Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الجدل حول آيا صوفيا مرآة تركيا الحديثة

يتمتع المعلم الذي شكّل مركز الديانة المسيحية على مدار 900 عام وكان مسجداً لـ500 عام بأهمية رمزية كبيرة بالنسبة للبلاد

"سجد ونثر حفنة من التراب فوق عمامته تذللاً وتسليماً إلى الله. ثم دخل الكنيسة المحطمة... وفيما عبَر المكان الواسع ورفع ناظريه ليتأمّل القبّة، لمح جندياً يهشّم الأرضية الرخامية. سأل الرجل لماذا يحطّم الأرض، فأجابه "من أجل الدين". وأثار هذا التحدي الصريح للأوامر التي أصدرها بالحفاظ على المباني حنق محمد فضرب الرجل بالسيف. ثمّ جرّ مساعدوه الرجل خارجاً وهو بين الحياة والموت".

هكذا يصف روجر كراولي في كتابه "القسطنطينية: آخر حصار عظيم 1453" أول لقاء بين محمد الفاتح وآيا صوفيا.

ومرّ أكثر من 500 عام على دخول السلطان المنتصر القسطنطينية، التي بات اسمها اليوم إسطنبول، ومع ذلك، تُستخدم فكرة "الدين" نفسها ذريعة لإطاحة مكانة المبنى البيزنطي الذي يعود إلى القرن السادس الميلادي كمتحف. 

وانعقدت صباح الخميس الماضي أعلى محكمة إدارية في تركيا للاستماع إلى دعوى قضائية تطالب بتحويل آيا صوفيا إلى مسجد، وقالت إنها ستصدر حكمها في غضون 15 يوماً. ورفعت هذه الدعوى جمعية محافظة من اليمين المتطرف حظيت داخل المحكمة بدعم مكتب الرئيس رجب طيب أردوغان.

وليست المحاولة هذه بجديدة، لكنها تحمل المرة طابعاً سياسياً أقوى.

استُغل الجدال حول الموقع المصنّف تراثاً عالمياً على مرّ السنين وقوداً في الحملات الانتخابية للمتدينين المغالين في القومية من مؤيدي حزب العدالة والتنمية الإسلامي، الذي يحكم تركيا منذ 18 عاماً لكنه بات الآن بحاجة لتعزيز شعبيته المتهاوية. وتلقى وعود إعادة تصنيف المتحف موقع عبادة إسلامي ترحيباً في صفوف الناخبين المحافظين، كما تساهم في صرف النظر عن قضايا مثل الاقتصاد الذي تلقّى ضربة قاسية جراء تفشي وباء فيروس كورونا.

ويتمتع المعلم الذي شكّل مركز الديانة المسيحية على مدار 900 عام وكان مسجداً لـ 500 عام، بأهمية رمزية كبيرة تتخطى جدرانه المطلية بلون الفخار.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وجسّت الحكومة النبض بشأن تغيير وضع الموقع في مايو (أيار)، حين نظّمت "رئاسة الشؤون الدينية التركية" تلاوةً لآيات قرآنية داخل آيا صوفيا بمناسبة ذكرى فتح إسطنبول. وقال روسن جاكير، الخبير في شؤون الإسلام السياسي، عبر قناة "ميديا سكوب" التلفزيونية Medyascope TV "بالنسبة لي، يبين هذا الأمر أن الحكومة أو أردوغان، لم يعودا قادرين على إنتاج سياسة جديدة أو مشاريع تحفّز الرأي العام وتحشده، لذلك فهما يستخدما آيا صوفيا باعتبارها الورقة الأخيرة بين يديهما".

وسواء حكمت المحكمة بعد 15 يوماً لصالح تحويل المعلم إلى مسجد أم لا، لن يدوم المفعول المخدّر أو المُسكن الناجم عن هذا الجدال سوى مدة قصيرة قبل أن يجد الشعب نفسه أمام الحقيقة القاتمة بأنه زاد فقراً بسبب التراجع الاقتصادي خلال السنتين الماضيتين.

وتدعم استطلاعات الرأي الأخيرة رأي جاكير. فقد قال أكثر من 40 في المئة من أصل 1537 مشاركاً في "تقرير تركيا" الذي وضعته شركة "إسطنبول للأبحاث الاقتصادية"، إن الاقتصاد هو همّهم الأكبر، وتبعهم 19 في المئة من المشاركين الذين أعربوا عن قلقهم من البطالة.

وكان الاقتصاد التركي يعاني سلفاً من الضعف قبل حلول الجائحة. وبعد تفشي فيروس كورونا، وصلت الليرة التركية إلى مستوى متدنٍ جديد مع بلوغ سعر الصرف 7 ليرات مقابل الدولار، فيما أشارت التوقعات إلى احتمال أن تطال البطالة أكثر من 16 مليون شخص من السكان البالغ عددهم 81 مليون نسمة، وذلك وفق ما حذر تقرير جديد صادر عن "ديسك" DISK، أحد أكبر الاتحادات العمّالية في تركيا. وفي استطلاع آخر للرأي، أجرته شركة "ميترو بول" MetroPOLL  ومقرها أنقرة، أيّد 44 في المئة من 1300 مشارك فكرة أن الجدل الدائر حول آيا صوفيا هدفه الأساسي تحويل نظر الرأي العام عن الأزمة الاقتصادية فيما اعتبر 29.5 في المئة فقط أن دوافع هذه الخطوة دينية.

وفي خطوة سياسية ذكية، لم ينخرط "حزب الشعب الجمهوري"، وهو الحزب المعارض الرئيس الذي يمثّل الخط العلماني التركي، في الجدال حول هذه المسألة. وقد فاجأت هذه الخطوة جهات عدة بما فيها الحكومة بحسب ما أفاد المحللون. ففي نهاية المطاف، كان مصطفى كمال أتاتورك، مؤسّس الدولة التركية الحديثة وحزب الشعب الجمهوري، هو من وقّع القرار الحكومي في عام 1934 بتحويل آيا صوفيا إلى متحف.

ولم تنل قضية الزعيم مزيداً من الزخم، وذلك بسبب رفض الانخراط في مناقشة أردوغان حول ما إذا كانت الجماهير المتديّنة التقيّة قد ظُلمت على يد النخبة العلمانية. لم يحصل ذلك هذه المرة. وقال سونر جاغابتاي، مدير برنامج الأبحاث التركية في "معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى"، موضحاً "لم يعد كلام أردوغان عن ظلم المتدينين يلقى رواجاً الآن فحتى قاعدته الرئيسة تعلم أنه بعد 18 عاماً في السلطة، هم من يحكمون تركيا الآن... وأصبح غير المحافظين والليبراليين ومن يريدون فصل الدين عن السياسة هم المظلومين".

وفيما بدا أن آيا صوفيا فقدت جاذبيتها السياسية في تركيا، تتالت ردود الفعل الدولية التي شددت على الأهمية الثقافية للمكان. واعتبر وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو الموقع "شاهداً على التعبير عن المعتقدات الدينية وعلى العبقرية الفنية والتقنية، التي يعكسها تاريخه الثري والمعقد على مدار 1500 سنة"، داعياً إلى الإبقاء على الموقع الذي أعلنته اليونسكو تراثاً عالمياً على حاله باعتباره متحفاً مفتوحاً أمام الجميع.

وفي اليوم نفسه، خطّ أكثر من 200 باحث دولي في التاريخ البيزنطي والعثماني رسالة مفتوحة أعربوا فيها عن قلقهم من احتمال "المساس بالشواهد التاريخية والأثريّة وإخفاء الأعمال الفنية" إن تحوّل المتحف إلى مسجد. وتساءلت زينب أهون باي، وهي من علماء الآثار الأتراك الرائدين، في إشارة إلى طرح أنصار الحكومة حلولاً لإخفاء الشخصيات التي تجسّدها الرسوم الجدارية لأنها ممنوعة في المزارات الإسلامية "كيف تستطيع مدّ ستارة بين أطراف القبة من أجل تغطية وجوه الملائكة؟... إن المقاربة المتبصّرة خلال ثلاثينيات القرن الماضي أتاحت للجميع الوصول إلى هذا المعلم والتأمل فيه. ومحاولة إعادته إلى مسجد في عام 2020  تعيدنا إلى الوراء".  

حتّى أردوغان نفسه شكّك في الحاجة إلى مسجد آخر في حيّ إسطنبول التاريخي، الذي تملأه دور العبادة من الأحجام كافة. "يحمل هذا الموضوع بعداً سياسياً" كما قال الرئيس قبل عام وحسب حين انتقد المطالبات بإعادة تحويل آيا صوفيا إلى مسجد. وأضاف "لن تستطيعوا ملء المسجد الأزرق المجاور لها بالناس ومع ذلك تقترحون ملء آيا صوفيا. دعونا لا ننخدع بهذه الحيل".

لكن إن وضعنا القضايا التقنية والسياسية جانباً، فالجدال حول العودة بتاريخ أهم المعالم التركية إلى الوراء هو تذكير مرير بما فقدته البلاد بالفعل: صورتها باعتبارها مجتمعاً مسلماً منفتحاً وعابراً للثقافات، وهي صورة بهتت خلال السنوات الماضية مع تضييق الحكومة الخناق على الحقوق الديمقراطية.  

© The Independent