Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لماذا ينتحر سكان غزة؟

300 ألف خريج جامعي عاطلون من العمل ونسبة الفقر المدقع وصلت إلى 50 في المئة

أدى الحصار على غزة منذ 14 عاماً إلى إغلاق عدد كبير من المؤسسات وتسريح مئات العاملين (اندبندنت عربية)

"هيا مش محاولة عبث، هيا محاولة خلاص وخلص، الشكوى لغير الله مذلة وعند الله تلتقي الخصوم"، هذه الكلمات المؤلمة كانت آخر عبارة قام بنشرها الشاب سليمان العجوري عبر صفحته على "فيسبوك" قبل أن ينهي حياته، على درج منزله في غزّة، هرباً من الحياة المريرة التي يعيشها، كما بقية سكان القطاع.

لم تكن حادثة انتحار العجوري الأولى، ولن تكون الأخيرة، فخلال 48 ساعة، سجلت غزّة ست محاولات انتحار، ثلاث منها لقيت حتفها، بينما تمّ انقاذ بقية الحالات، ويعدّ ذلك تزايداً في حالات الانتحار المعلن عنها، وفقاً لما يراه حقوقيون.

حالات الانتحار

وأثار خبر انتحار العجوري موجة سخط واسعة بين سكان القطاع، وسط اتهامات للمسؤولين بأنّهم السبب في ذلك، وأن الأوضاع المأساوية في غزّة هي التي دفعت الشبان للإقدام على الانتحار، بينما باشرت أجهزة الأمن فتح تحقيقات للبحث عن ملابسات هذه الحوادث، من دون الإفصاح عن الوصول إلى أي نتائج.

محاولة سابقة

ويقول حسين، وهو أحد الأشخاص الذين حاولوا الانتحار في غزّة، "ماذا تريد مني أن أفعل، بعدما تخرجت من قسم الهندسة ولم أجد عملاً، فلجأت لبيع السجائر في الشوارع، وما زلت أحصل على مصروفي من والدي، وحتى في عمري هذا، عاجز عن الزواج، من وجهة نظري، الانتحار هو المحاولة المثلى للخروج من حياة مثل التي أعيشها".

ويتابع "اسأل الحاكم لماذا ننتحر، لماذا تركونا نموت في اليوم 100 مرة، هل رأيت ابن وزير حاول الانتحار، في الحقيقة كلنا مرضى وتركونا بلا علاج، لو حاولوا علاجنا ثم انتحرنا، لكانوا أخذوا بالأسباب، لكن في الحقيقة تركونا نموت من دون رحمة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الشرطة لا ترى في الامر ظاهرة

ويتطابق حديث الشاب، مع تقرير منظمة الصحة العالمية الذي وثّق أكثر من 210 آلاف حالة اضطراب نفسي في غزة، إذ يوجد شخص من بين كل 10 غزيين بحاجة إلى علاج نفسي، وقد يكون عرضة للقيام بمحاولة انتحار في أي لحظة تسوء الحياة في نظره أكثر مما هي عليه الآن.

وبالعودة إلى سجلات محاولات الانتحار في قطاع غزّة الذي يقطنه حوالى مليوني نسمة. في عام 2015، سجلت 10 حالات بينما حاول 553 آخرون القيام بذلك، أما في عام 2016 فسجلت 16 حالة انتحار و626 محاولة، وفي عام 2017 وثقت 23 حالة فعلية وحوالى 566 محاولة، وفي عام 2018 سجلت 20 حالة انتحار، و504 محاولات، وفي العام الماضي وصل عدد الوفيات بسبب الانتحار إلى 32 من أصل 133 محاولة.

أما في العام الحالي، فتتضارب المعلومات الواردة من المراكز الحقوقية عن تلك التي تصدرها الشرطة في غزّة، ويقول نائب مدير مركز الميزان سمير زقوت إنّهم وثقوا 17 حالة انتحار خلال الأشهر الستة الماضية، إلى جانب مئات محاولات الانتحار معظمها لدى فئة الشباب لأسباب متعددة، بينها الضغوط المعيشية والاقتصادية والفقر المدقع وفقدان الأمل والحاجة لحرية التعبير عن الرأي.

وسط هذه الأجواء، قلّل المتحدث باسم شرطة "حماس" أيمن البطنيجي من خطورة هذه الحالات بالقول، "خلال العام الحالي سجلنا 12 حالة انتحار فعلية، وهي الأقل مقارنة بالعام الماضي الذي سجلت فيه 32 حالة"، ويرى أن حالات الانتحار التي يعلن عنها هي فردية، وليست ظاهرة، وهذه الأرقام لا تشكل أي خطورة، وأن غزة الأكثر أمناً في المناطق كافة.

الأسباب

وأثارت الحوادث المتكررة للانتحار في غزة، الكثير من المخاوف والتساؤلات حول الأسباب التي تدفع الشبان إلى قتل أنفسهم، ووضع حد مأساوي لحياتهم.

وتشير الباحثة في مركز مسارات لأبحاث السياسات والدراسات الاستراتيجية ميساء سلامة إلى أن من بين الأسباب السياسية التي تجعل الشبان يفكرون في الانتحار هي ممارسات السلطات الفلسطينية تجاه المواطنين والتضييق عليهم.

وفي الواقع، يتقاضى موظفو السلطة الفلسطينية نسبة 30 إلى 50 في المئة من رواتبهم، بينما يتقاضى موظفو حكومة "حماس" 40 في المئة من رواتبهم كل 50 يوماً، وهذا يؤدي إلى تشكيل مأزق حقيقي للناس في التفكير بكيفية تسيير حياتهم، وعندما يعجزون يبدأون بالتفكير الفعلي بالانتحار.

البطالة

وتشير بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى أن معدل البطالة لدى الفلسطينيين تخطى حاجز الـ 70 في المئة، من بينهم حوالى 300 ألف خريج جامعي عاطلين من العمل، ووصلت نسبة الفقر 53 في المئة، منها 33 في المئة فقر مدقع، وأن حوالى 80 في المئة من سكان القطاع يعتمدون بشكل أساسي على المساعدات الغذائية المقدمة من المنظمات الدولية، والتي باتت مهددة بالتوقف، ويقدر دخل الفرد في غزة دولارين في اليوم.

وبحسب سلامة، أدى الحصار على غزة المستمر منذ 14 عاماً إلى إغلاق عدد كبير من مؤسسات القطاع الخاص، وتسريح مئات العاملين في المصانع وإغلاقها، وتقليص تمويل المشاريع التشغيلية، ووقف معظم المساعدات.

ومن الأسباب الاجتماعية، تشير سلامة إلى أن المشكلات الأسرية وخلافات العائلات، لأسباب مالية أو مهنية وكذلك التفكك الأسري، والتعرض الدائم إلى الكآبة، لها دور بارز في دفع الأشخاص إلى التفكير في الموت، وكذلك يعدّ تدهور الأوضاع الاقتصادية سبباً رئيساً لمحاولة التخلّص من الحياة.