلسطينية، فإنه يبدو أن الضغوط والتحديات التي يواجهها في أغلب الملفات الخارجية مثل ليبيا وسوريا والعراق، سرّعت من وتيرة القرار لاستعادة شعبية متراجعة".

وعبّر أردوغان أكثر من مرة عن دعمه تحويل المعلم إلى مسجد، وهو يعرف بحنينه إلى الإمبراطورية العثمانية، ويسعى إلى الحصول على دعم القاعدة الانتخابية المحافظة في ظل الأزمة الاقتصادية المترتبة على تفشي فيروس كورونا المستجد.

وكانت عدة دول، خصوصاً روسيا واليونان الحريصتين على الحفاظ على التراث البيزنطي في تركيا، وكذلك الولايات المتحدة وفرنسا، قد حذرت أنقرة تحويل آيا صوفيا إلى مسجد. إلا أنها كانت خطوة يحاول أردوغان، المنتمي إلى حزب إسلامي محافظ، اتخاذها منذ سنوات، إذ تزايدت النشاطات الإسلامية داخل آيا صوفيا منذ وصول أردوغان إلى السلطة عام 2003، وشملت جلسات تلاوة للقرآن وصلوات جماعية في ساحة المعلَم.

براغماتية تركية تسبق كل شيء

بخلاف التصريحات والرسائل العلنية لأردوغان، يرى مراقبون أن "سياساته بشكل عام تمتاز بأعلى درجات البراغماتية من دون أي تعويل على الجانب الأخلاقي الظاهر في تلك السياسات". ويقول محمد مطاوع، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، لـ"اندبندنت عربية": "لا يجد الرئيس التركي أي غضاضة في التعاون مع ألدّ أعدائه من أجل تحقيق أجندته ومصالحه، والأمور بعيدة كل البعد عن الأخلاق والقيم".

والعام الماضي، ألقى أردوغان بثقله وراء حملة تحويل المبنى إلى مسجد قبل انتخابات محلية، لم يحقق فيها العدالة والتنمية النتائج المرجوة، ويقول مراقبون أتراك إن أردوغان بالقرار يسعى إلى "مخاطبة ودّ شرائح جديدة، أبرزها المحافظون والقوميون".

ووفق ما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية، عن أنطوني سكينر المتخصص بشركة "فيريسك مابلكروفت" لتقييم المخاطر "فإن قرار أردوغان سياسي، ويسعى من خلاله إلى تعزيز قاعدته السياسية الإسلامية والوطنية، واستعراض قدرة أنقرة على اتخاذ قرارات سيادية من دون النظر إلى مواقف القوى الخارجية، بما في ذلك القوى العالمية العظمى". وتابع: "لم يستطع أردوغان العثور على رمز أعلى وأقوى من آيا صوفيا لتحقيق كل هذه الأهداف في وقت واحد".

هو الآخر رأى مدير مكتب أنقرة في صندوق مارشال الألماني أوزغور أونليساركيلي، أن القرار يمكن أن يضمن لأردوغان دعم عدد مهم من مواطنيه، لأسباب ترتبط بـ"المشاعر الدينية والقومية، وهذا نقاشٌ لا يمكن أن يخسره الرئيس، ولا يمكن أن تربحه المعارضة".

"آيا صوفيا" في سطور

يعدُّ آيا صوفيا ذلك المبنى التاريخي الواقع على مدخل مضيق البوسفور من الجانب الأوروبي لمدينة إسطنبول التركية، التي يعني اسمها باليونانية "الحكمة المقدسة" أثراً دينيّاً مهمّاً لدى المسلمين والمسيحيين على السواء.

وبقدر الأهمية الرمزية والمعمارية للمبنى، شهد آيا صوفيا تحوّلات تاريخية كبيرة تزامنت مع التحولات السياسية والدينية في تركيا، فمن كاتدرائية عظيمة للروم الأرثوذكس في قسطنطينية القرن السادس الميلادي إلى مسجد للمسلمين في أستانة أو إسطنبول "آل عثمان" في القرن الخامس عشر للميلاد. وها هي تعود مسجداً مرة أخرى بعد أن كانت مُتحفاً لأكثر من ثمانية عقود. وهي مدرجة على لائحة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (يونسكو) منذ العام 1985، وتعد واحدة من أهم الوجهات السياحية في إسطنبول. إذ استقبلت 3.8 مليون زائر عام 2019.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ووفق ما هو مؤرَّخ بخصوصها، بدأت حكاية آيا صوفيا مع أمر الإمبراطور البيزنطي، جستينيان الأول، في عام 532 ببناء الكنيسة في القسطنطينية (إسطنبول حاليّاً) على أنقاض أخرى تعرَّضت للبناء والهدم أكثر من مرة. واستغرق بناء كاتدرائية آيا صوفيا خمس سنوات. وأراد جستينيان الأول من خلالها أن يُثبت تفوِّقه على أسلافه الرومان بتشييد صرح معماري غير مسبوق. وبعد اكتمال البناء، ذكر المؤرخون أنه من شدة إعجاب الإمبراطور بالكاتدرائية قال لحظة دخوله إليها: "يا سليمان لقد تفوّقت عليك"، في إشارة إلى النبي سليمان الذي كان يسخِّر الجن لإقامة الأبنية العظيمة، حسب المرويات الدينية.

وبُنيت الكاتدرائية على شكل قبة مركزية كبيرة، ونصف دوائر تحيط بصحن الكنيسة. وتعدُّ هذه القبة من أبرز معالم البناء، إذ أراد المعماريون أن تكون أوسع وأكثر ارتفاعاً وإبهاراً من أي قبة بُنيت من قبل. إلا أن القبة الأصلية انهارت نتيجة لزلزال عام 558 ميلادياً، قبل أن يُعاد بناؤها وتُدعم بأربعين عموداً.

واستغل الإمبراطور جميع الإمكانات لزخرفة المبنى وتزيينه، واستُخدم الرخام بمختلف ألوانه، بعدما جُلِب من مناطق عدة، كما زينت الجدران الداخلية بفسيفساء من الذهب والفضة والزجاج والقرميد وأجزاء من الحجارة الملونة.

واستمرّ آيا صوفيا مركزاً للكنيسة الأرثوذكسية الشرقية أكثر من 900 عام، تخللتها فترة ما بين عامي (1204 - 1261) حوَّلها الصليبيون في أثناء حملتهم الرابعة إلى كاتدرائية للروم الكاثوليك، قبل أن تعود مجدداً إلى الإمبراطورية البيزنطية.

وفي العام 1453 مع سيطرة العثمانيين الأتراك على القسطنطينية غيّرت اسم العاصمة السابقة للإمبراطورية البيزنطية إلى إسطنبول، وحوّلوا الكاتدرائية إلى مسجد في العام نفسه. وأدّى به السلطان محمد الثاني (المعروف باسم محمد الفاتح) أول صلاة جمعة بعد دخوله المدينة، وكان ذلك في يونيو (حزيران) من العام ذاته، مصدراً أوامر بتغطية الرسوم والنقوش المسيحية.

وعلى مدى السنوات التالية أُضيفت سمات معمارية إسلامية إلى المبنى، مثل المنبر والمحراب ومآذنه الأربع. وظل آيا صوفيا الذي أطلق عليه اسم "الجامع الكبير" المسجد الرئيس في القسطنطينية، حتى بناء مسجد السلطان أحمد المعروف باسم "المسجد الأزرق" عام 1616.

وبقي آيا صوفيا مسجداً حتى العام 1935، حين أصبح مُتحفاً بقرار من رئيس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك، وذلك بهدف "إهدائها إلى الإنسانية". وفي ثمانينيات القرن الماضي أدرج المُتحف على لائحة التراث العالمي لـ"اليونسكو". وأصبح واحداً من أهم الوجهات السياحية في إسطنبول.

المزيد من تقارير