Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

انتفاضة أكتوبر رسمت أفقا لا عودة عنه

تحالف مافيا السلطة والنفوذ الإيراني يُفسد احتفال لبنان بمئويته الأولى

ثورة لبنان كانت انتفاضة في وجه التدخل الإيراني بالبلاد  (رويترز)

يقترب سبتمبر (أيلول) 2020 موعد الذكرى المئوية الأولى لإعلان دولة لبنان الكبير، فيما تمرّ الجمهورية اللبنانية التي نالت استقلالها منذ 77 عاماً في أزمة مصيريّة، تتداخل في صنعها عوامل سياسية واقتصادية ومشاريع إقليمية تهدّد مصير هذا البلد العربيّ من جذوره.

لم يكن قيام دولة لبنان الكبير مجرّد مصادفةٍ أمْلَتها السياسة الاستعمارية الفرنسية في الشرق الأوسط، إثر انتهاء الحرب العالمية الأولى. فالكيان اللبناني شبه المستقل يعود في جذوره إلى عهد الأمراء المعنيين والشهابيين الذين تمتعوا بسلطات واسعة خلال سيطرة العثمانيين على المشرق العربي، وعشية الحرب العالمية كان جبل لبنان يعيش استقلالاً ذاتياً في ظلِّ نظام المتصرفية الذي أرسى قواعد ما يشبه النظام البرلمانيّ، وتأسست في عهده قبل 159 عاماً قوات الشرطة اللبنانية التي تُعيد إحياء المناسبة في كلّ عام.

وإذا كان صحيحاً أن تسويات ما بعد الحرب العالمية قضت بتوزيع أراضي السلطنة العثمانية على المنتصرين الإنجليز والفرنسيين، وأن فرنسا كانت تفضل الاستحواذ على قطعة شاسعة تضم سوريا ولبنان معاً، فإن شخصيات وقوى لبنانية تنبّهت باكراً إلى ضرورة قيام دولة لبنانية مستقلة، فاندفع مجلس إدارة متصرفية جبل لبنان المنتخب إلى المطالبة بالاستقلال، وخاضت وفودٌ لبنانية على رأسها البطريرك الماروني الياس الحويك مفاوضات في باريس لضمان حصول لبنان على استقلاله في حدوده الراهنة، وهو ما كُرّس في إعلان لبنان الكبير بلسان الجنرال غورو في أول سبتمبر 1920.

لم تكن مسيرة الاستقلال الناجز وبناء دولته أمراً يسيراً. وحتى الانفصال عن فرنسا في عام 1943 شهد "لبنان الكبير" صراعات هدّدت احتمالات استقراره، بين دعاة الوحدة مع سوريا وبين المتمسّكين بلبنان المستقل، وعلى مدى سنوات تبلورت قناعات جديدة قرَّبت الاستقلاليين من مختلف الطوائف إلى بعضهم بعضاً فوُلد ما سُمِّي بالميثاق الوطني الذي قامت السلطة على أساسه، في نظام محاصصة بين الطوائف يحكمه الانتماء العربي والالتزام بالشرعيتين الدولية والعربية بعد قيام جامعة الدول العربية التي أسهم لبنان في تأسيسها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

صمد الوطن اللبناني في عالم عربي تعرّض لنكسة كبرى مع قيام دولة إسرائيل وضربها حقّ الشعب الفلسطيني في أرضه، ثم مع توسع إسرائيل في سلسلة حروب أسفرت عن قضم ما تبقّى من فلسطين وعن احتلال الجولان السوري. وصمد لبنان وازدهر عندما بدأت سلسلة الانقلابات العسكرية في سوريا ومصر والعراق، وخاض امتحانه الأكبر عندما اندلعت فيه حربٌ أهلية مديدة على خلفية سعي منظمة التحرير الفلسطينية لجعله قاعدة مفتوحة لنشاطاتها ضد الاحتلال الإسرائيلي. وانتهت تلك المرحلة باجتياح إسرائيلي واسع قامت في وجهه مقاومة لبنانية تمكنت في النهاية من فرض انسحاب قوات العدو من أراضيه.

في كل تلك السنوات والمحطات، طُرحت مشاريع وجرى التداول في أفكار، بعضها ذهب إلى القول بالتقسيم، والبعض الأخر قال بالفيدرالية، وأحب بعضٌ ثالث نعيَ الكيان، لكن لبنان المولود في 1920 بقي صامداً، ولم تفعل الأحداث المأساوية التي هزّته ابتداء من اغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري في 2005 سوى إعادة توحيد اللبنانيين تحت لواء وحدتهم وسيادتهم واستقلالهم.

سقط مشروع الإلحاق والضمّ السوري في أعقاب جريمة الاغتيال وخرج الجيش السوري من لبنان بعد إقامة استمرت ثلاثين عاماً، لكن نظام التسامح والتعاون بين الطوائف الذي كرّسه الانتداب نقلاً عن المتصرفية واستمر بعد الاستقلال، جرى ضربه في التطبيق السوري لاتفاق الطائف، وبعد اغتيال زعيم الحركة الوطنية كمال جنبلاط في بداية السيطرة السورية تمّت سلسلة اغتيالات شملت رئيسين للجمهورية ورجال دين سُنّة وقادة أحزاب ومثقفين قبل تلك الموجة الإجرامية التي قضت على الحريري ونواب وشخصيات سياسية وإعلامية.

انكفأ مشروع الإلحاق السوري ليحلّ محله مشروع التوسّع الإيراني القائم على تعزيز المذهبية وفرضها نظام حياة على اللبنانيين وغيرهم من العرب. وليس هذا المشروع خاصاً بلبنان، فسياسة تصدير الثورة الخمينية تشمل العراق وسوريا والبحرين واليمن، وتقوم على استغلال حضور أتباع المذهب الشيعي لتحويلهم إلى مواقع متقدمة لنفوذ النظام الإيراني الديني. وفي لبنان عزّزت إيران نفوذها وسط الطائفة الشيعية على مدى عقود وجعلت من المتحدثين باسمها ناطقين إيرانيين يربطون مصير طائفة لبنانية كبرى بقرار الوليّ الفقيه الإيراني.

تزاوجَ نظام الإدارة السياسية الفاسد الذي أرسته السيطرة السورية مع الرغبة الإيرانية في الهيمنة، فوقع لبنان في مناسبة مئوية قيامه في حفرة انهيارٍ اقتصاديّ وماليّ لا قعر لها. ومن هنا صَحَّ القول إن انتفاضة 17 أكتوبر (تشرين الأول 2019)، كانت طريقة اللبنانيين في الاحتفال بمئوية قيام دولتهم التي يريدونها خالية من الفساد والمفسدين ومستقلّة عن توالي أصحاب المطامع الإقليميين والدوليين على محاولة استتباعها. والمعضلة التي تواجه الشعب اللبناني أوضحتها وكشفتها تطورات الشهور القليلة الماضية، فنظام الفساد والهدر الذي يواجهونه محميٌ من مشروع النفوذ الإيراني، وأيّ تقدمٍ على طريق استعادة دولة القانون والسيادة والاستقلال والازدهار مشروطٌ بالحدّ من سطوة حليفَي الفساد والنفوذ معاً. وليس ذلك بالمهمة المستحيلة إزاء وعي اللبنانيين من مختلف المذاهب بمصالحهم الوطنية والمعيشية، ومثلما انتصروا في تحقيق استقلالهم عن فرنسا، ثم في إخراج الإسرائيليين والسوريين سيكونون قادرين على خوضِ التحدّي الجديد وجعلِ مئوية لبنان فاتحةً لمستقبل أفضل.

المزيد من آراء