Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تورطت "حركة النهضة" في الاغتيالات السياسية في تونس؟

ما يُخشى دوماً من تلك التيارات هو توجهها إلى تغيير نمط المجتمعات

صورة من الأرشيف لموقع الإنفجار الذي وقع قرب السفارة الأميركية في العاصمة التونسية (أ ف ب)

تقدم "حركة النهضة" نفسها في قانونها الأساسي، على أنها "حزب وطني ذو مرجعية إسلامية، يعمل في إطار الدستور ووفقاً لأحكام المرسوم، عدد 87 لسنة 2011، المؤرخ في 24 سبتمبر (أيلول) 2011، المتعلق بالأحزاب السياسية، وفي إطار النظام الجمهوري، على الإسهام في بناء تونس الحديثة الديمقراطية المزدهرة".

ومر الإسلام السياسي في تونس، بفترات تاريخية متعددة، تراوحت بين العمل السري، ثم الخروج للعلن، فالمواجهة المباشرة، ثم الاعتقالات، فالهروب إلى خارج البلاد، ثم العودة إلى تونس بعد عام 2011، فعودة الصراع مع بقية مكونات المشهد السياسي في البلاد اليوم.

فهل كُتب على الإسلام السياسي في تونس أن يعيش الصراع الدائم مع السلطة، ثم مع بقية مكونات المشهد السياسي؟ وما هي أسباب هذا الصراع؟ وهل الحركة متورطة فعلاً في الاغتيالات السياسية في تونس؟

من السرية إلى العلن ثم المواجهة

ويعود نشاط التيار الإسلامي في تونس إلى بداية السبعينيات، تحت اسم "الجماعة الإسلامية" التي عقدت أولى اجتماعاتها السرية، في أبريل (نيسان) من عام 1972، ومن أبرز مؤسسيها راشد الغنوشي (أستاذ الفلسفة) وعبد الفتاح مورو (محامٍ).

اقتصر نشاط الحركة في البداية، على الجانب الفكري والدعوي في المساجد، ولاقت الجماعة تفاعلاً إيجابياً من "الحزب الاشتراكي الدستوري" حينها، وهو الحزب الوحيد في الساحة السياسية التونسية، من أجل مواجهة نشاط اليسار، المهيمن على المعارضة وقتها.

وفي عام 1974، سُمِح لأعضاء هذه الجماعة بإصدار مجلة "المعرفة"، التي أصبحت المنبر الفعلي لأفكار الحركة، وفي أغسطس (آب) 1979،  أقيم بشكل سري المؤتمر المؤسس للجماعة الإسلامية، وتمت فيه المصادقة على قانونها الأساسي الذي أنبنت على أساسه هيكلة التنظيم.

تغيير اسم الجماعة

وفي المؤتمر الثاني للحزب في عام 1981، والذي كان سرياً أيضاً، تم الاتفاق على الخروج إلى العلن وتغيير اسم "الجماعة الإسلامية" إلى "حركة الاتجاه الإسلامي"، وأعلن رسمياً عن تأسيس الحركة في السادس من يونيو (حزيران) 1981، وقُدم طلب رسمي للحصول على ترخيص قانوني للحركة.

وبعد شهر أي في يوليو (تموز) 1981، ألقي القبض على أبرز قيادات الحركة، من أجل الانتماء إلى جمعية غير مرخص لها، وحُكِم على راشد الغنوشي وعبد الفتاح مورو، بالسجن لمدة عشر سنوات، إلا أنه تم الإفراج عنهما في 1983 و1984.

تونس بيئة مغايرة لأفكار الحركة الإسلامية

ويؤكد أحد المؤسسين لحركة الاتجاه الإسلامي، والذي خرج عنها في نهاية السبعينيات، صلاح الدين الجورشي، في حديث لـ"اندبندنت عربية"، أن الحركة الإسلامية في تونس وُلِدت في بيئة مغايرة للأفكار التي حاولت أن تروجها في مطلع السبعينيات، لذلك منذ التأسيس حصلت مواجهة مع هذه البيئة وخصوصاً مع النخبة الحديثة في تونس.

وكانت الجماعة في بدايتها دعوية، وتحمل خطاباً ثقافياً سياسياً، يتعارض مع مجمل الأفكار المنتشرة في النخبة المثقفة في تونس وقتها، إضافة إلى أنها كانت حركة إخوانية، بكل ما ارتبط بها من الصراعات والتصدع الفكري والسياسي.

ولم تتمكن الجماعة من أن تنبت في تونس، وتكون جزءاً من المجتمع، فكانت مسقَطة على البيئة التونسية، وهو ما جعلها تدخل في صراع مع النخب ومع رموز السياسة في عهد الرئيس الحبيب بورقيبة، وتتحول إلى مرحلة المواجهة المباشرة في عهد الرئيس زين العابدين بن علي.

تفجيرات الفنادق في سوسة والمنستير

وشهدت فترة منتصف الثمانينيات تنامياً لنشاط الحركة، واحتداداً للصراع مع السلطة، في عهد الحبيب بورقيبة، واهتزت تونس على وقع تفجير أربعة فنادق في كل من سوسة والمنستير على الساحل التونسي (1987) ذهب ضحيتها 13 سائحاً، وتحملت الدولة التونسية تعويضات مالية لأهالي الضحايا، ومثلت هذه الحادثة ضربة قوية للسياحة التونسية، العَصَب الحيوي للاقتصاد.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولا تزال هذه العملية موضع جدل في البلاد حول من يقف وراءها من رموز الحركة الإسلامية الموجودين في المشهد السياسي اليوم.

وكان للقيادي السابق في "حركة النهضة" الصحبي العمري، اتهم رئيس الحكومة السابق والأمين العام السابق للحركة حمادي الجبالي، بالوقوف وراء هذه التفجيرات، مؤكداً أن من خطط للعملية ودبر لها هو حمادي الجبالي بإيعاز من الجناح العسكري لـ"حركة النهضة"، على حد تعبيره.

وأكد القاضي فرحات الراجحي الذي تولى محاكمة المتهمين بهذا التفجير، أن ضلوع الإسلاميين في العملية أمر واضح، وباعترافات صريحة للمتهمين السبعة، مؤكداً عدم تدخل نظام بن علي في هذا الملف، وأن الأحكام كانت غير قاسية نسبياً، مقارنة مع حجم العملية الإرهابية، التي كان أقصاها 20 سنة سجناً.

وبدت مطامح الحركة الإسلامية في الوصول إلى الحكم جلية، إلى حين أزمة حرب الخليج حين كشفت السلطات التونسية في عهد الرئيس السابق زين العابدين بن علي، عن إبطال مؤامرة لقلب نظام الحكم واغتيال الرئيس بن علي، وشنت الأجهزة الأمنية حملة كبرى على أعضاء الحركة ومؤيديها.

إحراق مقر التجمع في باب سويقة

وفي 17 فبراير (شباط) 1991، أقدمت مجموعة من الأشخاص على حرق مقر تابع لـ"التجمع الدستوري الديمقراطي" (الحزب الحاكم)، في باب سويقة وسط العاصمة، وقتل أحد حراس المقر وأصيب آخر.

وإثر هذا الفعل، واجه نظام بن علي عناصر الحركة وضيق عليهم الخناق لتفر أبرز القيادات خارج الوطن، ويتم إيقاف عدد كبير من المنتمين إليها في السجون.

وخلال المؤتمر التاسع لـ"حركة النهضة" في 15 يوليو 2012، دعا القيادي في الحركة عبد الفتاح مورو إلى محاسبة نفسها والاعتراف إن كانت أخطأت في هذه العملية.

"حركة النهضة تهادن الحركات السلفية"

مباشرة إثر الإطاحة بنظام بن علي في يناير (كانون الثاني) 2011، نبتت حركات دينية متشددة وسط ارتباك أجهزة الأمن، واستفادت هذه الحركات من خطاب "حركة النهضة" القائل إن "تونس تحتضن الجميع"، في إشارة ضمنية إلى رفض النخب الفكرية والسياسية تسلل عدد من العناصر السلفية المتشددة، إلى المشهد السياسي في البلاد، من دون رقابة، إضافة إلى استضافة "حركة النهضة" عدداً من المتشددين على الأراضي التونسية كــ"وجدي غنيم" وغيره.

وبعد سنوات، اعتذر عبد الفتاح مورو، إلى الشعب التونسي بعد استقبال الحركة لهذا الداعية، موضحاً "أنهم لم يكونوا يعلمون بالأفكار القذرة، التي يتبناها هذا الرجل"، وفق تعبيره.

الاغتيالات السياسية

وتمكنت المجموعات السلفية المتشددة من الاندساس في مفاصل المجتمع التونسي، وسيطرت على عدد كبير من المساجد، وخططت لزعزعة الأمن في البلاد، وتمكنت من اغتيال الأمين العام لـ"حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد" شكري بالعيد (48 سنة)، في 6 فبراير (شباط) 2013. ولم تكد البلاد تهدأ من هول الاغتيال الأول، حتى اهتزت على وقع اغتيال ثان، استهدف محمد البراهمي عن حزب التيار الشعبي"، في 25 يوليو 2013 (يوم عيد الجمهورية).

وتوجهت أصابع الاتهام مباشرة إلى الحركة الإسلامية (النهضة) التي سارعت إلى فك الارتباط مع الحركات السلفية، وأعلنت "تنظيم أنصار الشريعة" الضالع في عدد من العمليات الإرهابية في البلاد، تنظيماً إرهابياً محظوراً من قبل وزير الداخلية علي العريض في أغسطس 2013.

اتهام مباشر لـ"حركة النهضة"

وعلى الرغم من هذه الخطوة، اتهمت هيئة الدفاع عن الضحيتين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، "التنظيم الخاص لحركة النهضة" بعد الثورة، بتورطه في الاغتيالات السياسية، كما اتهمت الحركةَ بالتنفيذ والإشراف، على اغتيالهما، مؤكدة أن لديها حقائق تثبت ذلك.

وطالبت الهيئة، وزارة الداخلية، بتقديم توضيحات عما أسمته "الغرفة السوداء" والوثائق السرية التي تحتويها، وعرضت جملة من الوثائق نسبتها إلى ما اعتبرته "التنظيم الخاص لحركة النهضة"، محوره شخص، يدعى مصطفى خضر، له ارتباطات بالحركة، وله أنشطة استخباراتية.

كما جاء في تقرير الهيئة، أن من أدوار هذا "الجهاز الخاص"، بناء منظومة أمنية موازية واستقطاب القضاة وتتبع العسكريين، إضافة إلى التعاون مع "الإخوان المسلمين" المصرية، والحصول على معلومات عن المؤسسة العسكرية الجزائرية.

النهضة ليست في حاجة إلى جهاز سري

وعلى الرغم من اعتراف صلاح الدين الجورشي، بوجود الجهاز السري في "حركة النهضة" في بدايات التأسيس، إلا أنه استبعد وجوده في الوقت الراهن، مشيراً إلى أن "الظروف اختلفت اليوم، والحركة الإسلامية ليست في حاجة إلى جهاز سري، لأنها موجودة في الحكم وفي الدولة". وأعلن أن زين العابدين بن علي كشف عن هذا الجهاز، وتمت محاكمة عناصره، مضيفاً أن الجدل سيتواصل في تونس لسنوات، لأن في المسألة أبعاداً أيديولوجية عميقة .

ويذكر أن عناصر على صلة بتنظيم "داعش"، تبنوا اغتيال شكري بلعيد ومحمد البراهمي، وفي بداية عام 2014، أكدت السلطات التونسية أنها قضت على المشتبه فيه الرئيسي في الاغتيالات السياسية المدعو، كمال القضقاضي.

القطيعة بين النهضة والسلفية متأخرة

وتُتهم النهضة بالمسؤولية السياسية عن هذه الاغتيالات، لوجودها في الحكم، وبسبب تساهلها مع هذه المجموعات المتشددة، خلال الفترة الممتدة بين 2011 و2013 .

كما حمل الجورشي الحركة جزءاً من المسؤولية، لأنها لم تدرك، منذ الوهلة الأولى، "خطورة التيار السلفي، وتعاملت معه بسلاسة، ولم تدرك الجانب العنيف في خطة هذا التيار، الذي استثمر مهادنة النهضة لينتشر في البلاد، ويتمكن من تنفيذ مآربه"، مشيراً إلى أن القطيعة الكاملة بين النهضة والتيار السلفي كانت متأخرة.

وإلى اليوم يتخوف التونسيون من تجدد سيناريو الاغتيالات السياسية، لذلك تقوم أجهزة وزارة الداخلية بتأمين عدد من الشخصيات السياسية، إثر تلقيها معلومات تؤكد احتمال تعرضهم للتصفية، ومن بين هذه الشخصيات، الأمين العام لـ"حركة الشعب" زهير المغزاوي والنائب عن "حركة الشعب" سالم الأبيض، والنائب المستقل الصافي سعيد، والنائب عن "التيار الديمقراطي" سامية عبو، إضافة إلى الأمين العام لـ"الحزب الجمهوري" عصام الشابي.

"الحركة الإسلامية غير ديمقراطية"

وفي إجابته عن سؤال حول "ديمقراطية الحركة"، أكد الجورشي أنها لم تكن ديمقراطية في بداياتها، لأن المسألة الديمقراطية وقتها لم تكن مطروحة، وإنما جرى تبني الفكر الديمقراطي في ما بعد كأسلوب للعمل السياسي، وهو ما اعتبر وقتها تحولاً كبيراً في مواقف الحركة.

وبخصوص السعي إلى التمكن من أجهزة الدولة ومفاصلها، أكد محدثنا أن أي حزب سياسي يسعى بطبيعته إلى التمكن والتموقع، إلا أن ما يُخشى دائماً من الحركات الإسلامية هو توجهها دوماً إلى تغيير نمط المجتمعات، لذلك يخشى الحداثيون في تونس من وجود الحركة الإسلامية في الحكم، خوفاً من اتجاهها إلى تغيير نمط المجتمع التونسي.

تخوف من الانزلاق إلى العنف

كذلك عبر عن خشيته من أن تعصف الصراعات الأيديولوجية الحادة بالمسار الديمقراطي برمته، معرباً عن تخوفه من الحرب الأهلية التي تبقى فكرة كامنة في الأجواء السياسية المشحونة في البلاد.

ورحب بالدعوة إلى حوار وطني، لإعادة ترتيب البيت السياسي الداخلي والاتفاق على قواسم مشتركة، حفاظاً على الأمن القومي والسلم الاجتماعي.

"منطق الغنيمة"

من جهته، عاب الإعلامي والمحلل السياسي هشام الحاجي على "حركة النهضة" عدمَ قيامها بمصالحة مطلوبة عام 2011، مع الحركة الدستورية، مشيراً إلى أن الصراع التاريخي الأيديولوجي بين الحركتين، ما فتئ يحتد ويهدد الأمن في تونس.

وأضاف أن مفهوم الديمقراطية لا يزال غريباً عن المشهد السياسي التونسي، على الرغم مما يُسوق حول هذا المسار، مؤكداً أن النهضة، كغيرها من الأحزاب في الحكم، "تتعامل مع الدولة بمنطق الغنيمة".

وحول ارتباط النهضة بحركة "الإخوان المسلمين"، أكد الحاجي أنها جزء من توجه أيديولوجي عالمي يتبنى المواجهة العنيفة.

ودعا القضاء إلى التسريع في البت في قضايا الاغتيالات السياسية في البلاد، معتبراً أن عدداً من الملفات تُطرح عبر الإعلام من دون الخوض فيها قضائياً، وهو ما يجعل "حركة النهضة" دائماً في موقف المستفيد من الوضع.

وختم بالتعبير عن تخوفه من احتمال الانزلاق إلى العنف وربما الاغتيالات السياسية، بالنظر إلى هشاشة الوضع السياسي في البلاد.

الريبة من العودة إلى مربع العنف والاغتيالات السياسية، تشترك فيها أطياف سياسية عدة في تونس، نظراً إلى تأزم الوضع السياسي الراهن، وهو ما يحتم ضرورة التفكير في آليات للحوار، لإنقاذ البلاد مما قد تتردى فيه.